د.يوسف محمود عليمات
• في المفهوم
يأتي اجتراحنا لمصطلح «النقد النّسقي» (Categorical Criticism) في سياق طروحات فاعلة في الخطاب النقدي المعاصر، من قبيل «النقد الحضاري»، و»النقد المعرفي»، و»النقد الثقافي»، و»النقد السياسي» و»النقد الاجتماعي».
والنَّقد النَّسقي، كما يتجلّى في هذا التنظير، يشير إلى النَّسق بوصفه عنصراً مركزياً في الحضارة والمعرفة والثقافة والسياسة والمجتمع؛ إذ يتسم النسق من حيث هو نظام بالمخاتلة، واستثمار الجمالي والمجازي ليمرّر جدلياته ومضمراته التي لا تنكشف إلا بالقراءة الفاحصة (Critique Reading)، ولا يمكن استبارها إلا بتكوين جهاز مفاهيمي ومعرفي متكامل.
والنقد النّسقي في دلالته العامة «نشاطٌ فكري يتّخذ الثقافة بشموليتها موضوعاً لبحثه وتفكيره، ويعبّر عن مواقف معينة إزاء تطوراتها وسماتها».
لذلك، فإن أحد أهداف هذا النقد هو «استكشاف الوظائف الأيديولوجية للنصوص في مراحل تاريخية متنوعة وفي ممارسات ثقافية متباينة». وهذا يشي بأن «التعامل مع النصّ الأدبي من منظور النقد النّسقي يعني وضع ذلك النصّ داخل سياقه السياسي من ناحية، وداخل سياق القارئ أو الناقد من ناحية أخرى».

• «النّسقي» في سياق الدراسات الثقافية
ولا يمكن للناقد أن يشرع بتشريح النقد النّسقي أو التأسيس لمفاهيمه وطروحاته النظرية دون الإحاطة ببدايات انبثاق أو تكونّ الدراسات الثقافية ((Cultural Studies؛ إذ تجلّت الدراسات الثقافية في أوروبا بظهور كتابين مهمّين هما: «الثقافة والمجتمع» (Culture and Society) ل»رايموند ويليامز» (Raymond Williams) نشره في العام 1958، و»ميثولوجيات/ أسطوريات» (Mythlogies) ل»رولان بارت» (Roland Barthes) في بداية الخمسينات، ونشره العام 1957.
وقد انفتح المؤلَّف الأول على تحليل الثقافة في ضوء علاقتها بالتشكيل الاجتماعي، بينما انطلق المؤلَّف الثاني من النص.
ورغم أن ظهور النقد الثقافي في رؤية بعض النقاد يعود إلى القرن الثامن عشر، فإن «بعض التغيرات الحديثة، لاسيما مع مجيء النصف الثاني من القرن العشرين، أخذت تكسبه سمات محددة على المستويين المعرفي والمنهجي لتفصله من ثمَّ عن غيره من ألوان النقد، وبالقدر الذي استدعى الإشارة إليه مع بداية التسعينات من القرن الماضي بوصفه لوناً مستقلاً من ألوان البحث».
لقد كان محور اهتمام الدراسات الثقافية، في البداية، منصبّاً على تحليل موضوعة الثقافة (Culture) بوصفها بنية أساسية في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية. كما حاول عدد من النقاد الغربيين تقديم مفاهيم خاصة بالثقافة انطلاقاً من الاشتغالات النقدية أو العلمية التي يهتم بها هؤلاء النقاد.
فالثقافة، مثلاً، في رؤية عالم الأنثروبولوجيا الشهير «تايلور» (E.B. Tylor)، تعني «ذلك الكل المركب الذي يشمل: المعرفة، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقانون، والعرف، وجميع المقدمات، والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع».
أمَّا «رايموند ويليامز»، أحد مؤسسي الدراسات الثقافية، فيرى «أن الثقافة تتضمن تنظيم الإنتاج وبناء الأسرة، وإنشاء المؤسسات التي تعبّر عن العلاقات الاجتماعية أو تتحكم بها، والخواصّ المميزة التي يتواصل أفراد المجتمع من خلالها بعضهم مع بعض».
