انطلقت مع بداية جائحة كورونا منتصف آذار الماضي مئات المبادرات الأهلية والمؤسسية التي تتنوع بين فردية وجماعية أو مؤسسات، تهدف بالأساس إلى مساعدة الفئات الأكثر تضرراً من الجائحة.
فمن رحم الأزمات الاقتصادية والصحية والاجتماعية التي ترتبت على انتشار الجائحة، وإجراءات الإغلاق والحجر الصحي، ظهرت هذه المبادرات للتعاون بين أفراد المجتمع.
مختصون قالوا في أحاديثهم إلى الرأي إن هذه المبادرات جاء الكثير منها بدافع الفزعة لمساعدة أبناء مجتمعهم ومناطقهم ممن هم بحاجة للتصدي للظروف الاقتصادية الصعبة التي واجهتهم، ولمقاومة ومكافحة هذه الجائحة، مشددين على ضرورة أن تكون هذه المبادرات مستمرة ومتواصلة، وليست على شكل فزعات.
الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي قال إن «هذه المبادرات كانت فزعة ايجابية من أفراد المجتمع ومؤسساته بسبب جائحة كورونا، اذ كانت تخدم المجتمع وتعمل على حل ومواجهة بعض المشاكل والقضايا التي تواجه وتؤرق المواطن، خاصة الفقر والعوز والحاجة، بغض النظر ان كانت أهدافها مبطنة أم لا، حيث إننا نتوقف عند السلوك الظاهر منها، وهو مساعدة الناس للتغلب على مشاكلهم وقضاياهم، خاصة أن هناك فئات في المجتمع مثل كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والمتعطلين عن العمل يقدرون الخدمة المقدمة لهم، ولا ينظرون الى أهداف أخرى».
وأضاف الخزاعي «هذه رسالة لكل من يحاول أن يغلف أو يزيف مواقفه أو يجيرها إلى مواقف أو أهداف مبطنة أن يلغي هذه الأهداف؛ وعليه العمل من أجل فرحة الناس ومساعدتهم للوقوف معهم».
وشدد على أن تكون مثل هذه المبادرات مستمرة ومتواصلة وليست على شكل فزعات مؤقتة تنتهي مع انتهاء الحدث وتبعاته.
منسق وحدة الشراكات والعمل التطوعي في هيئة شباب كلنا الأردن امجد الكريمين، قال ان جائحة كورونا غيرت شكل ومضمون العمل التطوعي من تنظيف الأماكن العامة ودهان الاطاريف أو زراعة الأشجار وغيرها، إلى مفهوم العمل التطوعي الإنساني في ظل جائحة تسارع انتشارها عالميا، تحتاج لجهد مساعد لخطة استجابة الحكومة لمكافحة الوباء.
وأضاف «لعب التطوع دورا مهما نظرا لأن المجتمع الأردني لا يزال متماسكا بالرغم من الكثير من المتغيرات التي طرأت عليه، إلا أن ما يميز المجتمع الأردني عن غيره، التماسك والترابط، وهذا ما يساعد على تعزيز وتطوير العمل التطوعي وأيضا تنظيمه».
ولفت الكريمين الى أن الشباب استطاعوا أن يؤكدوا على اضطلاعهم بدورهم الحيوي في العمل التطوعي والإنساني من خلال إقبالهم الكثيف على المبادرة التي أطلقت في مختلف المحافظات بهدف مكافحة فيروس كورونا، وتنوعت تلك المبادرات، بحسبة، فمثلا بجهد مؤسسي نفذت هيئة شباب كلنا الأردن- إحد برامج صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية- حزمة من الفعاليات والأنشطة التطوعية وفق جهد تطوعي مؤسسي منظم.
وأشار إلى أن المبادرات الرسمية والأهلية لعبت دورا مهما في مجال التوعية والتثقيف على أهمية التحلي بالوعي المجتمعي، والتصدي للإشاعات والأخبار الزائفة والكاذبة، والاعتماد على مصادر المعلومات الموثقة في نشر المعلومات المتعلقة بالوباء، متمنيا الاستمرار بمثل هذه المبادرات الايجابية التي تخدم المصلحة العامة.
