هزاع البراري - كانوا على ضفة النهر المقدس منذ زمن ارتبط بالشهامة والشجاعة والكرم، حيث يغزر ماء ''الشريعة'' وكأنه ناموس حياة الأغوار، وقانون رجالاتها الأوفياء، فكم جال فراس العدوان أحراشها الشائكة، ولاحقوا نمورها وضباعها، وشرعوا بيتهم للضيف وصاحب الحاجة.
فكانوا منذ عهد الشيوخ الكبار، وريادة شاعر التجديد نمر بن عدوان، الذي اختط بمنهج حياته وفرادته أسلوب عيشه، وتعاطيه مع الواقع والوجود بشكل سابق على عصره، سيرة لم تقل شأنا في تأثيرها عن سير كبار شعراء العربية، وبذلك استحق العدوان زعامة البلقاء لردح طويل من الزمن، وكان لهذه العشيرة دورها في الحراك الاجتماعي والسياسي في المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولعبت دورا في مرحلة التأسيس وما بعدها، وقد منحها موقعها في منطقة الشونة الجنوبية ومحيطها، بالإضافة، لبعض مناطق أرض الشفا، مركزا هاما اقتصاديا، ومتن مكانتها العشائرية، خلال مراحل زمنية مختلفة.
لقد كان مصطفى العدوان، خلاصة هذا الواقع، مشتبكا مع الحياة العصرية، المستندة على عمق اجتماعي عشائري، ضم الزعامة والمنافحة عن الأرض، والقيام على حاجة الأهل والناس، مستوعبا لكل هذا الإرث الذي حمله مسؤولية خاصة، أعطاه نكهة أردنية فريدة، حملها معه خلال مراحل عمره التي لم تكن طويلة بما يكفي، فلقد ولد مصطفى العدوان في الأول من شهر أيار عام 1942م، في فترة سعي إمارة شرق الأردن للحصول على الاستقلال الكامل، حتى نالته بعد ذلك بأربعة أعوام، حيث أعلن عن المملكة الأردنية الهاشمية، وقد كان لمصطفى رغم نشأته العشائرية، توجهات مغايرة، جعلته ينتمي لجيل التغيير غير المنقطع عن تراثه وثقافته، فلقد التحق بالمدرسة الابتدائية، وواظب على التزامه بالدراسة، متوازيا مع ما يتلقاه من معرفة من مدرسة الحياة، من المضافات والمناسبات الاجتماعية.
درس مصطفى العدوان في كلية تراسانطة، ودرس أيضا في مدرسة الفرير، وقد برز اهتمامه بالرياضة منذ صغره، بشكل لافت للانتباه، ولم تكن الملاعب حينها تتوفر بشكل يسمح للمواهب الجادة بممارسة نشاطاتها بيسر، فخارج سور المدرسة، تكون الأراضي الفارغة والساحات هي المعوض المتاح، وكان النادي فيصلي ويقطع خطوات واثقة اتجاه المستقبل، منطلقا من ريادته المحلية، وحتى في المنطقة، وكان شقيقه الشيخ سلطان العدوان قد أسهم في توطيد أركان النادي، وبالتالي عزز دوره في دعم الرياضة المحلية، خاصة لعبة كرة القدم، لقد كانت موهبة مصطفى قد بدأت تلفت الانتباه إلى قدراته المهارية، فكان من الضروري الاستفادة من إمكانياته ضمن نادي الفيصلي، وتنميتها مع غيره من اللاعبين الصغار من أجل خلق جيل رياضي، يحمل على عاتقه تطوير مسيرة كرة القدم في الأردن.
انضم مصطفى العدوان إلى صفوف النادي الفيصلي عام 1956م، وكان في مفتتح الشباب، حيث لعب في فريق أشبال النادي، وكان من أبرزهم وأكثرهم مهارة وموهبة فطرية نادرة، لذا سرعان ما أنطلق نحو الأمام، ففي العام 1958م، أنتقل إلى صفوف الفريق الأول، وبذلك حقق حلمه باللعب لناديه ضمن الفريق الأول.
تمكن العدوان ؛ بفضل جديته وإخلاصه لكرة القدم وبلده، فقد مثل النادي باللعب بالدوري الأردني لأول مرة في حياته، ولاشك أن هذه المباراة الأولى، قد تركت أثرها العميق في نفسه، ودفعته خطوات واسعة إلى الأمام، فلقد كانت مباراته الأولى في الدوري، في مدينة القدس، عندما خاض النادي الفيصلي مباراته ضد نادي الموظفين، وخلال الشوط الثاني لعب بديلا للاعب عدنان نغوي بعد أصابته، وهنا قدم مصطفى العدوان للجمهور مهارته وكشف عن قدرات لاعب كبير، فلقد تمكن من تسجيل هدف، وأسهم بفعالية بخروج فريقه فائزا بثلاثة أهداف.
