سلطان الحطاب

المتبرعون بحل السلطة الفلسطينية يتزايدون وهم من عدة مواقع وإذا كان الذين لم يستثمروا في السلطة ولم يعملوا على بنائها.. ولم يدفعوا ثمن وصول الفلسطينيين الى السلطة عبر مسيرة كفاحية طويلة.. يقولون بحلها وان غيابها أفضل من بقائها ويصل الامر أن يقولوا عنها لتذهب «في داهية» فهؤلاء لهم اجنداتهم وبرامجهم ومن هؤلاء بعض قيادات حماس التي لا يهمها بقاء السلطة إلا بمقدار ما تستطيع ان تحمل اجنداتهم فإن لم تحملها لأسباب دولية فهم اسرع من يتبرعون بها .. المشكلة الان تأتي من رحم السلطة ومن تنظيمها فتح ومن بعض قياداتها وعناصرها التي لم يعجبها ما آل إليه الوضع ولم تتحمل وصول حماس الى الحكومة وتشكيلها فرفعت شعار «علي وعلى اعدائي» وطالبت بحل السلطة .. صحيح أن السلطة الفلسطينية في أوضاعها الحالية لم تحقق الكثير وأنه جرى افراغها من كثير من مهامها ومضامينها، واصيبت بالتهميش ولم تستطع أن تحقق الأمن وهي تدخل في امتحانات متتالية منذ شكلت الى اليوم . ولعل اقسى تلك الامتحانات حين عمدت اسرائيل عبر الانتفاضة التي استمرت خمس سنوات وقبل الهدنة الى ضرب اذرعة السلطة الامنية والعسكرية وتدميرها وكذلك تدمير منشآت الاقتصادية واجتماعية كثيرة مما جعل السلطة ضعيفة وهذا ما استغلته إسرائيل حين قالت : أنه لا يوجد معها شريك فلسطيني من اجل السلام وأن عليها أن تنفذ خطتها في الانسحاب الأحادي . وهذا ما جرى في قطاع غزة السلطة الآن يواصل الضغط عليها وهي بين المطرقة(الاحتلال) والسندان (الشعب الفلسطيني) ويستطيع الكثيرون من الفلسطينيين في الشارع والقيادة ونتيجة ما آلت اليها اوضاعهم وفي لحظة غضب ونزق ان يطالبوا بحل السلطة دون ان يكون لديهم بديل وهذا موقع الخطر إذ أن هذه المطالبة التي قد تحمل حسن النية عند البعض وسوء النية عند البعض الاخر قد تفتح باب الجحيم وقد تعطي ذريعة لأطراف عديدة اسرائيلية ودولية للتنصل من كثير من المواقف والالتزامات التي لا تستطيع ان تعلن التنصل منها علانية .. صحيح إن اسرائيل قد أدارت ظهرها لحقوق الشعب الفلسطيني وانكرته كشريك وهمشت دور قيادته بل أنها تقاطع حكومته الجديدة تحت ذريعة ان حماس قد شكلتها. وها هي قد أقامت الجدار العازل وانسحبت احاديا من غزة . وابقت القطاع رهينة ومقدراته في يدها ولم تسمح بإقامة المطار والميناء مجددا . وعملت على ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة بدعم وتفهم اميركي. وتتحدث عن رسم حدودها على قدر مصالحها وقد جعلت غور الاردن في الجانب الفلسطيني (وهي أراض فلسطينية إحتلت عام 1967) ضمن خطتها في ضم الاراضي واغتصابها. ولم تعد اسرائيل معنية برحيل السلطة أو بقائها إلا بالقدر الذي يوفر لها البقاء حججا عملت في الفترة الاخيرة على تصفيتها والسؤال الآن ما العمل؟ .. هل يدافع الفسطينيون عن حقهم في أن تكون لهم سلطة تفضي إلى حصولهم على دولة في حل الدولتين الذي تبنته خارطة الطريق وقرارات المؤتمرات العربية والدولية؟ وهل يدافعون لأن السلطة عنوان لهم فهي تحافظ على وحدتهم الوطنية ولو في الحدالأدنى وتوفر واجهة للخطاب الدولي معهم وحتى للمساعدات التي يمكن ان تقدم . ويبقي مطالب الشعب الفلسطيني السياسية والتاريخية من دولة. وعودة اللاجئين وقرارات الشرعية الدولية . حية وبرسم التداول ؟ أم أن المسألة تصبح المطالبة بحل السلطة من جانب أطراف فلسطينية لم تعد السلطة تحقق لهم وهم خارجها نفس الامتيازات التي كانوا يحصلون عليها فيسارعون لنفض اليد منها؟ .. هل المسألة مسألة سلطة أم مصالح الشعب الفلسطيني ؟ .. وهل دعاة الحل من داخل السلطة يطالبون بحلها لأنها اصبحت عبئا وطنيا لا يفيد المصلحة الوطنية أم أنها أصبحت عبئا لا يفيدهم ويفيد غيرهم فطلبوا الحل ؟.. اعتقد ان بقاء السلطة وتحسين ظروفها ودورها مسألة هامة وعلى الاطراف الفلسطينية والعربية والدولية تحمل هذه المسؤولية لأن مسؤولية ترميم السد اهون مما يترتب على السد من انهيار وانجراف .. في الاردن لنا مصلحة وطنية في بقاء السلطة الفلسطينية ودعمها ونحن نرى ان قيام الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين المحتلة عام 1967 هي مصلحة وطنية أردنية دعونا لها وما زلنا ولا يجوز ان نتخلى او نذهب الى بديل غير واضح .ولذا نحن مدعوون الآن في تحديد أولوياتنا ومصالحنا إزاء السلطة القائمة.. هل تغير الموقف ام أنه ثابت . وماذا علينا ان نفعل ؟ وما هوالبديل ؟ وما الآثار السلبية التي يمكن أن تصيبنا إذا ماحلت أو انهارت السلطة ؟ لا يجوز الانتظار في رأيي أوترك الامور للمزاج ولا يجوز لاحد هنا او هناك ان يرفع شعار «علي وعلى اعدائي» او يكب ما تبقى لديه من ماء حتى لو كان آسنا معتقدا بأن السماء قد تمطر او واهما بأن السراب الذي يراه قد يحمل ماء .. السلطة الفلسطينية لا يجوز أن تكون دكانا يغلقها البائعون فيها إن شعروا بخسارة دون مراعاة مصالح الشعب الفلسطيني ولا يجوز لأحد حتى لو كان ربانا ان يخرق هذا القارب مهما تقاذفته الرياح فالاصل ان يتوفر الربان الذي يصل بالقارب وراكبيه الى شاطئ الامان .. أدعو الرئيس أبو مازن والنفر الفلسطيني الذي ضحى وناضل واستشهد وسجن ان يمسك بمكاسب الشعب الفلسطيني وان لا يبددها او يسمح لأي طرف ان يتبرع بها مهما زادت الاشواك ومهما أصبح الثمن مكلفا اسرائيل تريد أن يدحل الشعب الفلسطيني إلى الفوضى وأن يفقد اطاراته ومؤسساته ومكاسبه مهما كانت قليلة وهي تستعين بقوى دولية .. متنفذة لتجعل حياة الفلسطينين جحيما كما حدث في سجن أريحا .. المطلوب الصبر والعمل فهذه مرحلة عض الاصابع وفقدان البوصلة وتخلي المجتمع الدولي وحتى النظام العربي عن الفلسطينيين وقضيتهم وعليهم ان يتشبثوا بالقشة الفلسطينية وان لا يقفزوا من القارب مهما علا الموج لأنه ليس أمامهم حتى الآن سوى البحر على ما فيه .