صباح الأمس مختلف عن أي صباح، لم يعرف النوم طريقا إلى عيني منذ صلاة الفجر حتى تناولت إفطاري ثم هذبت ذقني وارتديت أجمل ملابسي ونثرت عليها أجمل عطوري تحضيرا للساعة العاشرة موعد لقائي مع محبوبتي التي غيبني عنها فايروس الكورونا مدة أربعة أيام وثلاثة ليالي، وعندما وصلت عقارب الساعة للعاشرة صباحا خرجت من البيت منتشيا بإحساس غريب (يشبه تلك الأحاسيس التي تتملكني لحظة نزولي من الطائرة في مطار الملكة علياء الدولي عائدا لوطني الأردن بين الحين والاخر في إجازات تقليدية) وبدأ مشواري بزيارة أمي وأبي بعد ان حرمتنا الكورونا من بركة لقاءهما والحديث الشيق معهما، بدأت خطواتي خارج البيت مع ابتسامة عريضة للقاء محبوبتي، ففي كل خطوة ألتفت يمينا ويسارا بشوق وحنين مع بعض مشاعر القلق والحذرأتفقد كل تفاصيل محبوبتي مدينة الزرقاء بداية من حارتي وتفاصيلها وبين لهفة وشوق لرؤية كل شيء واستغلال كل ثانية للتمتع بتفاصيلها البسيطة التي أحفظها أصلا عن ظهر قلب وألتقط صورة هنا وأسلم على شخص هناك، مررت على الصيدلية ومن ثم البقالة وعدت بهدوء على محياي مع عاصفة تغلي في وجداني من مظاهر الفوضى التي كانت قبل أسابيع قليلة تشكل أجمل تفاصيل محبوتي مدينة الزرقاء وبين ليلة وضحاها أصبحت تشكل كارثة كبرى، فماذا حصل؟

كانت البقالات الصغيرة والشوارع وكل تفاصيل محبوبتي في لهفة وشوق لروادها الذين غابوا عنها أربعة أيام وتركوها وحيدة خالية بينما كانوا يتسمرون أمام شاشات التلفاز في بيوتهم يراقبون بقلق شديد الخطر القادم بسرعة البرق المسمى فايروس كورونا، فعندما سُمح لهم بالخروج من منازلهم بشروط وقيود أبرزها استخدام وسائل الحماية مثل الكمامات والقفازات وعدم التجمهر وعدم إستخدام السيارات وترك مسافات بين الأفراد لم يتركوا خطأ إلا وإرتكبوه فلم يلبس الأغلبية الكمامات والقفازات وعجت الشوارع بالسيارات وتزاحم الزبائن فوق بعضهم البعض في البقالات وغيرها من المحلات وتبدلت سعادتي برؤية محبوبتي لإحساس سيء ممزوج بالقلق في وقت كنت واثق فيه بأن عشاق الحياة سيكونوا مثالا يحتذى، ولكن: وأسفاه!

وعندما حل المساء وعدنا إلى منازلنا وتركنا تلك التفاصيل الحزينة على وجه محبوبتنا، خرج علينا بعض الوزراء وأخبرونا عن تطور الأوضاع وكان بين السطور كلام كثير يوحى بأن سلوكنا لم يكن على ما يرام وترجانا وزير الصحة قائلا: أرجوكم لا تفشلونا ! ومع أننا متضررين بشدة من هذا الحظر على التجول إلا أن الوزير يترجانا بأن نلتزم ويذكرنا بما قالة قائد الوطن، ألا يجب أن نكون على قدر ثقة قائدنا بنا؟ نحن شعب مؤمن متعلم مثقف فلماذا لا نستخدم إيماننا وعلمنا وثقافتنا كأسباب لكي ننتصر على البلاء؟ لماذا نضيع مجهود حكومتنا الضخم وطواقمنا الطبية الرائعة وقواتنا المسلحة الباسلة الذين يربطون الليل بالنهار من اجل حمايتنا من هذا الفايروس الخبيث؟ الحقيقة أن الكورونا لن تأتي لنا، بل نحن من يذهب إليها طوعا! فمن يحترم التعليمات ويلتزم بها سيكون بمشيئة الله سبحانه تعالى بعيدا عن الخطر ومن يرمي التعلميات وراء ظهره فهو كالذي يذهب للبلاء بقدميه! وهذه إحدى الفرص القليلة في الحياة التي نختار فيها بإرادتنا، فلماذا يصر البعض على إختيار الأسوء؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}

في محبوبتي (وطني الأردن) تفاصيل جميلة تزينها من عروس شمالها إلى ثغرها الباسم، ففيها المساجد والكنائس والمدارس والجامعات والأسواق والأثار والحضارة فيها تنوع الثقافة فيها التين والزيتون والشيح والدحنون وفيها أمسيات الصيف الرائعة برفقة المغتربين العائدين لحضن الوطن فيها إبتسامة بائع الخضار فيها البسطاء عشاق الحياة من كل الأصول والمنابت فيها الحب والحنان أمي وأبي وفيها لعبت وركضت ودرست وبنيت وعملت، فيها ما يستحق الحياة: ألا يكفي هذا لكي نعود إلى رشدنا ونكون المثل والقدوة كما كنا في مواقف عديدة؟ ألا يجب أن نحتذي بقائدنا الهاشمي الذي قال: إن صحة الأردنيين أمرمقدس يتقدم على كل شيء، وسلامتهم فوق كل اعتبار.

aliabusaleek@yahoo.com