كرست هذه المباراة مصطفى في صفوف الفريق، وغدا من الركائز الأساسية، واستمر يلعب للفيصلي طوال سبع عشرة سنة، فكان خلالها صاحب الإنجاز وجالب الحظ، لم يخسر ناديه طوال هذه السنين، بطولة من بطولات الدوري الأردني، وكانت جهوده في الملعب وما اتصف به من مهارة وخلق رياضي مشهود، قد مهدت له الطريق لينضم إلى صفوف المنتخب الوطني، وكان هذا غاية أحلامه، أن يرتدي قميص المنتخب ويدافع عن أوانه، وقد تحقق هذا الهدف عام 1962م، فكانت له مع المنتخب صولات وجولات، لم يدخر فيها جهدا أو يوفر مهارة، فقد استهل هذا المشوار بالمشاركة ببطولة كأس العرب الأولى في بيروت عام 1963م، وفي الدورة الثانية للبطولة نفسها في الكويت عام 1964م، والبطولة الثالثة في العراق، بعد ذلك بعامين، ومن أبرز مشاركاته مع المنتخب مشاركته في بطولة معرض دمشق الدولي، عام 1968م حيث سجل في هذه البطولة هدفين رائعين.
بدأت الرياضة الأردنية تخطو خطوات واضحة إلى الأمام، وكان حدث إنشاء إستاد عمان الدولي حدثا ما زال صداه تردد حتى اللحظة، فهو درة الملاعب ويمثل قلب عمان الرياضي، وفي العام 1969م، كان لمصطفى شرف لعب مباراة افتتاح الإستاد التي حظيت برعاية المغفور له الملك الحسين بن طلال، كان حضور مصطفى في صفوف المنتخب واضحا، وقد عرف بعمق انتمائه، وحسه الوطني المسؤول، وكان يشعر أن المنتخب هو فريقه الأول، وليس العكس، وقد بقي في تشكيلة المنتخب حتى العام 1971م، حيث سافر مع المنتخب إلى دولة الكويت التي كانت تحتضن تصفيات الأمم الآسيوية، لكن القدر حرمه المشاركة هذه، فلقد أصيب فور وصوله أرض الكويت بأنفلونزا حادة، اضطرته للعودة إلى أرض الوطن، ولم يلعب بعدها للمنتخب.
لقد سجل مصطفى العدوان خلال مسيرته في لعب كرة القدم، عددا كبيرا من الأهداف، نستذكر منها هدفه في مرمى نادي الزمالك عام 1964م عندما كان الزمالك في ذروة عصره الذهبي، بالإضافة لأهدافه مع المنتخب الوطني، وأهدافه في الدوري الأردني والبطولات المحلية، وفي العام 1975م قرر مصطف العدوان اعتزال اللعب، فلقد لعب آخر مباراة له، وهي الواقعة الفاصلة بين قطبي الكرة الأردنية حينها، الفيصلي ونادي الجزيرة، وقد انتهى اللقاء بالتعادل، وهي نتيجة لصالح الفيصلي، فرفع مصطفى العدوان كأس الدوري، معلنا اعتزاله اللعب وهو في قمة عطائه رغم وصوله إلى عمر الخامسة والثلاثين.
أصبح مصطفى العدوان رئيسا للنادي الفيصلي، فكان له دور ملموس في تطويره، والارتقاء بمستواه حتى غدا واحدا من أبرز الأندية العربية، وكان قريبا من اللاعبين، وصديقا للجميع، مما مكنه من تعميق الانتماء للنادي وللوطن، باعتبار الرياضة مهذبة للنفس، ومبنية على الروح الرياضية الصادقة، وقد عاصر عددا من نجوم الكرة في النادي على رأسهم شقيقه الأكبر الشيخ سلطان الذي مازال يقدم للنادي وللكرة الأردنية عصارة خبرته، وعمق ولائه، وكذلك رافق محمد أبو عوض، وجودت عبد المنعم، وأحمد السكران، طوني زغلول وغيرهم الكثير، وكان عضوا في اتحاد كرة القدم لفترة من الزمن، فسحت المجال للمساهمة في تطوير هذه اللعبة في الأردن.
تميزت مسيرة مصطفى العدوان بالشجاعة في المواقف، والشهامة والكرم، فكان يساعد كل من يحتاج من الوسط الرياضي مبادرا، دون أن يطلب منه، وعندما جاء ناد من الضفة الغربية للعب مع ناد محلي، بحيث يرصد ريع المباراة دعما للنادي القادم من تحت الاحتلال، وحاول النادي المستضيف تجيير المباراة لناد لا يتمتع بالجماهيرية، فاستغل العدوان وجوده في الإتحاد، وأجبر النادي المستضيف على لعب المباراة، وتبرع من جيبه الخاص بمبلغ خمسمائة دينار، كان جوادا بصمت، محبا للرياضة والرياضيين، تميز بشعبية كبيرة، لم تقف حدودها عند جماهير النادي.
كان رحيله المفاجئ قاسيا، وترك فقده المباغت ألما ما زال يعتصر قلوب كل من عرفه وتعامل معه، فلقد توفي في منزله في الشميساني مساء يوم الأربعاء الموافق للعشرين من أيار عام 1992م، ولم يكن يعاني من أي عارض صحي، ورغم غيابه غير المتوقع، فإن مكانته في الذاكرة تبقيه حاضرا بيننا، ويتعزز مع كل انجاز يحققه ناد أردني أو فوز للمنتخب في لقاء دولي.

moc.liamtoh@54irarabh