مضامين ورؤى تتأمل الحياة وصراعاتها الأزلية

تواصل فعاليات مهرجان الأردن المسرحي 27

تاريخ النشر : الخميس 12:00 17-12-2020

واصل مهرجان الأردن المسرحي 27، الذي يقام ضمن الموسم المسرحي الاردني 2020، عروضه اليومية بمسرحية «انعكاسات» اخراج وتأليف محمد بني هاني، ومسرحية «أيها الغبار خذني» للمخرج عبدالصمد البصول.

«انعكاسات»... ذاكرة غامضة

عندما يلتقط المسرحي لقطة ما، من زاوية بصرية يدرك هو وحده سرها، فإنه حتما يكون بذلك ضمير مجتمعه وضمير لحظته التاريخية، لأنه يكشف بإبداعه عن البعيد والغائب وعن الغامض والخفي، ويسلط الضوء على الجوانب المظلمة في الصور وفي المشاهد وفي المواقف الملتبسة، ويحرك الساكن، ويكلم الصامت، ويعبر عن المسكوت عنه، ويخوض في الممنوع والمحرم بجرأة العالم والفنان والصوفي والمناضل الوجودي، كما يقول الناقد المسرحي عبدالعزيز برشيد.

في العرض المسرحي «انعكاسات» الذي بدا صامتا متكلما في آن، انعكست على صفحة الخشبة صور شتى لحيوات شتى، اختُزلت في ذاكرة غامضة لعالم أكثر غموضا، لكنها قرأتنا بوضوح وعكست صورتنا القاسية والدامية بفرجة بصرية بسيطة، وقريبة جدا من العمق.

«مو احنا المفروض بنخلق لنعيش؟ فليش ما نعيش بطريقة أحلى؟ ليش ما كل شي يكون مبسوط من كل شي؟»، كلام بسيط لكنه يجرح الواقع، وينثر أسئلته على مرأى من البشرية التي تنظر بسذاجة لهذا الطرح.

رغبات لم تتحقق كان يدحرجها العرض «انعكاسات» الذي اتكأ مخرجه وكاتبه ومعد السينوغرافيا له محمد بني هاني في نصه المسموع على قصة بسيطة تتمثل في الشاب «وحيد»، الذي أراد أن يخلع ذاكرته ويهرب إلى خارج كل ما يمتلك من إرث ذهني يتعلق بمكان سكنه وحبه القديم وكل ما يربطه بهذه الحياة من خلال إسقاط مباشر تمثّل بعرض لمقتنياته بالمزاد العلني، إلا أنه يقع في صراع بعد ذلك بين الماضي والحاضر فتنفجر المشاعر بينه وبين حبيبته التي كانت تجسد له كل شيء جميل، فتسيل الذكريات والتمنيات وصولا إلى لحظة يدعوا فيها «وحيد» إلى الانفلات على الماضي ووضعه تحت المجهر وإعادة النظر بكل تفاصيله.

في النص البصري ذهب بني هاني إلى البساطة في تجسيد وعيه عبر مرتكزات أساسية بنيت عليها الفرجة تمثلت في: الحركة البطيئة والمتعاكسة في آن، والمرسومة بصرامة مما حدّ من تفجّر طاقة الممثلين «حياة ابو سمرة، عبدالرزاق جركس، نجم الدين الزواهرة» التي كانت تتدافع خلف جدران الحوار. فيما كانت المادة الفلمية لمجد مناع تنعش ذاكرة «وحيد» وتحفز طاقته في خلق الحوارات الموازية لهذا العالم وتعبر عنه. لتحتشد السينوغرافيا بمجملها التي جاءت بسيطة واضحة تمثلت في «استاند» في جانب المسرح يقف عليه الراوي الذي يتمثل فكرة الادعاء العام ليلقي بالتهم على العالم أمام المتلقي، ومرجيحة في الجانب الآخر تجلس عليها حبيبته، أو الجزء المشرق من الذاكرة والذي يرغب في الخلاص منه، لتتقاطع مع موسيقى «محمد الادريسي» التي كانت أحيانا أكثر انضباطا عن اللحاق بإيقاعات العالم المتسارعة، فيما كانت إضاءة عبدالله جريان تمارس سطوتها في تطوير لحظات التجريد والشاعرية في التذكر والاسترجاع، وتصوير الظلم والظلام الذي يدفعنا للهجرة والاغتراب عن الأوطان.

