يُعرف المتشددون من رجال الدين، أو المحافظون، والموالون للنظام أو أصحاب المبادئ، والإصلاحيون، على حد سواء، بـ"المطلعين" أي من ينتمي لمؤسسة داخلية ويمتلك قدرة ومعلومات لا يعرفها الكثيرون. كلا الفصيلين حريص على الحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية و"ولاية الفقيه". ولاية الفقيه هي المصدر الذي يستمد منه المرشد الأعلى شرعية سلطته السياسية والدينية المتزامنة على البلاد، وتكمن جذور ولاية الفقيه في الإسلام الشيعي. يمكن تقسيم تاريخ إيران بعد الثورة الإسلامية إلى ثلاث حقب: الحرب مع العراق (1981-1989)؛ إعادة الإعمار (1989-1997)؛ والإصلاح السياسي والاقتصادي (1997-2025). على مر السنين، وتحديدًا في عام 2000، بعد الانتخابات البرلمانية أسس أكثر من 30 عضوًا حزبًا جديدًا سُمّي بحزب الاعتدال والتنمية. يهتم هذا الحزب بالتحديث والجوانب الاقتصادية أكثر من اهتمامه بالعدالة الاجتماعية، وتتمثل أيديولوجيته في الاعتدال والبراغماتية والديمقراطية الإسلامية والتكنوقراط. هناك حقيقة واحدة وموقف واحد من قبل كل اطياف السياسة الايرانية فيما يتعلق بالبرنامج النووي، والكل يتحدث بلسان واحد: إيران لها الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، ولن تتنازل عنه، وإيران لا تسع لامتلاك اسلحة نووية، بين هذا وذاك تتشابك وتتعقد الأمور وتكثر التأويلات.
إن عملية تطوير الأسلحة النووية معقدة، وقد تعيق مجموعة من العوامل الدول عن امتلاكها. فقد ساهمت التكلفة الاقتصادية الباهظة لتطوير الأسلحة النووية، والصعوبات التقنية، والتحديات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، والمعايير الدولية، بشكل كبير في الحد من أي طموحات نووية. وقد حظيت فكرة امتلاك الأسلحة النووية لتحقيق الردع باهتمام كبير للدراسة والبحث، حيث ينظر إلى الردع من منظور عقلاني؛ أي أنه عندما تتنافس دولتان نوويتان، فإن كل منهما، وقبل التفكير في الهجوم أولاً، تُقيّم التكاليف والفوائد بشكل نسبي، وهذا ما ينتج عقلانية في اتخاذ القرارات لا سيما النووية. ويقوم نظام منع الانتشار النووي بالاضافة لمعاهدة منع الانتشار على مجموعة من المعاهدات والمبادرات الأخرى مثل المناطق الخالية من الأسلحة النووية (NWFZ)؛ ومجموعة موردي المواد النووية (NSG)؛ والحماية المادية للمواد النووية (CPPNM)؛ ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)؛ ومنطقة الشرق الأوسط الخالية من أسلحة الدمار الشامل (MEWMDFZ)، بالاضافة لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1540، و الذي يدعو الدول إلى وضع ضوابط على الخدمات المالية التي يمكن استخدامها للحد من تجارة الانتشار وتجريم تمويل الانتشار على أدنى مستوياتها الوطنية.
في إيران الجديدة، دخل البرنامج النووي في مرحلة مختلفة ذات طابع ايدولوجي؛ حيث أوقف المرشد الأعلى السابق آية الله روح الله الخميني البرنامج النووي الإيراني، لأن الإسلام يحّرم صنع الأسلحة النووية بالنظر لآثارها الكارثية على الإنسان والطبيعة. ومع ذلك، وبسبب الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، فقد أُعيد النظر في القرار خلال رئاسة المحافظ البراغماتي الرئيس علي أكبر رفسنجاني. حاولت إيران إحياء برنامجها النووي بمساعدة من ألمانيا والبرازيل وإسبانيا وباكستان، وللحصول على اليورانيوم، اضطرت إيران إلى بناء شراكة أخرى مع جنوب أفريقيا، ولقد استمر البرنامج في التطور خلال رئاستي رفسنجاني (1989-1997) ومحمد خاتمي (1997-2005).
ومع ذلك، أعرب المرشد الثاني، سيد علي خامنئي عن رفضه لحيازة أسلحة الدمار الشامل خلال اجتماع مع أكاديميين إيرانيين عام 2004، ثم في فتوى رسمية عام 2005، نصت على أن "إنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة النووية محرم في الإسلام، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تحوز هذه الأسلحة أبدًا". يمكن إرجاع دوافع إيران لتطوير أسلحة نووية بأنها تتمثل في تحقيق مكاسب سياسية، وتعزيز مكانتها، وإثبات عظمتها، وتثبيت النظام، وردع التهديدات الخارجية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. في عام 2002، كشفت جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة أن إيران تُطوّر برنامجًا نوويًا واسع النطاق. علاوة على ذلك، أفادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أن إيران تمتلك منشأة لتخصيب اليورانيوم في نطنز، على بُعد 200 ميل جنوب طهران، وأن الخطة الإيرانية تتمثل في الحصول على 5000 جهاز طرد مركزي جاهز للعمل، مما سيمكن إيران من إنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع قنبلة نووية في غضون 3 إلى 8 سنوات.
كما أفادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن إيران قد انتهت من بناء مفاعل أراك لإنتاج الماء الثقيل لبرنامج نووي. شكّل هذا الكشف تهديدًا لإيران، إذ جاء في أسوأ توقيت ممكن، بالتزامن مع هجوم القاعدة على الولايات المتحدة في أحداث 11 سبتمبر2001، ثم غزو افغانستان من العام نفسه، ثم احتلال العراق 2003، حيث تشكل تصور لدى الإيرانيين بأنهم سيكونون الهدف التالي، الأمر الذي دفع إيران إلى اتخاذ تدابير للحد من المخاطر المحتملة لهجوم أمريكي في إطار "الحرب على الإرهاب"، وكان أمام المجتمع الدولي خياران لمعالجة الملف النووي الإيراني بذلك الوقت: إما انتهاج الدبلوماسية والعقوبات، أو تغيير النظام بالقوة. في عام 2003، التقى كبير المفاوضين الإيرانيين، حسن روحاني، بمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، وتعهد بالتزام إيران بالتعاون مع الوكالة بشأن أنشطتها النووية السابقة، ومن هنا بدأ الجانب المثير في قصة البرنامج النووي الإيراني، حيث بدأ التفاوض مع بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا E3 وبدأت الضغوط الدولية، ثم انضمت روسيا والصين والولايات المتحدة E3+3 وكانت هناك تفاصيل مثيرة حول التفاوض والاتفاق النووي، ثم الانسحاب الأمريكي، والتي ستكون محور المقال الثالث من السلسلة إن شاء الله.
استاذ مساعد، برنامج الشؤون الدولية والسياسة العامة، جامعة لوسيل