ماجد جبارة - بشرت نتائج الكشف عن المدن الغارقة في منطقة الأغوار الجنوبية عن نتائج ايجابية على الصعيد الحضاري والانساني.
و يقوم أستاذ علم الآثار د. محمد وهيب بالتعاون مع عمادة البحث العلمي في الجامعة الهاشمية بالاشراف على تفاصيل التنقيبات .
ويستند المشروع على الدراسات المتوفرة في المكتبات الوطنية، العربية والعالمية، وكذلك الخرائط القديمة منذ القرن السادس الميلادي وحتى وقتنا الحاضر، إضافة إلى وصف الجغرافيين والرحالة والمؤرخين وعلماء الأديان والخبراء وعلماء الجيولوجيا والبيئة المتخصصين في منطقة وادي الأردن.
 نتائج المسوحات والتنقيبات الأثرية التي قام بها الباحث في منطقة الأغوار الجنوبية وخاصة مسح وادي أمرق- فيفا عام 1994م، ومسح كثربا- غور عسال عام 1997م، والتنقيبات الأثرية في تل النميرة ورجم النميرة عام 1995م، وتنقيبات مقابر النقع في غور الصافي عام 1996م، ومسوحات وتنقيبات الزارة على الشاطئ الشرقي للبحر الميت، ومسوحات وتنقيبات سويمة، الكفرين، الرامة والشونة الجنوبية ، اعتمدت بشكل مباشر.
واشار د. وهيب ان البحث استند ايضا على نتائج التنقيبات الأثرية التي قامت بها دائرة الآثار الأردنية وأيضاً تلك التي قام بها باحثون غربيون منذ عام 1967م في كل من باب الذراع، غور الصافي وغور فيفا.
وأظهرت الدراسات نتائج إيجابية نحو الكشف عن تلك المدن الغارقة، وبالرغم من أن بعض الباحثين قد اجتهدوا في الكشف عن تلك المدن في الأجزاء الشمالية للبحر الميت في منطقة الشونة الجنوبية وخاصة غور الرامة وسويمة، إلا أن الجهود الميدانية العلمية انصبت لاحقاً على الأغوار الجنوبية وخاصة غور الحديثة، المزرعة، الذراع، عسال، الصافي، وفيفا التي تقع على الجانب الشرقي للحوض الجنوبي من البحر الميت التابعة لمحافظة الكرك، بسبب ظهور الدلائل الحقيقة على وجود بقايا المدن الغارقة فيها بحسب العلماء والخبراء.
 من أبرز نتائج الاكتشافات والتنقيبات الأثرية التي قامت بها دائرة الآثار الأردنية وبعثات التنقيب الغربية، اكتشاف ثلاث مقابر ضخمة جداً في الأغوار الجنوبية، حيث قدر عدد القبور في مقبرة باب الذراع لوحدها ب ست وخمسين ألف قبر، أما مقبرة فيفا والتي قدرت مساحتها ب حوالي خمسمائة دونم من المقابر فتحتوي عشرات الآلاف من المقابر، أما مقبرة النقع في غور الصافي التي تقدر مساحتها بحوالي كيلومتر مربع فيتجاوز عدد المقابر فيها مائة ألف على أقل تقدير.
والسؤال :من أين جاء هؤلاء المدفونون في هذه المقابر، وأين عاشوا قبل قدومهم لهذه المنطقة.؟.
 ولم يكتشف لغاية الآن أية مدن أو قرى في منطقة الأغوار الجنوبية ترجع في تاريخها إلى العصر البرونزي المبكر وبذلك فإن الإستقرار والإقامة لم يكن صفة هؤلاء الأقوام التي تركت مقابرهم شاهداً عليهم، وأجمع العلماء على أن أقواماً دخلوا إلى منطقة الأغوار الجنوبية وأقاموا فيها قبوراً ذات أشكال متعددة وخاصة القبور ذات المدخل العمودي ثم تتجه بشكل أفقي نحو حجرات الدفن، كما أظهرت الدراسات الميدانية أن هذه القبور كانت لأغراض الدفن الجماعي وليس الفردي، ويتراوح عدد الموتى في كل قبر ما بين 2-8 أشخاص، وأن هذه الصفات والطقوس المصاحبة لها تنتطبق على كافة المقابر المكتشفة، كما تم إجراء تقييم للمقابر المنتشرة في الأجزاء السفلية من وادي ابن حماد باتجاه وادي الجرة ووادي الكرك، حيث تنتشر مئات من المقابر الرجمية الدائرية الشكل التي يتوسطها حجرة دفن ومحاطة بحلقة أو حلقتين من صفوف الحجارة، وأظهرت النتائج وجود ترابط بين هذه المقابر والمقابر الضخمة المنتشرة في باب الذراع والنقع وفيفا، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى القول إن تلك المقابر الدائرية كانت لأغراض الدفن الأولي ثم يعاد تجميع العظام ونقلها إلى المقابر الضخمة ليكون مستقرها الجماعي هناك في سهل الذراع والنقع وفيفا، مما طرح تساؤلاً ويحظى بقبول كثير من العلماء، إلا وهو أن منطقة الأغوار الجنوبية بدءاً من منطقة سهل باب الذراع كانت منطقة ذات خصوصية دينية تمارس فيها الطقوس والشعائر والاحتفالات الدينية، كما أشارت دراسة أخرى إلى احتمال أن المنطقة كانت لأغراض الاحتفالات والشعائر الدينية المرتبطة بمواسم الحصاد الزراعي، وعليه فإن النظرية ذات الطرح الأقوى تتمحور حول قداسة دينية لمنطقة الشاطئ الشرقي للبحر الميت في الأغوار الجنوبية.
 ويشار بهذا الصدد أن قرية باب الذراع وقرية النميرة واللتان اكتشفتا في مطلع القرن الماضي تؤرخان إلى فترة لاحقة من العصر البرونزي أي ما يعادل 2500-2000 ق.م، وهذا يؤكد أن مدناً وقرى مرتبطة بالمقابر الضخمة قد بدأت بالظهور على الجانب الشرقي للبحر الميت، وهذا ما يشكل بداية نحو لغز التحدي المستمر للعلماء للإجابة عن أماكن استقرار هؤلاء الأقوام والكشف عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية في شؤون تنظيم حياتهم، والتي أفرزت هذا النوع من المقابر المتطورة مقارنة بالحقب السابقة واللاحقة لحضارتهم، كما كشفت أعمال البحث الميداني التي قامت بها فرق دائرة الآثار الأردنية امتداد المقابر إلى منطقة سويمة، وأم سدرة، الرامة، الكفرين، تليلات الغسول، الأمر الذي يؤكد أن منطقة الشاطئ الشرقي للبحر الميت في منطقة الأغوار الجنوبية تعتبر أضخم مقابر العالم القديم، قاطبة دون منافس حيث تمتد المقابر على امتداد الشاطئ الشرقي للبحر الميت البالغ طوله حوالي 85كم.
وبالرجوع إلى الدراسات المرتبطة بقوم النبي لوط عليه السلام، فما زال العديد من الباحثين الغربيين يضعون الفترة الزمنية لهجرة النبي إبراهيم ولوط عليهما السلام من أور في بلاد الرافدين إلى كنعان ثم استقرار النبي لوط في منطقة وادي الأردن في الأغوار الجنوبية، في فترة العصر البرونزي المتوسط أي ما يعادل 2000 ق.م، وهذه الفترة الزمنية تبعد نسبياً عن تأريخ المقابر الضخمة المكتشفة حوالي 500-700 عام، ولعل هذا ما دفعهم للبحث عن تلك المدن الغارقة أسفل البحر الميت على أمل العثور عليها، بينما لم يأخذوا بعين الاعتبار عن قصد أو غير قصد نتائج الاكتشافات الحديثة على الجانب الشرقي للبحر الميت وظهور المقابر الكبرى، إلا انه ظهر في الآونة الخيرة وبشكل واضح أن هناك عدداً متزايداً من الباحثين بدأوا يقتربون من حقيقة مفادها أن رحلة إبراهيم ولوط عليهما السلام يجب أن توضع في فترة أبكر من عام 2000 ق.م الأمر الذي يشير إلى العصر البرونزي المبكر أي ما يعادل 2500 عام قبل الميلاد، وفي هذه الحالة تتطابق المقابر الضخمة المكتشفة مع الوثائق التاريخية في حقيقة ظهور هذا الاكتشاف العظيم على أرض المملكة الأردنية الهاشمية، إذا ما علمنا أن الكتب السماوية قد أشارت إلى أحداث قصة قوم لوط عليه السلام، كما أشار إليها القرآن الكريم، وأشارت الآيات بوضوح إلى هذه المكتشفات، حيث جاءت الآيات تخاطب أهل مكة وسفرهم إلى بلاد الشام ومرورهم بجوار هذه المقابر الضخمة وذلك حسب علماء التفسير المسلمين. حيث كانت منطقة وادي الأردن طريقاً مطروقاً في كافة الاتجاهات، وأكدت نتائج البحث وجود طرق وممرات على طول امتداد الشاطئ الشرقي للبحر الميت مروراً بغور الرامة، الكفرين، سويمة، الزارة، حديثة، المزرعة، الذراع، عسال، النميرة، الصافي، غور فيفا، ثم غرندل وايله، حيث تنتشر الينابيع والأودية دائمة الجريان والواحات وبرك المياه العذبة والساخنة والأراضي الخصبة الزراعية، مما يشير إلى أهمية حضارات وادي الأردن في العالم القديم على الجانب الشرقي للبحر الميت التي جذبت الباحثين والرحالة والعلماء منذ القرن الأول الميلادي وحتى وقتنا الحاضر.