يلتقي الشابان في تجليات وتدفقات شاعرية حاملة معها قسوة تقتل الرغبة في البقاء على هذه الأرض، وتختزن في حقيبته التي يحملها في سفره كل المرارات والوجع، محيلا كل هذا العالم إلى لحظة شاعرية تم الاتجار بها وبيعها في مزاد رخيص، معبرا بألم واضح عن أن المشاعر التي خضعت للتسليع هي مشاعر مزيفة بالضرورة، ورغم ذلك يتمنى أن يبقى هذا العالم جميلا بعد انهيار الحق (من متى الحق يمنح حق ليخالف حق)، وهي مقولة محورية في العمل، فإذا كنت أؤمن بحقي فعلي أن لا انتزع حق الآخرين وهذا كلام يتسع لكل البشرية بكل أطيافها.

الإنسان الذي يمارس فعل التذكر، ويعتمل في دواخله الصراع بين الأنا والانا، وبين الماضي والحاضر، هو نفسه الذي يتمنى انه استطاع أن يحافظ على كل ما هو جميل، وأن غيابه في لحظة ما هو بحثه عن لحظة جميلة يتذكرها لكنه يعود ويرجع للبشاعة التي تجهز على ذاكرته وتخيم عليها.

استطاع العمل أن يقدم رسالة واضحة بسيطة تمثلت في إعادة النظر بكل ما هو قديم، تقدّس وتكلّس.

«أيها الغبار خذني»... صراع الخير والشر

العمل المسرحي الذي جاء بعنوان: «أيها الغبار خذني» للمخرج عبدالصمد البصول، وتأليف منصور عمايرة، قدم قراءة فلسفية عميقة للصراع الأزلي بين الخير والشر، ودعا بلغة فلسفية عالية إلى التأمل في الحياة، وإعمال الوعي بما لدينا من لحظات جمالية نغفلها أحيانا لكنها هي مصدر السعادة لنا.

قامت فكرة العرض المركزية على الرغبة، وتسلطها على النفس البشرية، فـ«العتّال» سقط في فخ الإغراء الذي قدمه له الشيطان في المعنى الظاهر للعمل، أو من يمتلك مفاتيح تحقيق الرغبة ايّا كان في المبنى العميق للنص، الأمر الذي جعل الشيطان يخضعه لهذه الرغبات مقابل أن يتنازل «العتّال» عن روحه لتحقيق هذه الرغبات.

قدم الممثلان: «خالد الغويري واشرف طلفاح» أداء عاليا من خلال سيطرتهما وامتلاكهما لقوانين اللعبة المسرحية، إن لجهة الأداء الجسدي الذي تمظهر بشكل لافت فيما قدماه من حركة مدروسة ومحسوسة، أو فيما قدماه من إيغال في تصوير الجانب النفسي للشخصيات والاتساق بقدرة عالية مع المونولوجات التي كانا يقدمانها.

مارس الشيطان فعلته القبيحة مع الإنسان منذ الأزل وفي هذا العمل ظهر العتّال البسيط طائعا ذليلا أمام رغباته، ليكتشف بعد تحقيقها أنها ليست هي الرغبات، وليس كل ما كان يتمناه يجلب السعادة، وانه كان يعيش في سعادة لكنه كان غير مكتشفا لها، وهنا يكمن الجذر الآخر لروح العمل، فبعد أن يعمل عقدا مع الشيطان من اجل أن يتخلى عن قيمه وان يطيعه، ويمنحه روحه ويتنازل عن جوهره، ليستيقظ بعد ذلك فيجد أن الأشياء التي كان لا يراها هي مصدر سعادته.

عمل المخرج على خلق فرجة بصرية توازي بجمالها الرؤية الفكرية للعمل، فصمم الموسيقى لتنسجم مع بناءات العرض وتسيطر على إيقاعاته وفق الرؤية الرئيسية، وتتساند مع الأزياء التي صورت بشكل واضح الأجواء النفسية للشخصيات، فالتقى المضمون مع الشكل، حيث جسدت الملابس وخاصة القرون التي كانت ترمز للشر والطغيان ما يريد أن يقول لنا، حيث التحول من الحالة البسيطة إلى الحالة الشيطانية بدفع من الرغبات.

الرؤية الإخراجية التي استندت على التكثيف لحالة الصراع بين الشر والخير والرضوخ للرغبة ظهرت واضحة في عرض فلسفي متماسك بكل بناءاته، و أوصل ما يريد أن يقوله بصورة ذكية من خلال تحكم المخرج بأدواته الفنية والمعرفية.

يشار إلى انه شارك في التمثيل إلى جانب خالد الغويري واشرف طلفاح، رنا ابراهيم، وليد الحوراني، رائد برجوس، والطفل عمر برجوس»، في حين كانت الإضاءة لخالد الخلايلة، والديكور لأحمد معروف، والموسيقى قصي سرور وجميل ساز، والسينوغرافيا لمحمد المراشدة، ومواد فلمية احمد الفالح، وإدارة خشبة زاهي حمارنة، ومساعد مخرج يزن ابو سليم، وإدارة الإنتاج رناد ثلجي، وكريوجراف آن قرة ليان.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }