كتابة وتصوير: مفلح العدوان - أول القول سلام على الذين مروا من هناك، وكانوا يحملون مشاعل رسالة آمنوا بها، واصطفوا جنودا مخلصي النية لتكون نبراسا، وتاجا، للعالم من حولهم.
سلام على صفحات التاريخ في قرية «أبو اللسن»، جنوبا، والجنوب فرس الريح الذي يصهل بالخير العميم، والجنوب هناك على مرمى نبضة من كل مكرمة يمكن أن تطال، والمكرمات كثيرة، يمكن إحصاؤها في قرية «أبو اللسن»، التي زرتها، ومررت بها، وتابعت أخبارها، فكانت ميدان شهامة، وساحة نصر، بإجماع كل من وثّق للذاكرة والتاريخ فيها.
تلك قرية اسمها «أبو اللسن»، ولكنها في منظومة الثقافة الوطنية كان من الممكن أن تكون مدرسة لكثير من التفاصيل التي كانت تشكل نموذجا منيرا للحرية، قبل عشرات السنين من الربيع العربي الذي نعيشه الآن، فقد كانت أرض معركة فاصلة، وحاسمة، مع حكم مضى، وأوشك ما تبقى من نوره أن ينقضي، وهي كذلك ميدان مؤتمر يحذر من مؤامرة تحاك ضد العرب، وثورتهم التي نادت بالحرية والكرامة لكل العرب، فهناك، في أبي اللسن، افتضحت ألعوبة سايكس بيكو،وكان القرار، بعد مؤتمر عسكري عقد هناك، بأن يسرعوا المسير إلى دمشق، ليبطلوا المؤامرة.
 هذا كان في عام 1918م، وكان في قرية «أبو اللسن»، ولذا، فالعتب على السياسيين ربما، وعلى العسكريين، بالتأكيد، أنهم لم يتركوا في هذه القرية، إشارة دالة للجيل الجديد، على هذه الأحداث، وتلك الذاكرة، على هيئة مشروع متحف عسكري، أو كلية للتفكير الاستراتيجي، أو حتى ساحة أو قاعة اجتماعات تشي ببعض من هذا التاريخ، وتلك الذاكرة التي تسكن قرية «أبو اللسن».

نبات
هناك «أبو اللسن»، جنوب معان، ضمن حدود قضاء المريغة، في محافظة معان، وقد سميت بهذا الاسم لأن بيرها، وموقعها، يأتي على منطقة شبيهة باللسان، بالنسبة لما حولها من الأمكنة. ويبلغ عدد سكانها بحسب التعداد العام للسكان والمساكن 2004م، 908 نسمة (480 ذكور و 428 إناث) يشكلون 143 لأسرة تسكن في في 189 مسكنا، وهم من عشائر الدراوشة، والطقاطقة.
ويشير الباحث ركاد نصير في كتابه «المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية» إلى أبو اللسن ضمن استعراضه لأحواض منطقة الشراة الجنوبية، في محافظة معان، حيث يقول «حوض أبو اللسن: اللسن: نبات».

