سليم النجار

(كاتب وناشر أردني)


يقول ميلان كونديرا ان الرواية كيمياء حلم الروح الجريحة بنبال الواقع المرير ... وأنّ الروائية المستكشفة الصادقة للوجود تصغي للتاريخ وحلكة لياليه؛ لكّنهُ يفصحُ عن كلّ ما يدورُ في دهاليزه المعتمة ... وهو الذي يُؤرخ حتّى لخطواتنا السجينة وغير المرئية، ويتبشُ بزهوٍ وتقش معاً في تربة الواقع عن احلامّنا التي صدئت لكثرة التأجيل والانتظار؛ بل تقدم لنا أحداثاً لاتتسع لها صفحات التاريخ وذاكرة الرواة ... تشبهُ إلى حد كبير أحداث حياتنا اليومية الممغنطة بالأوجاع والهزائم والانكساراتٌ.

من جهته يقول كولن ويلسن "إنّ الروايةَ من أكبر التعويضات الممتعة التي استطاع الإنسان أنْ يبتكرها لحدّ الآن".

رواية "قلوب من نار" الصادرة عن دار التنوير للكاتبة دالندا الحسن، تعملُ على تحريك المفاصل المعطّلة في ثقافتنا وتعيد السؤال لواقعنا الذي يشكو من فقر دم مريع؛ تجدّدهُ وتحكّ على جراح ظن البعض أنّها اندملت ولمٌ تعُدْ لها ذاكرة ولا ليال حزينة.

تراهن الكاتبة دلندا الحسن على الكلمات "لم تستيقظ فريال العباسي من شرودها إثر كلام والدتها إلاّ على وقع أقدام ابنها عندما عاد من الخارج، ضمّته بقوة إلى صدرها . ص ٧٦".

اهيّ سيرة وطن الراوية "الكاتبة" أم سيرة الوطن المحيطة (الأسرة المبدّدة الأمنيات)، أمْ سيرة الوطن الصغير "فلسطين" المشدود لحاضرة الشمس بحثاً عن الأمان والرغيف والضحكة من القلب؟ ... أمْ هي فصل من سيرة الوطن الكبير العربي المصادر والداخل في الغياب "مرت الأيام بوتيرة هادئة، لكن لم يكن هذا الحال الساعة الثانية والنصف من فجر يوم ٢ أغسطس العام ١٩٩٠، عندما استيقظ العالم خبر دخول فِرق الحرس الجمهوري العراقي، الحدود الدولية باتجاه دولة الكويت. ص٩٥).

اهيَ سيرة وطن يتفجّر، يثور على نفسه، يتجدّد بالمزيد من الدّمع والدم والحزن ... يبحث عن صباحات لمْ يعشها (اعترض طريقهما صبية يلعبون بالكرة في الشارع. ركضت فتيات صغيرات بالقرب منه وهن ينشدن بصوت عال: (فلسطين داري ودرب انتصاري .. تظل هوى في فؤدي .. ولحًنا أبًيا على شفتيّا .. فلسطين داري ودرب انتصاري. ص١٤٧).

"الكتابة فعل تضامن تاريخي" كما يقول رولان بارت. وبين نارٍ تشتعلُ هنا وأناس أبرياء يقتلونَ هناك. وبينَ بكاء بدمعٍ حجري وحزن مزمن وفرح زخرفي، يلتقي الوجع كما صورته دلندا: (دخل ربيع النورس إلى حجرته يبحث بلفهة عن الكوفية الفلسطينية التي لفّ بها صندوق هدية يارا الغريب لكنّه لم يجد الصندوق، وكانت الكوفية ملقاة على السرير .. ص٩٠).

من الضرورة أن نفهم خروج دلندا في روايتها "قلوب من نار" عن الجماعة التأولية بوصفه فعلاً يستهدف الاستيلاء السلطوي على النصوص وتوجيهها في خدمة أغراضها السياسية. وبهذا فإن قراءتها للأفكار التي طرحتها في روايتها ما هي إلا انتهاك لحرمة النوع القاتل، ويمكن فهم ذلك عن طريق مفهوم القراءة بوصفها فعلاً انتهاكياً. وبهذا فإن دلندا الحسن تقوّض سرديات أسلافها المعتمدة في وصف عالمها على الأختلاف أو الانسجام فتقدم غير مختلفة وغير منسجة في مقاومة خطابات القوى المتناحرة.

إنّ مردّ هذا الالتباس يعود حتما إلى استراتيجية كتبابيّة تنتهج نهج الكتابة التجريبية الّتي تمرق عن المنطق التقليديّ في بناء الخطاب، وتُعرب عن بناء مشروع روائيّ جديد من الانتهاك ديْدنا. لقد جاء البناء متشظيا مشوشا؛ ممّا يجعل القارئ يرهق من أمره عسرا؛ فلا هو قادر على متابعة الأحداث (ليست الأحداث متنامية في خط تصاعديّ ولا هي بالتذكر الذي يرجع بالزمن إلى الماضي)، ولا هو قادر على الكفّ عن قراءة الرواية التي اعلنت من خلال خطابها الملتبس والمتداخل البناء تحدّيها له ولكفاءته.