تتزايد المؤشرات على انزلاق لبنان نحو اكثر من أزمة, تكاد كل واحدة منها تلِد أُخرى, ما يثير المزيد من التكهّنات عن المصير الذي سيؤول اليه هذا البلد العربي, الذي يعيش ازمات اقتصادية ومالية ونقدية ومعيشية غير مسبوقة في تداعياتها واكلافها الاجتماعية, بعد ان شارف الوصول الى مرحلة الإفلاس وانعدام الارادة السياسية لدى النُخب السياسية والحزبية ذات الامتداد الطائفي والمذهبي, للخروج بأقل الخسائر بعد تراجع هوامش المناورة ووقوع البلاد ضحية جشع وانانية وفساد هذه النخب, التي لا يعترف احد منها بمسؤوليته ولو الجزئية عن حدوث أزمات كهذه, بل كل يُلقي بالمسؤولية على الآخر، فيما يدفع اللبنانيون ثمن كل هذا التجييش المذهبي والطائفي والمناطِقي والجِهوي, في مسعى من امراء الحرب السابقين (رجالات الحكم والسياسة والنخب الحزبية الحالية) لتعزيز نفوذهم والاستقواء بالتحالفات الخارجية وخصوصاً عبر المحيطات, فضلاً عن تلك الإقليمية التي تبدو وكأنها تريد غسل ايديها من المستنقع اللبناني, بعد ان أسهمت في إفساده وإعطابه وتركه نهب التهديدات الاميركية والصهيونية بالإجتياح والعقوبات, تحت طائلة عدم رفده بالقروض او المساعدات إذا لم يلتزم أجندة سياسية واقتصادية بل وعسكرية, تُسرِّع في إطباق الحصار على سوريا (بعد البدء بتطبيق قانون قيصر منذ السابع عشر من الشهر الجاري), قانون سيطال بعقوباته لبنان كون اقتصاد سوريا ولبنان مرتبطان عضوياً وواقعياً ويصعب فك احدهما عن الآخر، حتى لو تم التهويل بضرورة إقفال المعابر غير الشرعية ومنع التهريب, ومحاولات تل ابيب وواشنطن وباريس «توسيع» مهمات قوات الامم المتحدة (اليونيفيل) في جنوب لبنان, لتشمل مراقبة الحدود السورية اللبنانية.
يدرك قادة لبنان.. مَنْ مٍنهم في الحكم سواء الحكومة ام رئاسة الجمهورية كما الاحزاب والقوى المُمثّلة في البرلمان, أم اولئك الذين خارج اطار السلطة رسمياً, لكنهم يتمتعون بنفوذ وكلمة مسموعة في الشارع لاسباب عديدة, منها ما هو طائفي وآخر مَذهبي وثالث مَناطقي ورابع جرّاء التحالفات والارتباطات الخارجية، أن لبنان بات الآن اكثر من اي وقت مضى, امام أسئلة «وجودية», لم يعد بالإمكان التغاضي عنها او التملّص من تبعاتها وأكلافها كون, الجميع في قارب واحد (بصرف النظر عمّن يتحمل المسؤولية اكثر من الآخر), ولهذا بات مطلوباً الإلتقاء والحوار لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه, وإلاّ فإن البلد ذاهب الى المجهول بكل ما يحمله هذا المصطلح المخيف من احتمالات, قد تكون الحرب الاهلية احد خياراته, وثمة «ثورات» اجتماعية اكثر خطورة وأكلافها باهظة لن يخرج احد من هؤلاء منها سليماً, كثورات الجوع والبطالة وانعدام فرص العمل وغياب الأمن الشخصي والاجتماعي وانتشار الفوضى, على نحو تكون فيه الفدرلة والتقسيم خياراً مَفروضاً, لن ينتهي كما يحلم الساذجون الذين نادوا بمثل هذا الخيار البائس في ظروف سابقة, بل سيعود لبنان ليكون تحت اكثر من وصاية اسرائيلية وأميركية وربما بمشاركة تُركية و أخرى عربية «جديدة».
