تستدعي الدوائر الصهيونية، تكرارا، تهمة العداء للسامية لوصم سياسات او للتهجم على شخصيات سياسية / ثقافية / فنية، ميتة او حية. ومؤخرا، كانت العاصمة الفرنسية مسرحا لحادثتين اعتبرتا «دليلا» على «اتساع» نطاق العداء للسامية!! ففي الاولى، زعمت شابة أنها كانت ضحية اعتداء عنصري للاعتقاد بأنها يهودية مدعية ان شبانا مسلحين من شمال افريقية هاجموها ومزقوا ثيابها ورسموا الصليب المعقوف على بطنها ولاذوا بالفرار!! وقد أدانت «الحادثة» مختلف القوى الفرنسية بما فيها الجالية الاسلامية كما ندد بالحادث الرئيس جاك شيراك، وبدلا من التعامل مع الحادث باعتباره عملا جنائيا معزولا، سارع اسرائيليون بارزون لاستحضار ظاهرة «العداء للسامية» واعتبروا الحادث معبرا عن «تنامي» تلك الظاهرة في فرنسا واوروبا. الا ان استثمار الحادثة لم يدم طويلا اذ اعترفت الشابة / الضحية بالكذب واختلاق الرواية.
اما الحادثة الثانية فحظيت بقدر اكبر من الاهتمام الاعلامي والسياسي، فقد اضرمت النار في مركز يهودي في باريس وكتبت على الجدران عبارات وصفت بأنها معادية للصهيونية فقامت الدنيا ولم تقعد، وعبر وزير الخارجية الاسرائيلي عن قلق اسرائيل العميق نتيجة وقوع اعتداء آخر مخز ينطوي على معاداة السامية في فرنسا، ولم يمر اسبوع حتى القت السلطات الفرنسية القبض على يهودي كان يعمل حارسا في المركز، ثم فصل دون استبعاد إقدامه على إحراق المركز بدافع الانتقام، وفي حادث ثالث، تعرض (الآن مينارغ) رئيس قسم الاخبار في إذاعة فرنسا الدولية، لموجة عارمة من السخط خصوصا في الجمعيات اليهودية التي اعتبرت انتقاداته لاسرائيل «معادية للسامية» وطالبته بالاعتذار. كا أثارت انتقاداته اعضاء «جمعية صحفيي اذاعة فرنسا الدولية» الذين دعوا ادارتهم «لتحمل مسؤولياتها» فيما اعتبرتها وزارة الخارجية الفرنسية تقولات «غير مقبولة». وإزاء ذلك، قدم مينارغ استقالته لكنه لم يتراجع عن موقفه واصفا اسرائيل بالدولة العنصرية، مؤكدا انه يجب التعامل معها وفقا للقوانين الدولية، وفي تطور رابع حديث، وجهت اتهامات شديدة للمفوضية الاوروبية بتشجيع معاداة السامية عندما رعت «استطلاع رأي» وقالت نتائجه ان اسرائيل تمثل اكبر تهديد للسلام العالمي.
تاريخيا، استغلت اسرائيل معاداة السامية لابتزاز الدول الاوروبية ففرضوا على المانيا دفع تعويضات كبيرة عن الهولوكوست كما استخدم الصهاينة المصطلح نفسه للتعتيم على جرائم اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.
ووصل الخطاب الصهيوني قمة الإثم حين أعلن ان نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال الاسرائيلي تعبير عن معاداة السامية!! وفي الغرب، خاصة في فرنسا اصبحت تهمة معاداة السامية سلاحا فتاكا ضد حرية التفكير والتعبير والبحث العلمي والتحقيق التاريخي حيث منعت أبحاث عديد من العلماء (منهم المفكر الفرنسي روجيه غارودي) بل ان بعضهم طرد من منصبه (مثل المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس الذي وضع كتاب هل مسموح انتقاد اسرائيل؟ واصفا الدولة العبرية بالدولة المحتلة). ورغم استمرار عملية تدمير سمعة بونيفاس، واصل الرجل تحديه لاسرائيل، وبالاضافة الى غارودي وبونيفاس جرى فصل بعض المثقفين الفرنسيين من مناصبهم الجامعية. بل صدر تشريع جنائي يعاقب بالسجن كل من يشكك في وقائع «الهولوكوست» والارقام الصهيونية التي تقول بإحراق ستة ملايين يهودي في أفران الغاز!!.
هذه الاحداث التي برزت للسطح مؤخرا في أوروبا وغيرها دعت الرئيس بوش الى توقيع قانون جديد لاحصاء الاعمال المعادية للسامية حول العالم وتقويم موقف الدول من هذه المسألة. والقانون الذي مرره الكونغرس بغالبية الاصوات وبدعم من القادة اليهود، يطالب وزارة الخارجية الاميركية بإدراج كافة الانشطة والممارسات التي تنتقد او تتعرض لليهود في العالم ضمن تقرير سنوي حول حقوق الانسان. هذا المنحى يثير تساؤلات عما اذا كانت معاداة السامية تعني اسرائيل بعينها وليس احدا غيرها ولماذا لا يوسع التقرير بحيث يعنى بالعنصرية كممارسة ضد اي عرق او جنس وليس حصرا باليهود دون سواهم. ومع ان هذا القانون لن يضيف لاسرائيل لأن الولايات المتحدة تقف الى جانبها دوما، الا أن ثمة خوفا من توظيف واشنطن وغيرها لهذا القانون توظيفا سياسيا. وكان يمكن ان يكون للقانون قيمة اكبر لو شمل التمييز الديني والعرقي ككل!.
وتلخيصا واستخلاصا، يتوجب على العرب اطلاق مبادرات لمواجهة العنصرية الممارسة ضد جميع الاعراق والاديان وفضح الوضع الاستثنائي لليهود ولاسرائيل واخضاع الاخيرة للقانون الدولي بدلا من ان تكون فوقه كما هو حاصل الآن. كذلك يجب تعرية سعي اسرائيل للعب دور الوصي على يهود العالم والتحدث باسمهم والتعبير عن مصالحهم وتطلعاتهم اينما كانوا! وهنا يجب الاستفادة من حقيقة رفض قطاعات واسعة من اليهود لهذا التوجه. ولا شك ان اجواء معاداة السامية، سواء أكانت فعلية ام مزعومة، توفر لاسرائيل طاقة للمضي في مسعاها وادعاءاتها. ومن هنا تنبع أهمية الفعل العربي «والانساني» المضاد!.