الكرك ـ نسرين الضمور -  دلت المسوحات الأثرية التي قام بها قسما الآثار في جامعة الحسين بن طلال الاردنية وجامعة سدني الاسترالية وعلى مدى موسمين من اعمال التنقيب في منطقة شرق باير في الصحراء الاردنية على وجود عشرات المواقع الأثرية التي تعود الى حوالي (5) الأف عام قبل الميلاد وتؤرخ لنهاية العصر الحجري الحديث وبداية العصر الحجري النحاسي وذلك في مناطق قيعان السيق ورجلة سالم والفكوك.
واشار مدير المشروع الباحث محمد بركات الطراونة والذي يحضر حاليا لنيل درجة الدكتوراة من جامعة سدني حول ذات الموضوع الى ان المنشآت المكتشفة في تلك المناطق هي عبارة عن منشآت حجرية بنيت من حجارة غير مشذبة باشكال دائرية وشبه دائرية وباحجام مختلفة ويتراوح قطر كل درائرة ما بين (4 - 50) مترا اما راتفاع الجدران فيصل الى حوالي المتر في بعض الجدران التي لم تتعرض لتخريب والانجراف، وهذه المواقع كما قال مشابه لم تم اكتشافه في صحراء النقب وصحراء سيناء ولكن هذه المنشآت اكثر كثافة في الصحراء الاردنية، ويستدل من طبيعة المنشآت القائمة بأنها كانت تستخدم من قبل البدو والرعاة وكزرائب للمواشي.
وبين الباحث الطراونة ان تمركز هذه المواقع كان على اطراف الهضاب المشرفة على الاودية وذلك لاسباب عده منها استفاد الرعاة في تلك الفترات من الصخور التي تدحرجت للاسفل من اطراف الهضاب في بناء تلك االمواقع وتوفر الكلأ حيث تنمو فيها الشجيرات الصحراوية التي لها قدرة على التكيف مع البيئة الجافة هذا بالاضافة الى وجود المياه حيث تعتبر الغدران وابار باير (حديثا) المصدر الرئيسي لهم بالاضافة الى استخدام المشاش وهي طريقة مستخدمة منذ القدم وقد وصفها المقدسي عام (985م) في حديثه عن رحلته من ايله ( العقبة) الى آبار باير وهي عبارة عن حفر يتم حفرها في بطون الاودية بحثا عن الماء ولتجميع المياه ومن هنا كما ذكر الباحث الطراونه جاءت تسمية الكثير من المناطق الى الشرق من وادي باير باسماء مشاش حدرج ومشاش ام زقوحة ومشاش فك أبو طور وهناك تسميات مشابهة في المملكة العربية السعودية حيث هناك مشاش دابل ومشاش مدين. وعودة الى المواقع المكتشفة فأنها وحسب الباحث الطراونة تظهر فيها تقسيمات داخلية استخدمت كغرف للتخزين او لفصل الحيوانات الصغيرة أو لمبيت الرعاة وقد غطيت اسقف الغرف الخاصة باستخدمات الرعاة بما يشبه الخيمة للحماية من اشعة الشمس وشكلها أقرب الى شكل الكوخ وظهر في بعض المواقع ميزات معمارية مثل اتصال بعض المباني واشتراكها بجدار أو أكثر لتوفير حماية افضل او لتوفير من جهد بناء عدد اكثر من الجدران ، وبين الباحث الطراونة انه ومن خلال هذا المشروع تم عمل حفر اختبارية من اجل تتبع السويات الاثرية وادت الى تزويدنا بالعديد من عينات الكربون المشع من مواقع مختلفة والتي شكلت الاساس لتاريخ هذه المواقعكما تم العثور هناك على الكثير من اللقى الاثرية وهي في معظمها مكاشط صوانية صغيرة وكبيرة الحجم والتي كانت تستخدم على ما يبدو لذبح المواشي وتقطيعها ولجز الصوف ، موضحا ان اكتشاف هذه المواقع دليل على وجود حضارة نهاية العصر الحجري الحديث وبداية العصر الحجري النحاسي وهي حضارة قامت على تربية الماشية وبفترات استيطان متقطعة في حين تشير وثائق عن المكان اعدتها عالمة الآثار الاسترالية اليسون بيتز وآخرون وجود استيطان بشري هناك في فترات سابقة كان يتعمد على ما يبدو على الصيد بدليل وجود المصائد الصحراوية وخاصة في مواقع الحمه والحماد وقرب وادي السرحان.
واضاف الباحث الطراونة ان هذا المشروع يشكل باكورة التعاون ما بين الجامعتين حيث سيتواصل العمل بالمشروع كمشروع مشترك بين الجامعتين مما سيوفر فرصا لتدريب طلبة الجامعتين على العمل الاثري الميداني كما سيوفر فرصة للاحتكاك بين الطلبة والاستفادة من خبرات الجامعات الجنبية وما توصلت اليه احدث التنقيبات في علم الآثار.
ولفت الباحث الطراونة الى ان اكثر هذه المواقع تعرضت للتخريب لاسباب تتعلق بسوء استخدام القبائل التي تعاقبت على المكان او من خلال البحث عن الدفائن.