هنا تحضر الدعوة الى الحوار الوطني في قصر بعبدا (مقرّ رئاسة الجمهورية في لبنان) التي دعا اليها الرئيس ميشال عون, الرؤساء ورؤساء الحكومات السابقون ورؤساء الاحزاب والكتل النيابية للالتقاء في 25 الجاري، الامر الذي قوبِل بحماسة لدى البعض وتريّث لدى غيرهم, وشكوك وحذر لدى خصوم «العهد», ورفض من قِبل آخرين, رغم ان هؤلاء (الرافضون حتى الآن) لا يُمثلون شريحة مهمة اجتماعية او ذات وزن سياسي, مثل تمام سلام رئيس الحكومة الاسبق الذي أعلن مُقاطعته الحوار، ولم ينتظر حتى معرفة موقف «راعيه» السياسي رئيس تيار المستقبل سعد الحريري, الذي ما يزال (كما سليمان فرنجية رئيس حزب المردة) يدرس الخيارات، فيما أعلن وليد جنبلاط (التقدّمي الإشتراكي) الحضور, وكان رئيس البرلمان نبيه بري هو الراعي والوسيط, الذي يحاول تدوير الزوايا لضمان حضورٍ وازِن وعدم مقاطعة تيارات سياسية وحزبية أساسية لها حضورها وتأثيرها في المشهدين السياسي/الطائفي والمذهبي وفي الشارع على حدٍ سواء.
لبنان مُنقسم بشكل افقي وعامودي خطيريْن, والإستقطاب وصل ذروته, وبخاصة لدى الأحزاب «الطائفية» من الطيف الواحد, كما هو حاصل في الصف المسيحي بين القوات اللبنانية/ جعجع والتيار الوطني الحر/ جبران باسيل, وايضا الشارع السُّني بين تيار المستقبل/ سعد الحريري واللقاء التشاوري/ حلفاء حزب الله, دون إهمال دور رئيس الحكومة حسان دياب الذي لا تيار ولا حزباً سياسياً له ,لكنه بدأ يبحث عن حيثية طائفية لنفسه, رغم الصعوبات التي تُواجهه والمطالبات الشعبية وخصوصاً الحزبية التي تدعوه للإستقالة, كون الوعود التي جاءت في بيان حكومته لم تُترجم على ارض الواقع, وكونها لم تُثبت (كما يتهِمه مُعارضو العهد) انها حكومة تكنوقراط, بل هي تابعة للاحزاب التي شكّلتها، ناهيك عن انهيار الليرة اللبنانية والارتفاع الصاروخي في سعر الدولار الاميركي، إضافة الى ارتفاع نِسب البطالة وصرف الموظفين بعد جائحة كورونا, واغلاق شركات عالمية واخرى اقليمية ومحلي أبوابها ومغادرة لبنان.
كل ذلك يأتي على وقع ارتفاع منسوب التهديدات الاسرائيلية والضغوط الاميركية, الداعية الى ترسيم الحدود اللبنانية البرية والبحرية مع فلسطين المحتلة وعدم الجمع بين الامرين، إذ يُمكن – تقول واشنطن - ترسيم الحدود البحرية الاكثر اهمية لدى اسرائيل، ولاحقاً يتم بـ«سهولة» ترسيم الحدود البرّية, بكل ما يحمله هذا التطور – إن حدث – من مخاطر على لبنان وحرمانه من قوة سلاح حزب الله وردعه, حيث يربط الحزب امتلاكه السلاح باستعادة الاراضي اللبنانية المحتلة في الغجر وتلال كفار شوبا وغيرها من المناطق المحتلة الحدودية, التي تقول اسرائيل انها اراض سورية فيما لبنان يُؤكِّد بالخرائط انها لبنانية.
المشهد اللبناني مفتوح على احتمالات عدة ونجاح حوار بعبدا يوم الخميس المُقبل (25 الجاري) مرهون بمدى تجاوب القوى السياسية والحزبية الاخرى, وبخاصة تلك التي تناوئ الجنرال عون وتياره السياسي, وتدعو ضمن امور اخرى الى استقالته وإجراء انتخابات برلمانية مُبكرة, كما يدعو الى ذلك سمير جعجع/القوات اللبنانية وسامي الجميّل/حزب الكتائب)، ناهيك عن رفض قوى أخرى هذا الخيار وتمسّكها بالمواعيد الدستورية والتزام الميثاق الوطني واتفاق الطائِف.