المسار الأول.. والمسار السابع
يورد الدكتور بكر خازر المجالي منطقة أبو اللسن في غير مكان من كتابه «المسارات العسكرية للثورة العربية الكبرى في الأردن»، ويحسب له، هذه الدقة في التوصيف، والمعلومة، وهي ما نعتمد عليه في تقديمنا لبوح «أبو اللسن»، حيث أن زيارتنا للمكان لم توحي لنا بهذا الزخم التاريخي الذي تختزنه القرية فيها، ولا يوجد أي معلم أو دليل على ما كان فيها من تاريخ، اضافة الى قلة ما كتب عن المنطقة من قبل الباحثين، إلا أن الأمانة العلمية، وارجاع الفضل إلى أهله، تحتم علينا التأشير إلى أهمية مشروع الدكتور بكر خازر المجالي في توثيق هذه المسارات كهدف أساس، ولكنه في هذا السياق هو أضاف معلومات مهمة عن المكان، وجغرافيته، وتسميته، وجوانب من الأبعاد التاريخية له.
وترد منطقة أبو اللسن في كتاب الدكتور المجالي، كمحطة أساسية في مسارين من المسارات العسكرية لجيوش الثورة العربية الكبرى في الأردن؛ المسار الأول: (باير-الجفر-غدير الحاج-أبو اللسن- راس النقب-القويرة-خربة الخالدي-كثارة-العقبة)، والمسار السابع: (معسكر الأردن «القويرة-أبو اللسن-وادي موسى). كما أن أبو اللسن، تعتبر مركز القيادة الرابع للجيوش، حيث أن هذا المركز تكمن أهميته في أنه «يميز أبو اللسن أن التخطيط للتوجه شمالا قد تم فيه، خاصة بعد عقد المؤتمر المعروف باسم مؤتمر أبو اللسن العسكري والذي فيه تقرر توسيع ميدان العمليات وإعادة تنظيم الجيوش العربية بعد زيادة أعدادها»
ويشار أيضا، حول منطقة «أبو اللسن»، أن الأمير فيصل بن الحسين، التقى فيها السير كركبرايد، ضابط الأركان البريطاني الذي أصبح فيما بعد من المعتمدين البريطانيين في المنطقة، والذي كتب حول النهضة العربية، وله كتاب يتحدث عن المنطقة واسمه خشخشة الأشواك.

المعركة
ويفرد الدكتور بكر خازر المجالي مساحة من بحثه، للكتابة حول أهم حدث في منطقة «أبو اللسن»، تحت عنوان «معركة أبو اللسن»، حيث يقول «تستحق اسم المعركة، فقد استعد لها الترك بحشدهم طابور بقيادة نيازي بك، واستعد العرب بخطتهم حيث قاموا بتأمين المنطقة الخلفية بالتفاهم مع الشيخ قاسم بن دميك شيخ الدمانية، ومن ثم التقدم لاحتلال مخفر (الفويلي)، وقد جعل العرب الهجوم من محورين أو اتجاهين، فقد كان اتجاه الهجوم للجسم الرئيسي من منطقة المريغة، سالكين المرتفع البسيط المحاذي لوادي أبو اللسن الذي يسير فيه خط سكة الحديد، ومن ثم لتنقسم القوات العربية إلى اتجاهين: أ- من الشرق حيث المرتفعات أعلى من الغربية، ووعرة المسالك قليلا، وقد أعطي هذا الاتجاه للفرسان، وعددهم 50 فارسا، لتميز الخيل بخفة الحركة والسرعة في صعود المرتفعات أو الانحدار منها. ب- من الغرب، حيث المنطقة السهلية نوعا ما، وتطل على منطقة أبو اللسن، وان منطقة العسكر ليست واسعة كثيرا، ويتوسطها بئر ماء ذو نبع طبيعي يروي المنطقة، وكانت النتيجة حاسمة وسريعة، حيث اعتمد العرب على إحداث الصدمة في صفوف الترك، ومفاجأتهم بأسلوب الهجوم المباشر والاقتحام مما أوقع في صفوفهم 300 قتيل، وأسر العرب 160 منهم، وكانت الخسائر العربية شهيدان أحدهم من الرولة والآخر شراري. وقد أعقب الهجوم العربي هذا عملية المطاردة التي نفذها محمد بن دحيلان، ووصلت المطاردة حتى المريغة، وهذا يؤكد اتجاه الهجوم العربي من الشرق والغرب. وتركوا خط الشمال مفتوحا باتجاه المريغة كخط وطريق انسحاب محتمل وهو الوحيد لأنهم لن يستطيعوا الانسحاب جنوبا لوجود منطقة سحيقة وصعبة هي رأس النقب، وبهذا نجح العرب في حركتهم النظامية الثانية، بعد الاصطدام في غدير الحاج.. وقد تحركت قوات عربية لتأمين منطقة عين اوهيدة وهي نبع مياه استخدمت كقيادة عسكرية للأمير فيصل فيما بعد، وكذلك تأمين منطقة المريغة، وبهذا يكون العرب قد أمنوا خطا واقيا خلفيا يفصلهم عن القوات التركية في معان، بدءا من وهيدة إلى المريغة ثم أبو اللسن وحتى رأس النقب. لقد أثبتت معركة أبو اللسن أن العرب يملكون القدرة على التخطيط العسكري، وتنفيذ عمليات متطورة، فقد فاجأوا القوات التركية من الخلف من جهة مخفر الفويلي، وأرغموا القوات التركية على الانسحاب والتراجع باتجاه الشمال إلى مرتفعات المريغة ووادي موسى نفسها، ويبلغ طول هذا الخط الدفاعي حوالي 25كلم».

المؤتمر العسكري
أما الحدث المفصلي الآخر في «أبو اللسن»، فهو ما أشير اليه ب»مؤتمر أبي اللسن العسكري»، وحوله يقول الدكتور بكر خازر المجالي أنه «على أثر التطورات الأخيرة، خاصة بعد كشف اتفاقية سايكس بيكو، استقر الرأي على ضرورة الإسراع في دخول دمشق للشروع في تأسيس الدول العربية المستقلة التي تستطيع الوقوف ومجابهة المخططات المقبلة، وتستطيع أيضا تحقيق طموحات وآمال الأمة، التي تحدثت عنها، وأعلنتها الثورة العربية كمنهج عمل وفكر قابل للتطبيق والتحقيق. من هنا جاء مؤتمر «أبو اللسن» العسكري في قاعة أبي اللسن جنوب معان، وتم وضع خطة المرحلة القادمة للحركة من أبي اللسن إلى الشمال، وانعقد المؤتمر بقيادة فيصل بن الحسينن وحضرته بعثة الارتباط البريطانية، واتخذ القرارات التالية: أ- تجميع القوات العربية ودعوة كل من يريد الالتحاق بها لمعرفة الحجم النهائي لتنظيمها لتكون مستعدة لتنفيذ المهمة المقبلة. ب- تقسيم القوات حسب طبيعة ونوع المهمة إلى: 1- قوات الميدان الجنوبي في معان حيث تستمر في تنفيذ واجباتها ضد معان والمواقع التركية الباقية في المنطقة واعتبرت هذه القوات رئيسية تكون مهمتها: أ- استمرا الحصار والضغط على القوات التركية في المنطقة. ب- منع القوات التركية من التأثير على مسرح العمليات الشمالي وتثبيتها على الأقل في مواقعها. ج- يبقى الأمير زيد بن الحسين قائدا لمسرح العمليات الشمالي لخبرته ومعرفته بطبيعة المنطقة. د- تقوم القوات العربية في هذه المنطقة بتوسيع نطاق عملياتها. ه- الاستمرار بعمليات التفجير للجسور والعبارات وقضبان السكة. 2- القسم الثاني: القوات المتحركة الضاربة التي عليها أن تتحرك شمالا لتنفيذ المهمة وواجباتها: أ- تأسيس قاعدة أمامية متقدمة حيث اختيرت الأزرق لتكون قاعدة الحشد. ب- الاستمرار في تدمير وتفجير المواقع والنقاط الهامة على طول خط سكة حديد الحجاز في المنطقة الشمالية. ج- التنسيق مع القوات الحليفة في نواحي الإسناد وتنظيم الحركة وتبادل المعلومات. الاتصال مع القبائل العربية لتنظيمها لتكون عونا فاعلا لقوات الواجب الرئيسي».

بيان الإنقاذ
بعد ذلك تحركت القوات العربية من معسكر أبي اللسن في 21 آب 1918م وسلكت طريقها من جنوب معان إلى الجفر ثم إلى باير ومرورا بقصر الطوبة ووصولا إلى الأزرق حيث وصلتها في 6 أيلول 1918م وكان الشريف ناصر بن علي أول من وصل إلى الأزرق على رأس فرسان البدو الذين عهدت الذين عهدت اليه عملية تنظيمهم وتجهيزهم للعمليات المقبلة.
وقد أصدر الأمير فيصل بن الحسين بيانا دعا الجميع للزحف إلى الأزرق للبدء بتنفيذ العملية المقبلة، هذا نصه: «هيا إلى العمل، وقد دنت الساعة لإنقاذ سوريا ومباشرة الهجوم العام بعد أيام فاذهبوا غدا مع الحملة، وجمهور الثوار إلى الأزرق، وسيوافيكم الجيش النظامي إليها، وسأحضر اليكم بعد أيام، فبادروا عند وصولكم لإعلان الثورة في جميع أنحاء سوريا».