ويرى أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة برنستون، «كليفورد غيرتز» (Clifford Geertz) أن «الثقافة ببساطة هي مجموعة القصص التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا».
وانطلاقاً من هذا المفهوم الإشكالي لموضوعة الثقافة؛ فإن الدراسات الثقافية «تهدف إلى تناول موضوعات تتعلّق بالممارسات الثقافية وعلاقتها بالسلطة، مثلما تهدف في الآن نفسه إلى اختبار مدى تأثير تلك العلاقات على شكل الممارسات الثقافية».
من هنا، تحاول الدراسات الثقافية في تجلياتها الموضوعاتية أن «تستحضر معاني الوعي التاريخي متضمناً التاريخ المفاهيمي، والنفسي، والتشكيل اللساني بوصفها تشكيلات اجتماعية».
ووفق هذا، فإن كتابات «ريتشارد هوغرت» و»رايموند ويليامز» و»أي. بي. طومسون» و»ستوارت هول»، والتي كانت مرتبطة بمركز الدراسات الثقافية المعاصرة، تعدّ نصوصاً مؤسسة وفاعلة في الدراسات الثقافية.

• «غرينبلات» وشعرية الثقافة
يمثل الناقد الثقافي «ستيفن غرينبلات» (Stephen Jay Greenblatt) (1943) أستاذ النقد الإنجليزي في جامعة كاليفورنيا بيركلي، علامة فارقة في تاريخ الدراسات الثقافية من خلال كتاباته النقدية الجادة في هذا المجال.
فقد اخترع «غرينبلات» مصطلح «التاريخانية الجديدة» (New Historicism) في بداية الثمانينات؛ ليناقش مع عدد من تلاميذه: «لوي مونتروز» (Louis Montrose) و»ريتشارد هيلغرسن» (Richard Helgerson)، الممارسات القرائية لأدب عصر النهضة (Renaissance). وقد درس «غرينبلات» ما تسمّى «التاريخانية الجديدة»، في ضوء علاقتها ب»فقه التاريخ القديم» كما هي الحال عند «تين» (Taine).
ويرى «غرينبلات» من خلال قراءاته في أدب العصرين التاسع عشر والعشرين، أن «التاريخانية الجديدة» تشترك في سيرورتها التحليلية مع السيميائيات، وما بعد البنيوية، وعلم النفس بوصفها إدراكا للكيفية التي تكون فيها التجربة «شيفرة» (Code).
وهكذا، فإن الإدراك النصّي الجديد للتاريخ صُنع لكي يشجّع نقاد الأدب من أجل تشكيل تصوّر حول التاريخ بوصفه قطعة/ جزءاً من اللغة، ولكي يتأمل هؤلاء النقاد في ما وراء التشكيلات الجمالية (كما في قراءة «سبيفاك» (Spivak) ل «فوكو» ((Foucault، بغية قراءة الأدب في سياق علاقات القوة/ السلطة ب»الممارسة».
وتأسيساً على منهجية «غرينبلات»، كانت هناك دراسات بارزة في نصوص القرن التاسع عشر من منظور «التاريخانية الجديدة» كهاته التي كتبها: «د. آميللر» (D.A. Miller)، و»كاترين غولفر» Cathrine Gallagher))، و»هيلاري سكور» (Hillary Schor) (وكلهم من الولايات المتحدة)؛ إذ يركز النقاد التاريخانيون في دراساتهم البحثية على أدب عصر النهضة، والدراما الشكسبيرية.
وقد طوّر «غرينبلات» منهجه النقدي بشكل واضح بعد تحوّله من «التاريخانية الجديدة» إلى مصطلحه الجديد «الشعريات الثقافية» (Cultural Poetics)؛ إذ تسعى «الشعريات الثقافية» إلى دراسة المفاوضات الثقافية والاجتماعية، والمعاملات والتبادلات التجارية في البنى النصيّة أو الخطابية.
ويؤكد «غرينبلات» أنّ النصّ الثقافي يوظف الجماليات الاستعارية والمجازية بوصفها تشكيلات أو بنى زائفة تضمر وراءها شيفرات لا متناهية من الدلالات والمعاني. وبالنتيجة؛ فإن هذا المشروع النقدي عند «غرينبلات» يعيد تألّق محاور التداخل النصّي، مستبدلاً التعاقب التاريخي النصّي لتاريخ الأدبية المستقل بالنص التزامني للنظام الثقافي.
وهكذا؛ فإن كلاًّ من التاريخانية الجديدة والشعرية الثقافية، تتموضعان في التحليل الذي يقرأ مصطلحات «النصّ» و»السياق» و»الأدب» و»التاريخ» بوصفها «ضدّاً كليّاً مميزاً»

• نسق الأنوثة في الدراسات النسويّة
لم تعد المرأة في «النظرية النسوية» (Fiminist Theory) مجرّد موضوعٍ خاضع لهيمنة الذكورة أو سلطتها؛ وإنمّا أضحت نسقاً سيميائياً دالاًّ على حقيقة التحولات الجذرية التي ترفض منطق الاستحواذ.
لقد قوّضت ثنائية الذكورة/ الأنوثة في الثقافة الغربية القائمة على الهيمنة والسلطة –أي هيمنة المركزي/ الرجل على الهامشي/ التابع الأنثى؛ لتؤسس مفهوماً جديداً يقوم على التنافسية والاختلاف بفعل إلغاء أو تدمير هاته الجدلية.
وفي هذا الاتجاه؛ فقد برزت في الغرب نزعة جديدة تسعى إلى تكريس مركزية الأنثى في الثقافة بكلية أنماطها وأشكالها عبر الإبداع/ الكتابة؛ ولهذا فإن دراسات النسوية والجنوسة أصبحت تركز على الأسئلة الثقافية الكبرى المتعلقة بالسياسات، وتاريخ الأدبية، والموضوعاتية النفسية للنوع/ الجنس، وعلاقة العلم ب»المعرفة»، ومن ثمّ علاقتهما ب»الجنسوية».
مفهوم المرأة أو أدب المرأة، إذن، تجاوز حدود الموضوعية –أي أن تصبح المرأة موضوعاً للكتابة والنقد والتحليل من قبل الرجل الكاتب، كأن تصبح موضوعاً يؤكد «الأبويةط (Patriarchy)؛ لتعلن براءتها من هذا النهج السلطوي الذكوري؛ ولتشرع في الآن نفسه في قراءة «عالمها الذاتي».
وبفعل هذا النقد النسوي الذي كان نتاجاً لحركات ثورية نسوية طويلة في الغرب؛ تمكّن هذا النقد من بناء مشروعه الحركي السياسي أو النضالي المتميز لتفكيك ما يسمّى «البدهيات» أو «المركزيات» في الحضارة الغربية، بغية استرجاع الصوت الغائب أو المكبوت.
إن كتابات الرجل عن المرأة تشكّل، في الوعي النسوي، استراتيجيات نسقية يحاول النقد النسوي تحدّيها؛ بوصفه نقداً يرفض «الآخرية» (Otherness)؛ وبالتالي فإن هائه الآخرية، كما تقول «سيمون دي بوفوار» (Simone de Beauvoir)، تجعل الأنثى مجرّد إسقاط لخيالات الذكر (أسطورة الأنثى الأبدية) ومخاوفه؛ وفي إطار هذا المفهوم أطلقت «دي بوفوار» مقولتها: «إن المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة».
ومن أبرز الكتابات المتعلقة بالنقد النسوي، التي كان لها أصداء واضحة في الثقافة الغربية لأنها تمثل مرحلة ولادة الدراسات النسوية، ما كتبته «فرجينيا وولف» (Virginia Woolf) في العام 1924 حول مفهوم الهيمنة على المرأة، وكذلك «سيمون دي بوفوار» في العام 1949 حول نقد المرأة في المجتمع والفنون عبر دراستها الموسومة ب: «الجنس الثاني» (The Second Sex).
