يبرز دور وأهمية البحث العلمي هذه الأيام لا سيما بعد انتشار وباء كورونا الذي اجتاح العالم وظهر عجزه عن التصدي لهذا الوباء فتردد الحديث عن البحث العلمي ودوره محليا وعالميا.
وهنا يجدر السؤال عن أداء البحث العلمي في الأردن لينافس عالميا وفي تحقيق الهدف المرجو منه ألا وهو العائد الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع؟ ما هي المعوقات التي تؤخر تقدمه؟.
خلال السنوات السابقة هناك الكثير من الجهود التي تنادي إلى تطوير البحث العلمي في الأردن إلا أن تلك الجهود لم تؤد إلى تحقيق المرتبة المرموقة التي يستحقها الأردن رغم توفر الموارد البشرية إذ إن ترتيب الأردن عالميا في المركز 70 (حسب تصنيف Clarivate) وهو أقل من المتوسط العالمي. لقد تم نشر قرابة 18,000 بحث علمي محكم خلال الأعوام العشرة السابقة من الأردن وهو أقل مما نشر من لبنان على سبيل المثال وهي دولة أصغر من الأردن من حيث عدد السكان والجامعات والباحثين.
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من وجود 32 جامعة و10,000 عضو هيئة تدريس جامعي و300,000 طالب جامعي وهي إمكانات مهمة ولا يستهان بها إلا أن هناك العديد من هذه العوائق التي تؤخر تقدم تصنيف الأردن ويفترض أن تساهم في تقدم هذه الموارد البشرية مثل:
أولا: عدم وجود خطة استراتيجية طويلة الأمد للبحث العلمي في الأردن تأخذ بالاعتبار توفير الموارد البشرية والأولويات الوطنية للبحث العلمي الأمر الذي أدى إلى عدم وضوح في الرؤية وبالتالي عدم وجود خطوات تنفيذية لتوجيه البحث العلمي ومتابعة أدائه.
ثانيا: حجم الإنفاق على البحث العلمي من قبل القطاع العام والخاص والذي يعتبر ضئيلا مقارنة مع الدول الإقليمية المحيطة والرائدة في مجال البحث العلمي على الرغم من وجود جهات عديدة داعمة للبحث العلمي إضافة إلى الجامعات، إذ إن مقدار ما ينفق هو أقل من 0.5% من موازنة الدولة.
وهنا تكمن أهمية توفير مخصصات مالية داعمة للبحث العلمي بما يتناسب مع مقدار الدخل القومي كما هو معمول به في باقي الدول المتقدمة بحثيا.
ثالثا: تعدد الجهات الداعمة والمشرفة على البحث العلمي حيث هناك أكثر من 15 جهة داعمة للبحث العلمي بوسائل مختلفة وعدم التنسيق بينها في ظل عدم وجود مظلة مشرفة على هذا القطاع.
رابعا: هناك دور كبير يقع على الجامعات بجميع مكوناتها من أعضاء الهيئة التدريسية إلى إدارات الجامعات التي تولي الاهتمام الأكبر الى النواحي التعليمية أكثر منها على النواحي البحثية وتصب معظم ميزانية الجامعة على الجوانب المرتبطة بالنواحي التعليمية وخصوصا في الجامعات الرسمية والتي لديها أعداد طلبة أعلى بكثير من طاقتها الاستيعابية مما يجعل جل اهتمامها نحو توفير الموارد اللازمة تعليميا بما في ذلك توفير الكادر الأكاديمي والإداري.
خامسا: عدم الاهتمام الكافي من الجامعات في الصرف على البحث العلمي رغم أنه وحسب القانون يجب عليها صرف على الأقل 5% من ميزانية الجامعة لأغراض البحث العلمي والإيفاد ويعود السبب في الجامعات الحكومية إلى انهماك الإدارة في توفير المخصصات اللازمة من رواتب العاملين لديها وأما الجامعات الخاصة فلم تأخذ هذا الجانب بشكل جدي. ونتيجة لذلك تراكم فائض مخصصات البحث العلمي من الجامعات الأردنية والتي يترتب تحصيلها لرفد صندوق دعم البحث العلمي والابتكار حسب المادة رقم (10) من قانون التعليم العالي رقم (23) رغم أنه كان يتوجب على الجامعات صرفها على البحث العلمي والابتكار خلال الأعوام العشرة الماضية.
مع العلم بأنه في السنوات الأخيرة بدأت الجامعات بصرف نسبة 5% من الميزانية المخصصة للبحث العلمي وذلك حسب القانون الأمر الذي حرك المياه الراكدة في مجال البحث العلمي.
سادسا: عدم الاهتمام الكافي من الجامعات وضعف المتابعة لبرامج الماجستير والدكتوراة التي تطرحها مع وجود أكثر من 30,000 طالب دراسات عليا حيث إن الكثير من مخرجاتها لم تحدث تأثيرا اقتصاديا أو اجتماعيا في المجتمع بل إن معظمها يتجه إلى الأبحاث النظرية البعيدة عن الجانب التطبيقي بل وصل الأمر إلى استحداث العديد من برامج الماجستير ذات مسار المواد ودون رسائل ماجستير الأمر الذي يضعف الجانب البحثي ويغري الطالب إلى اختيار هذا المسار والابتعاد عن مسار رسائل الماجستير لسهولة وسرعة إنهاء البرنامج الأمر الذي يحول دون اكتساب مهارات تنفيذ البحث العلمي.
