شعارات تُرفع في طول الوطن العربي وعرضه، تتحدث عن الحرية والديمقراطية والحوار وحقوق الانسان، وهي شعارات ليست جديدة، ولكنها مجددة.
لقد ظلت الأربعينات والخمسينات والستينات تشهد صراعا مريرا بين القوى والأحزاب والتيارات الوطنية الشعبية وبين الاستعمار ومخططاته والعدو الصهيوني .. وكانت شعارات تلك المرحلة التي عرفت بمرحلة المد الوطني والقومي العربي هي نفسها هذه الشعارات التي ترفعها اليوم فئات وقوى عديدة ومتناقضة: الحرية والديمقراطية والوحدة وحقوق الانسان وكرامته!
ولا نريد ان نذهب في تحليل نتائج تلك الشعارات على صعيد الممارسة حين تولت القوى والأحزاب التي رفعتها في الشارع «السلطة والحكم في بلدانها. وأنجزت ما كانت تعتقد انه «التغيير» من خلال هدير الدبابات وعلى ايقاع الأناشيد الحماسية التي كانت تسبق البيان رقم »1» في الاذاعات العربية، بل اننا نتلفت حولنا فنجد ان ضحايا تلك «الانجازات» اكثر من ان تحصى!
ولكن هذه الشعارات الجميلة ظلت تتردد في النفوس والصدور وعلى الألسنة بكثير من الأسى، لأنها مطالب شعبية عريضة لم تتحقق!! ولسنا من دعاة جلد الذات حتى ننكر كليا على الأنظمة السياسية العربية - بمجموعها - انجازاتها الاقتصادية او الاجتماعية او السياسية، الا اننا نستطيع ان نلاحظ - الآن - انها ظلت - دائما - دون المستوى المطلوب، من جهة، وأنها مشوبة بالتسلط والاستبداد وغياب الديمقراطية الذي انتج فسادا متعددا، من جهة اخرى فكاد ان يطغى على كل انجازاتها.
واذا كنا فشلنا - تماما - في انجاز الهدف العربي الأسمى الذي هو «الوحدة العربية» سواء أكانت ثنائية او ثلاثية - كنواة - او شاملة - وتلك معجزة لم تتحقق -! فان شعار الحرية ظل هو الآخر مطلبا عزيزا نسعى اليه وكأنه السراب الصحراوي الذي يحسبه الظمآن ماء! كما ان الديمقراطية التي كانت شعارا قانونا في الخمسينات والستينات تقدمت لتصبح شعارا أوليا او رئيسيا في التسعينات، من القرن الماضي، وفي العشرية الاولى هذه من القرن الحالي، بعد ان غاب الهدف الاشتراكي او كاد!
ولعل قراءة اولية لواقع الحال العربي اليوم تعطينا الصورة الواضحة عن طبيعة موقع تلك الشعارات من الممارسة، في حين اننا جميعا انظمة وشعوبا، نتلهى بها ونرددها صباح مساء، فمن منا لا يريد الحرية والديمقراطية والحوار وحقوق الآنسان؟!
الا ان المسألة ليست في ضخامة الشعارات المرفوعة بل في مدى الايمان بها، والعمل من اجل انجازها واقعا ملموسا، واحساس الآخرين بأنها فعلية، ماثلة امامهم، وهنا تبدو المفارقة صارخة صخابة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالنظام السياسي الذي لم يقم على اسس وقواعد ديمقراطية تعزز قيم العدالة والمساواة، وتحترم الانسان وحقوقه، كيف له ان يقيم دولة تُعلي من شأن كل تلك القيم والحقوق؟!
.. والشعب الذي لم يتعلم ابناؤه دروس الحوار والديمقراطية في بيوتهم وبين أسرهم، او في مدارسهم وجامعاتهم مع معلميهم، او في تنظيماتهم الحزبية والنقابية والمهنية، كيف له ان يشعر بطعم الحرية والديمقراطية او ان يتقن ابناؤه لغة الحوار؟!
لهذا كله، اقول مخلصا، ان الحاجة الى المراجعة الشاملة مطلوبة، وأنها مسألة داخلية يجب الا تغفلها الأنظمة بل ان تسعى اليها جاهدة، حتى لا تظل نتلهى عن المخاطر المحيطة بنا بالقول: اننا ديمقراطيون وأحرار، وحقوق انساننا مصانة، وكرامته محفوظة، وليس بالامكان ابدع مما كان!! او ان نكتفي بشتم اولئك «الجاحدين» و«العاقين» من ابناء الوطن الذين يطالبون بمثل هذه الحقوق التي ما تزال شعارات مرفوعة اكثر منها واقعا معاشا .. او معيشا حتى لا ينتقدنا أساتذتنا النحويون!!
ولعل الملاحظة الأجدر بالاشارة هي غياب منطق الحوار عن الساحات العربية بشكل لافت في الوقت الذي تكثر منابره وتتزايد مؤسساته ومراكزه، وترتفع له على ارضنا العربية هنا، وهناك، وهنالك علامات ورايات خفاقة، لكن ذلك كله تنقصه الجدية ويفتقر الى العمق، ويتصل بالديمقراطية، فالذين يطالبون بحرية الحوار يريدونه، في النهاية، قبولا لرأيهم هم، وتأييدا لسياساتهم، او انصياعا لمخططاتهم وأهدافهم، وفقا لشعار اميركا الشهير «من ليس معنا فهو ضدنا»!!