بدوره، أكد المتطوع مجدي حمدان أن فكرة انقاذ المجتمع من أي كارثة تصيبه قائمة على التكافل والتضامن، وأن العمل التطوعي في اطلاق المبادرات أساسي في مثل هذه الحالات؛ فهو يظهر تماسك المجتمع ووحدته وقوته، فالتطوع في ظل الظروف الراهنة يخلق نموذجا لأبناء الوطن واستقطاب المزيد منهم، ولا يكون مرتبطا بزمان أو مكان معين، بل يجب أن يكون مستمراً بجميع الظروف خدمة لأفراد المجتمع ممن هم بحاجة للمساعدة.
وقال انه في ظل ازمة فيروس كورونا تغلب العمل التطوعي على تحديات الحجر والحظر بخلق برامج ابداعية وابتكارية للتواصل مع المتطوعين واستثمار اوقات فراغهم بتنمية قدراتهم.
ويرى حمدان بأن «نهضة المجتمع تبدأ بتطوير الذات مرورا بالعمل التطوعي، ولا بد من التكيف مع المرحلة وتحويل التحديات الى فرص، حيث نؤمن بأن الازمات هي مرحلة اطلاق القدرات الخلاقة واستثمارها للمضي قدما، بعد الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتكامل مع الجهود الحكومية للمحافظة على صحة المواطن».
واشار الى ان ملتقى همم المبادرات الإنسانية والتطوعية العربي قام ببناء بنك للعمل التطوعي باستثمار التقنيات الحديثة لتنفيذ برنامج دردشات الفرصة العظيمة بمواضيع متنوعة من الإيجابية ودعم المشاريع وتصميم المبادرات، وتنفيذ برنامج التطوع في الازمات ضمن معايير نوعية. وتابع حمدان: «ملتقى همم، ومخيم الريادة المجتمعية للشباب الاردني، وكرنفال التدريب للشباب العربي.. كل هذه أثمرت عن تدريب نحو ٢٥٠٠ شاب وشابة من ١٨ دولة عربية وإكسابهم مهارات مميزة حسب مجال المشاركة»، داعيا الى تعزيز التنسيق والاستثمار الأمثل لقدرات المتطوعين وتوزيع الجهود ضمن فرق مدربة ومؤهلة للتعامل مع الكوارث والأزمات، واستثمار توجيهات ورؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين الأمير الحسين بدعم المتطوعين ومبادراتهم وتقدير جهودهم المميزة.
وبين رئيس الهيئة الإدارية لبنك الشفاء والصحة الأردني أشرف الكيلاني، أنه ومنذ بداية أزمة كورونا التي اجتاحت العالم بأسره كان بنك الشفاء حاضراً بقوة من خلال تنفيذه عددا من البرامج والحملات والمبادرات المتنوعة التي لاقت نجاحاً واستحساناً لدى الشارع الأردني، كان أهمها حملة أهل العزم التي حث بنك الشفاء من خلالها المواطنين على دعم جهود الحكومة في مكافحة فيروس كورونا وضرورة الالتزام التام بتعليمات السلامة العامة التي تحمي من الإصابة بالفيروس.
وأضاف الكيلاني ان بنك الشفاء أطلق مبادرة عقِّم بيتك بمُساعدة المواطنين بتعقيم أغراضهم الشخصية ومنازلهم وحتى سياراتهم، وتوزيع المعونات الغذائية ومواد التعقيم والكمامات والقفازات على العديد من الأسر الفقيرة خاصة خلال فترات الحظر، ولأهمية دور التوعية في الوقاية من الإصابة بفيروس كورونا أطلق بنك الشفاء عشرات الرسائل التوعوية والفيديوهات عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وضح من خلالها الإرشادات التي تحمي المواطنين من انتقال العدوى لهم، وبرنامجاً تطوعياً تفاعلياً حمل عنوان «أعوان الشفاء» ضم العديد من أبناء الوطن وخاصة من فئة الشباب.