يضاف إلى ذلك ما كتبته «ديانا فوس» (Diana Fuss) أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة «برنستون»، حول النظرية النسوية ومفهوم طبقة المرأة، و»كورا كابلان» (Cora Kaplan) في مقالتها «صندوق باندورا» ((Pandora Box، و»كاترين بالسي» (Cathrine Belsey) و»جين مور» (Jane Moore) حول جماليات الخطاب النسوي، و»سارة جامبل» (Sarah Gamble) عن النسوية وما بعدها (Feminism and Post-Feminism)، و»جياتري سبيفاك» (Gayatri Spivak) عن التمثيل الأدبي للتابع: «نص امرأة من العالم الثالث» (1987).
أمّا «إلين شوالتر» (Elaine Showalter)، فقد أنجزت مشروعها النقدي في إطار النظرية النسوية من خلال تحليلها صورة المرأة الثقافية، والوظائف النسقية المتوارية في النص/ الخطاب النسوي؛ خصوصاً في دراستها المعنونة ب»نحو شعرية نسوية» (Toward a feminist Poeitics).
وقد ناقشت «شوالتر» صورة المرأة في الثقافة الغربية بوصفها قارئة وكاتبة؛ إذ ركّزت في المفهوم الأول: «المرأة بوصفها قارئة» (The Women as Reader) على دلالة «الشيفرات الجنسوية» (Sexual Codes) («المرأة بوصفها علامة») في السياق السياسي والتاريخي؛ في حين حدّدت في المفهوم الثاني: «المرأة بوصفها كاتبة» (The Women as writer) أربعة أنساق تتحكّم ببنية الخطاب النسوي.
ومن الدراسات النقدية الجادّة حول أدب المرأة/ كتابة الأنثى ما أنجزته البريطانية «لورا مولفي» (Laura Mulvey)، التي كتبت في مجلة (Screen) في العام 1975 مقالة عنوانها «اللذة البصرية والسينما السردية» (Visual Pleasure and Narrative Cinema) ناقشت فيها مفهوم «التحديق الذكوري (The Male Gaze)؛ بحيث تصبح المرأة من خلال هذا المفهوم موضوعاً للتحديق؛ أو بعبارة أدقّ، كما تصفه «مولفي»، بأنّه مشروع فانتازي يمارسه الرجل على جسد المرأة من خلال المشاهدة البصرية (السينما)؛ وقد أفادت «مولفي» في تشريحها لهذا المفهوم من التطبيقات الماركسية والنفسية.
نصّ الأنثى، كما يبدو في هاته المسارات المنمذجة في الفكر الغربي، نصّ نسقي يتخذ من التصوّرات الثقافية المضادة منطلقاً لتشكيل عوالمه، وتأسيس «أسطورة الذات الأنثوية»؛ قصداً لإعادة بناء التمركز، وصياغة منظومة فكرية تتجاوز مفاهيم «التشيؤ» و»التحديد» و»الإسقاط» التي رسختها الثقافة السائدة؛ لتخرج أو يخرج خطابها من دائرة المفعولية إلى الفاعلية؛ الأمر الذي يتجلّى بصورة أكثر وضوحاً في صورة الأنثى الثائرة والساعية دائماً إلى التحرّر كما يبدو في دراسات ما بعد الكولونيالية.

• استراتيجية في قراءة النّص
تؤكد القراءة الثقافية للنص أنّ النصّ، في حيدودته، نظام؛ وهو نظام يتّسم بالنسقية التي تتضمن سلسلة لا متناهية من العلاقات و»الشيفرات» (Codes) المولّدة للموضوعات الفكرية.
وبما أنَّ النصّ حادثة ثقافية نسقية؛ فإن أنساقه تكتسب خاصية الانفتاح على فضاءات في الثقافة والأيديولوجيا والتاريخ؛ بحيث تُلحظ هاته المعطيات، دون أن تكون متعالية على بنية الخطاب، بوصفها بنية نصيّة مثل اللغة المشكلة للنص، بالإضافة إلى كونها نموذجاً للتمثيل أو للفجوات النصيّة والخطاب السردي.
وفي القراءة النسقية نلحظ أنّ «النسق يتحدّد عبر وظيفته، وليس عبر وجوده المجرّد، والوظيفة النسقية لا تحدث إلاّ في وضع محدّد ومقيّد، وهذا يكون حينما يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر، ويكون المضمر ناقضاً وناسخاً للظاهر».
