هنري كيسنجر يهودي لاجىء هرب مع اسرتة من ألمانيا في فترة هتلر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938 وأصبح فيها لاحقا سياسي ودبلوماسي وخبير أمريكي حيث شغل مناصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي في حكومات نيكسون وفورد وله تأثير كبير جدا بل هو المحرك الرئيسي في أحداث العالم العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ورغم ابتعادة عن الواجهة في صناعة القرار إلا إنه يعود بين الحين والآخر للواجهة من خلال إطلالة إعلامية فيها رسائل عميقة جدا، فماذا عن الكورونا في رؤية كيسينجر؟

كانت هناك عدة محاور رئيسية في مقالة نشرها هنري كيسنجر مؤخرا في وول ستريت جورنال وتمركزت هذه المحاور في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولكنه ابتدأ رؤيته من منطلق إن الجائحة ستغير العالم للأبد.

أهم ما تحدث عنه أن دول العالم حاليا تدير الأزمة من منظور وطني بحت بينما الكورونا أزمة عابرة للحدود سيتبعها تفكك إجتماعي وهو ما يؤدي إلى مخاطر ستواجهها حتى الدول التي نجحت في التعامل مع الفايروس كمرض، وخلص كيسنجر إلى أن الجميع حتى أمريكا لن تنجح في مواجهة الوباء بجهد وطني منفصل عن جهد دولي موحد بل يجب أن يكون هناك جهد دولي موحد تحت مظلة واحدة ينتج عنها رؤية وبرنامج تتعاون من خلاله الدول في مواجهة الأزمة وهذا ما يعطي دلالة على ان الطريقة الحالية قد لا تؤدي للتغلب على الوباء لفترة زمنية لحين توحيد الجهود العالمية، فمن يتابع مؤتمرات ترامب الصحيفة يرى أن المال والإقتصاد لازال هو المسيطر على عقلية إدارته بينما ظهرت بوادر الانقسامات الأوروبية بسبب عدم تكامل جهودهم مما أطاح كثيرا بإيطاليا وإسبانيا لغاية الآن على الأقل ومن هنا يؤكد أن الجهد لابد ان ينتقل إلى مرحلة الجهد الجماعي وفق خطه عالمية واحده في توقيت واحد تحت مظلة واحدة، ونقرأ من هذا أن التعاطف لن يكون كافيا بل وأظهرت الأزمة سطحية دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التي تأسست بناء على مخرجات الحرب العالمية الثانية ولا تمثل الجميع بقدر ما تمثل مراكز القوى العالمية وهذه المؤسسات يجب أن تتغير وتصبح في خدمة المجتمع الدولي وليس خدمة بعض الاقوياء فقط في عالم ما بعد الكورونا.

يقول كيسينجر أن الإخفاق في إدارة أزمة الكورونا ستكون نتائجه سيئة على الجميع وسيتبع ذلك اضطرابات سياسية واقتصادية قد تستمر لأجيال، وهذا ما قد يؤدي إلى تغييرات قادمة في سلوكيات البشر وهو ما قد يتبعه تغييرات في القوانين وزيادة مساحة حرية الأفراد حيث إن الفوضى قد تكون سمة بعض المجتمعات غير القادرة على مواجهة ما بعد الكورونا وهذه المجتمعات ستشكل خطرا على الأمن الدولي ويتطلب التعامل معها فاتورة باهظة الثمن وعلى الجميع التفكير بهكذا وضع.

وركز كيسنجر كثيرا على ثلاثة مجالات أولها تعزيز قدرة العالم على مقاومة الأمراض المعدية من خلال البحث العلمي وهو ما يتطلب الإنفاق وتوجيه جزء من الإقتصاد، والمجال الثاني يتعلق بمعالجة الاقتصاد العالمي من آثار الوباء الغير مسبوق وقد يكون هذا التحدي الأكبر، والمجال الثالث خص به الإدارة الأمريكية بضرورة حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي.

لا يمكن أن يمر كلام احد اهم شخصيات القرن العشرين والذي قارب عمره المئة عام، لا يمكن أن يمر كلامه مرور الكرام عابرا بدون أذان صاغية وبالرغم من حجم المأسي التي سببتها جهوده في منطقة الشرق الأوسط في منتصف القرن الماضي إلا أن حديثه مهم وهو يعلم الكثير مما يدار خلف الكواليس وقد يكون ما تحدث به ليس فقط رؤيته أو وجهة نظر، بل ابعد من ذلك بكثير وأهم نقطة لا يختلف معه فيها أشد معارضيه هو ضرورة وجود جهد عالمي موحد ينتج عنه مظلة عالمية واحده تدير هذه الأزمة مع احتفاظ كل دولة بسيادتها وامنها الوطني.