سابعا: إن من أبجديات دعم البحث العلمي في برامج الماجستير والدكتوراة هو توفير البيئة المناسبة آخذين بالاعتبار وجود أكثر من 10,000 طالب دراسات عليا في التخصصات العلمية لتنفيذ البحث العلمي ومنها تفريغ الطالب ليكرس وقته وجهده في إجراء التجارب والبحوث التطبيقية مما يتطلب من الجامعة توفير البعثات الداخلية لطلبة الماجستير والدكتوراة إلا أن واقع الجامعات والإجراءات الأخيرة التي اتخذت أدت إلى تد ن شديد في دعم هؤلاء الطلبة الأمر الذي يؤدي بهم إلى استهلاك وقتهم وجهدهم في توفير قوت يومهم واهتمام غير حقيقي في مخرجات البحث العلمي وتعلم مهاراته.
ثامنا: إن اهتمام الجامعات وخصوصا الرسمية في توفير الموارد المالية والبشرية لتغطية الجانب التعليمي قد أدى إلى تكليف أعضاء الهيئة التدريسية بأعباء تدريسية إضافية (والذين بدورهم يقبلون بها لاحتياجاتهم المالية) الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف جهد ووقت عضو هيئة التدريس على الجانب التعليمي وعلى حساب البحث العلمي.
تاسعا: عدم جدية بعض المشرفين على رسائل الماجستير والدكتوراه في الإشراف على طلبتهم الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى عدم اكتراث الطلبة بمهارات وإنتاج البحث العلمي واختيار الطريق الأسهل والأقصر.
عاشرا: أصبح الدافع الرئيس لطلبة الدراسات العليا في كثير من الأحيان هو الحصول على شهادة الماجستير أو الدكتوراة وذلك لتحسين وضعه المادي والاجتماعي مما يؤثر على جاهزيته وجديته في تعلم أدوات البحث العلمي وإجراء البحث العلمي بحيث أصبح يبحث عن موضوعات لرسائل الماجستير والدكتوراة ليست بالضرورة من أولويات البحث العلمي وبنفس الوقت لا تحتاج إلى جهد بحثي.
أحد عشر: إن العامل المحفز الرئيسي للباحث الأردني على إجراء البحث العلمي في كثير من الأحيان هو لغايات الترقية الأكاديمية وذلك لأن معظم تعليمات الترقية في الجامعات تركز على النشر العلمي فقط دون أن يكون هناك انعكاس تكنولوجي أو إبداعي أو تطبيقي وبالتالي يضع الباحث جل اهتمامه على تحقيق شروط الترقية مبتعدا عن جوانب البحث العلمي الحقيقية مثل الجانب التطبيقي وإنتاج بحوث ابتكارية أو إبداعية تخدم المجتمع اقتصاديا أو اجتماعيا ودليل ذلك أن تصنيف الاستدلال من الأبحاث العلمية المنشورة أقل من تصنيف مجموع الأبحاث المنشورة بل إن هناك نسبة لم يتم الاستدلال بها مطلقا.
اثنا عشر: إن ضعف دور الصناعة وعدم إيمانها في دعم البحث العلمي سواء من خلال توفير الدعم المالي أو دعم طلبة الدراسات العليا على تنفيذ دراساتهم في مصانعها له دور مهم في تدني مستوى البحث العلمي التطبيقي على عكس واقع الدول المتقدمة بحثيا مثل أميركا وأوروبا حيث تسعى الصناعة وراء الباحثين في الجامعات لتطوير منتجاتها وبالتالي تقديم الدعم المالي المطلوب لإنجاز البحث المطلوب وبالوقت نفسه هناك عزوف من الباحثين عن التواصل مع الصناعة بهدف البحث العلمي لحل مشاكل صناعية او تطويرها.
ثلاثة عشر: يجب ألا نغفل عن هجرة العقول البحثية من الجامعات الأردنية إلى أميركيا وأوروبا ودول الخليج بسبب الظروف المالية من جانب وعدم توفر البيئة المناسبة للبحث العلمي من جانب آخر حيث وصل عددهم إلى أكثر من 800 باحث في عام 2008 وحدها.
أربعة عشر: الإجراءات البيروقراطية لدعم المشاريع البحثية سواء في الجامعات أو الجهات الداعمة الأخرى وخصوصا في آليات الصرف المالي والتشدد به جعلت الباحثين ينصرفون بعيدا عن المشاريع الممولة والاتجاه إلى الأبحاث النظرية لغايات الترقية الأكاديمية.
خمسة عشر: لا يوجد خطة استراتيجية ولا تنفيذية للبحث العلمي تواكب التسارع التكنولوجي بحيث تربط بين البحث العلمي والابتكار والريادة. حيث أصبح الاهتمام بالابتكار والريادة دون التشجيع الكافي للمشاريع الابتكارية والريادية الناتجة عن بحث علمي.
ومن هنا جاءت جائحة كورونا لتبرز مجددا الخلل المحلي في إدارة البحث العلمي التطبيقي وبمستويات مختلفة بين الدول.
وللنهوض في هذا القطاع يجب معالجة هذه المعوقات بأسلوب علمي وإداري ممنهج والذي سيتم التطرق إليه في المقال القادم.