وتأسيساً على هذا؛ فإنّ القراءة النسقية تحاول قراءة النصوص الأدبية في ضوء سياقاتها التاريخية والثقافية، حيث تتضمن النصوص في بناها العميقة أنساقاً مضمرة ومخاتلة قادرة على التمنّع، ولا يمكن كشف دلالاتها النامية في المنجز الأدبي إلاّ بإنجاز تصوّر كلّي حول طبيعة البنى الثقافية للمجتمع، وتكوين جهاز معرفي/ إبستمولوجي من لدى المؤول الثقافي لفكّ شيفرات المحتملات النسقية.
وتكمن خاصيّة النسق، دائماً، بقدرته على الانفلات، والبناء/ إعادة البناء، والتمايز، والتحويل، والتوليد؛ أي أنه بهذا المفهوم نسق عابرٌ للمرجعيات المتعددة للخطاب.
ولا شكّ في أنّ تشظيات النسق داخل البنى النصيّة يسمح بتشكيل أنساقٍ أخرى مولّدة بالغة التداخل والجاذبية؛ فهي أنساق شبيهة ب»كيمياء الخلايا» على حدّ تعبير «بارسونز»؛ وينطبق عليها أيضاًَ وصف «نظرية الصندوق الأسود» (Black Box)؛ بحيث لا يمكن التعرّف على باطن النسق، كما يقول «بارسونز» نفسه، ولا يمكن تحليله لأنّه شديد التعقيد، كما لا يمكن استنتاج حتمية وجود ميكانيكية ما تفسّر موثوقية النسق وإمكانية تقديره والتنبؤ بمخرجاته لدى مدخلات محدّدة معروفة إلاّ من خلال انتظام علاقات النسق الخارجية.
إن «الاستراتيجيات» (Stratigies) التي يعتمدها النسق بغية التشكّل والبناء تستوجب من الناقد النّسقي تبنّي استراتيجيات مشبعة بالفكر والثقافة من أجل الوعي بهاته الأنساق الحرّة ذات الوظائف النوعية؛ ذلك أن هذه الأنساق، كما تشير «كاترين بالسي» (Cathrine Belsey) تملك تاريخاً من الأفكار؛ إنها الأفكار التي تفهم / تدرك بوصفها ممارسات مولّدة.
واقتباساً من عمل «فوكو» (Foucault) حول السلطة والمعرفة، تعتقد «بالسي» أنّ الأسئلة اللاحقة ستكون مضمنة في أي تحليل تاريخاني/نسقي للنصوص: ما صيغ هذه النصوص وظروفها؟ من أين جاءت، ومن يفحصها، ولمصحلة من؟ ما الافتراضات الموضوعية الممكنة التي كتبت فيها؟ ما المعاني والمناقشات المتعلقة بالمعنى، والتي يمكن عرضها؟
ولإيجاد الإجابات عن هذه الأسئلة، تكتب «بالسي»: «هو أن نجعل الحاضر موصولاً بالماضي».
إنّ مقولتنا ب»ثقافة النصّ» و»مرجعيات النّسق»، توحي بحضور النسق وفاعليته، مفهوماً وفلسفة، في كتابات «ما بعد بعد البنيوية» (Post – Post Structuralism)؛ فقد انشغلت بجدلياته المتوترة الدراساتُ الثقافية متمثلة بمدرسيّاتها النقدية: الماركسية الجديدة، والتاريخانية الجديدة، وخطاب ما بعد الكولونيالية؛ والنسوية، والنقد الثقافي.
لذلك، فإن مصطلحات من قبيل: «المؤسسة»، و»نظام الإشارة»، و»الأيديولوجيا»، و»الجنوسة»، و»الهوية»، و»المسألة الاجتماعية»، و»الثقافة العليا» (High Culture)، و»الثقافة الشعبية» (Mass or Popular Cultlure)– تصبح موضوعاتٍ مهمة وفاعلة يمكن أن تناقَش في إطار النصّية على حدّ تعبير «أنتوني إيستهوب» (Antony Easthope).