وقال «أطلق بنك الشفاء ايضاً وبالشراكة مع وزارة الصحة مبادرةً للأطفال حملت عنوان «أطفالنا نجوم كبار»، تهدف إلى تحفيز الأطفال من أعمار مختلفة وخلال فترة حظر التجوال إلى توجيه رسائل توعوية من خلال رسومات يرسمونها بأنفسهم عن أهمية الالتزام بإجراءات الحكومة التي قامت بها في سبيل مواجهة كورونا وعدم انتشاره، وأيضاً أهمية الحفاظ على النظافة الشخصية من غسل للأيدي والتعقيم المستمر والبقاء في المنازل».
وأشار الكيلاني إلى ان هناك الكثير من المبادرات التي ظهرت خلال أزمة كورونا مستمرة الى ما بعد الأزمة لأنها تخدم افراد المجتمع الأردني بمختلف الظروف والأوقات، بينما ستنتهي بعض من هذه المبادرات مع انتهاء الجائحة لأنها انطلقت بسبب حاجة المجتمع لها بنفس الوقت الذي ظهرت به الجائحة.
وأطلقت الدكتورة اروى مسلم مبادرة «معا نحن اقوى للكوادر الطبية» بداية جائحة كورونا، بمشاركة ما يزيد عن ٨٠ طبيبا وممرضاً وصيدلانيا لتلبية حاجات الناس خلال فترة الحظر الشامل وفقا لاوامر الدفاع والتي بلغت فيها حاجة الناس اشدها للعديد من الخدمات التي توقفت في تلك الفترة بسبب الحظر الشامل.
واكدت مسلم ان احد اطباء المبادرة الطبيب اسامة مسنات اجرى خلال شهر (18) عملية جراحية ضمن اختصاصه ومنها ازالة ثخرات دموية وعمليات انسداد اوعية وشرايين قلبية وكلى وبتر قدم سكري، والعديد من العمليات التطوعية الناجحة.
ورفضت مسلم مقولة أن المبادرات جاءت على مبدأ الفزعة، بالرغم من ان ذلك ينطبق على البعض منها، موضحة ان هناك مبادرات مدروسة وفق واقع الحال نبرر زيادتها ونقصانها وفق منطق الامور التي تنبثق من حاجة الناس الماسة، وانطلاقا منها تقوم الجهات التي تقدم دعما مجتمعيا بتقديم الخدمات من خلال كوادرها ومتطوعيها.
واضافت انه في فترة اغلاق العيادات الخاصة جاءت مبادرة «معا نحن اقوى للكوادر الطبية»، وبعد البدء بعمليات الانفتاح وتمكن الافراد من زيارة الاطباء عندما اختلفت الاوضاع والاحتياجات، تغير شكل المبادرات بناء على هذا التغير.
وقالت مسلم ان مبادرة «معا نحن اقوى للكوادر الطبية» قائمة لتقديم العون لكافة ابناء الوطن من مبدأ اسناد المجتمع فيما هو بحاجة اليه واتخاذ الاولويات بعين الاعتبار.
وكشفت عن مبادرات اخرى اطلقت زمن كورونا وشارك فيها (200) متطوع لتقديم الخدمات لقراهم واحيائهم خلال فترة الحجر الكامل. وتابعت: «أما اليوم ونظرا لالزامية ارتداء الكمامة وضرورتها اطلقت جمعية الرعاية العالمية التي مقرها بالاردن مبادرة «صحتهم امانة» لتوزيع الكمامات التي تصلح للاستخدام المتكرر والطرود الغذائية والطبية على دور الايتام والمدارس الاقل حظا في كافة محافظات المملكة على الصفوف الثلاثة الاولى والتوجيهي، حيث يتم تعليمهم وجاهيا، وهم بحاجة للكمامة بشكل يومي».