محمود الزواوي - فيلم «الرمادي» (The Grey) هو الفيلم الروائي الطويل الخامس للمخرج جو كارناهان الذي شارك في كتابة سيناريو الفيلم مع الكاتب السينمائي إيان ماكينزي جيفرز استنادا إلى  قصة قصيرة بعنوان «سائر الشبح» من تأليف كاتب السيناريو المشارك جيفرز.
يجمع فيلم «الرمادي» بين أفلام الحركة والمغامرات والدراما والتشويق والرعب. وتقع أحداث قصة الفيلم في شمالي ولاية ألاسكا، وتدور القصة حول مجموعة من العاملين في إحدى الشركات من المنقبين عن النفط في تلك المنطقة النائية المغطاة بالثلوج والذين يواجهون ظروفا صعبة تجمع بين الأحوال الجوية القاسية وتعرضهم للمطاردة من قبل الذئاب المفترسة، وتقطع بهم السبل بعد تحطم طائرتهم.
الشخصية المحورية في فيلم «الرمادي» هو «أوتواي» (الممثل ليام نيسون)، وهو هدّاف ماهر يعمل لحساب شركة النفط كمتخصص في قتل الذئاب المفترسة لحماية العاملين في التنقيب عن النفط في تلك المواقع النائية.
 ويقوم أوتواي في اليوم الأخير من العمل بكتابة رسالة وداع لزوجته التي هجرته ويقرر الانتحار. ولكنه يتوقف عن تنفيذ محاولة الانتحار حين يسمح نباح ذئب. وفي اليوم التالي ينضم إلى أعضاء فريق التنقيب عن النفط الذين يستقلون طائرة صغيرة في طريقهم لقضاء إجازاتهم، إلا أن الطائرة التي تقلع وسط عاصفة ثلجية تسقط وتتحطم ويقتل ويصاب عدد من ركابها، ولا ينجو سوى سبعة منهم بينهم أوتواي. ويجد الناجون أنفسهم في منطقة نائية وموحشة ومليئة بالذئاب.
 يتولى أوتواى قيادة المجموعة ويكلف أفرادها بجمع الحطب لإشعال النار وجمع ما تبقى من مواد غذائية في الطائرة، ويشير عليهم بمغادرة موقع تحطم الطائرة لأنهم محاطون بالذئاب، كما أنهم يدركون صعوبة العثور عليهم من قبل فرق الإنقاذ في منطقة مترامية الأطراف كولاية ألاسكا، خاصة بعد أن تغطي الثلوج بسرعة حطام الطائرة، وهي المعلم الوحيد الذي قد يدل على مكان وجودهم.
  وقبل أن يغادر الناجون الموقع يقومون بجمع المحافظ من جثث ضحايا تحطم الطائرة بهدف تسليمها لأفراد أسرهم بعد عودتهم سالمين. ويمضي الناجون في رحلتهم الشاقة التي يواجهون خلالها صعوبات متواصلة وسط الثلوج المتراكمة والتضاريس الوعرة وعبور الأنهار المتجمدة وشح الطعام الذي يشمل تناول لحم الذئاب التي يفترسونها والنوم في العراء في منطقة متجمدة، علاوة على مطاردتهم المستمرة من قبل الذئاب المفترسة. كما تتخلل الرحلة تحدي دياز (الممثل فرانك جريلو)، أحد أفراد المجموعة، لقيادة أوتواي ولأوامره، ويؤدي ذلك إلى اشتباك بالأيدي بينهما ينتهي بتغلب أوتواي على خصمه.
ومع تواصل الرحلة يقتل أفراد المجموعة الواحد تلو الآخر، بين الوقوع كضحايا لحوادث خطرة أو كفريسة للذئاب، فيما عدا أوتواي، الذي يبقى الناجي الأخير. ويجد نفسه وحيدا في مواصلة الرحلة. ثم يضع المحافظ التي تم جمعها من جثث الضحايا بعد تحطم الطائرة في كومة فوق الثلج ويضيف إليها محفظته. وفجأة يجد نفسه محاصرا من قبل قطيع من الذئاب ويكتشف أنه دخل دون أن يدري إلى عرين الذئاب، حيث يقترب منه زعيم القطيع ويتراجع عنه الذئاب الآخرون. وفي تلك اللحظة يتخيل أوتواي زوجته وهي تحتضر على سرير في أحد المستشفيات، ما يذكّره بمحاولة انتحاره السابقة. ويقرر عندئذ أن يقاوم دفاعا عن حياته. ويقوم بإفراغ الحقيبة المحمولة على ظهره، ومن ضمنها زجاجات صغيرة يربطها برسغه ثم يقوم بكسرها، وينشد بصوت عال قصيدة تعلمها من والده قبل أن ينقض على كبير الذئاب. ونرى في المشهد الختامي لفيلم «الرمادي» رأس أوتواي ممتدا فوق جثة كبير الذئاب.
 يتميز فيلم «الرمادي» بالإخراج المحكم للمخرج جو كارناهان وبالسيناريو الحيوي لقصة الفيلم. وتظهر براعة المخرج في التناغم الفعال بين الصوت والصورة والموسيقى التصويرية التي تلعب دورا مؤثرا في جو التوتر والرعب والتشويق طوال عرض الفيلم، بما في ذلك الظلام الذي يحيط بالرجال وصوت الأشجار وهي تتكسر والتفاصيل الدقيقة المتعلقة بموت شخصيات الفيلم ونباح الذئاب، بحيث يشعر المشاهد بأنه جزء من تلك المواقف المحفوفة بالمخاطر. ويستخدم الصوت، بفضل المونتاج المتميز، كأداة بالغة التأثير على وجه الخصوص في الفيلم، للتعبير عن الأحداث والجو العام والمشاعر، بحيث يشعر المشاهد بالقرب من جميع هذه العناصر دون أن يكون موجودا في مواقع الأحداث.
كما يتميز الفيلم بواقعية تصوير المشاهد، من ضحايا تحطم الطائرة إلى الحوادث التي يتعرضون لها وخطورة الذئاب المفترسة وتأثير البرد القارس على شخصيات الفيلم، بحيث يتحول البرد إلى شخصية رئيسية من شخصيات الفيلم. ويتعامل المخرج جو كارناهان مع أبطال الفيلم الرئيسيين السبعة كأفراد إلى جانب كونهم مجموعة، بحيث يتعرف المشاهد على شخصياتهم وعلى دخائلهم الخاصة.
  ومن المفارقات أن فيلم «الرمادي» يقدّم مجموعة من الأشخاص الذين يلقون حتفهم الواحد بعد الآخر في طريق بحثهم عن الأمان والسلامة. ويعبر الفيلم عن صراع الإنسان مع الطبيعة وقوة الإرادة من أجل البقاء. ويختبر هذا الفيلم قدرة المشاهد على التحمل ويبقى أثره مع المشاهد بعد مغادرة صالة العرض السينمائي.
 ولا بد من الإشارة إلى قوة أداء ممثلي الفيلم الرئيسيين، وفي مقدمتهم بطل الفيلم ليام نيسون، وهو من مواليد إقليم إيرلندا الشمالية ببريطانيا، في أقوى أدواره السينمائية حتى الآن، في تجسيده لشخصية بطل القصة أوتواي، وما يتعرض له من صراعات داخلية وخارجية.
ومع أن معظم النقاد استقبلوا فيلم «الرمادي» بحماس كبير، إلا أن قلة منهم انتقدوا النهاية المفاجئة للفيلم، ومنهم من اعترضوا على التأكيد على الجانب العاطفي والفلسفي للقصة، معتبرين ذلك شيئا غير ضروري. كما أن بعض المنظمات المدافعة عن حماية البيئة والرفق بالحيوان اعترضت على تصوير الذئاب بشكل سلبي. وشنت بعض هذه المنظمات  حملات لمقاطعة مشاهدة الفيلم. وقد رد المخرج جو كارناهان على ذلك بالتقليل من أهمية دور الذئاب الشرسة التي ظهرت في الفيلم والتأكيد بدلا من ذلك على إبراز أهمية الصراع الداخلي للإنسان من أجل البقاء.
صعد فيلم «الرمادي» إلى قمة قائمة الأفلام التي تحقق أعلى الإيرادات في دور السينما الأميركية في أسبوعه الافتتاحي، وبلغت الإيرادات العالمية الإجمالية لهذا الفيلم على شباك التذاكر 73 مليون دولار، فيما بلغت تكاليف إنتاجه 25 مليون دولار.