كتب - ناصر الشريدة

في منحدر واد يفترش نحو خمسة واربعين دونما من ارض وعرة جرداء، لم يجد الزائر ظل شجرة يتفيأ تحت ظلالها من اشعة شمس الصيف الحارقة، التي تزاور جبال ووديان بلدة دير يوسف الجميلة دون استئذان صباح مساء، حتى وجدت «بنورة» للتنمية والتطوير/ مشروع القينوسي لانشاء الغابات الصغيرة، سببا لتحويل الحلم الى حقيقة وتغدو الارض الجرداء متنزها جاذبا يوما ما.

واستغلت «بنورة» للتنمية والتطوير/ مشروع القينوسي لانشاء الغابات الصغيرة، ارض جرداء تعود ملكيتها لبلدية المزار الجديدة تقع في شرق بلدة ديريوسف بمحافظة اربد، لتقلب معالمها الحجرية التي تتخلها تربة حمراء وبيضاء الى بساط اخضر دائم من الثروة الحرجية، واستثمار طاقات الشباب في التحريج الزراعي وتشجيع اهالي البلدة على خلق متنفس استجمامي صديق للبيئة يقضون وقت فراغهم ومتعتهم فيه.

وتقول مسؤولة «مشروع القينوسي» المحامية امل العمري، تخليدا لشجرة القينوسي الراحلة التي قضت اجلها في بلدة سموع قبل عدة اعوام عن عمر ناهز ستمئة وخمسين عاما، اطلقنا ذات الاسم على مشروعنا التحريجي الاول في بلدة ديريوسف حبا ووفاء للشجرة، الذي بدأناه نهاية عام (2017م)، ليدب الحياة في منطقة يغلب على طبيعتها المنحدرة الطابع الحجري، وتعزيز العلاقة بين الانسان والشجرة .

وتضيف المحامية العمري، وبدعم من الدكتور عوني العمري المغترب في الولايات المتحدة الاميركية، تم تخصيص ارض بلدية المزار الجديدة/ منطقة ديريوسف لمشروع القينوسي حسب الاصول، واقامة سياج حديدي حوله وخزان مياه اسمنتي ومد شبكة ري وزراعتها بالاشجار الحرجية وعلى رأسها شجرة البلوط والملول المقدمة من وزارة الزراعة، حيث بلغت تكلفة المشروع الى اليوم عشرين الف دينار.

وخلال مدة المشروع التي دخلت عامها الثالث، نمت الاشجار الحرجية بشكل مفرح للعاملين والمواطنين، وزاد الاهتمام والحرص على حمايتها وتحفزنا لزراعة المزيد من مختلف الاشجار الحرجية، حتى اكتست الارض بالنبات الاخضر الربيعي تتوسطها سنامات الاشجار الحرجية اليانعة الانيقة التي تحيط بها سلسلة حجرية هلالية الشكل لتخزن مياه الامطار.

وللمحافظة على ادامة خضرة الاشجار الحرجية وزيادة خصوبة التربة، تقول المحامية العمري، جاءت فكرة السماح للمواشي بالرعي بارض المشروع لفترة محددة، لكن بذات الوقت تساءلت ماذا سيكون مصير الاشجار الحرجية، عندها توقفت وقررت استشارة مختصين، الذين اشاروا الى ان الفكرة جميلة والاجمل لف الاشجار الحرجية بقماش اخضر موصل للتهوية، وتم التنفيذ وكانت النتائج مذهلة.

وتوضح المحامية العمري، ان الهدف من تنفيذ تجربة الرعي ولف الاشجار الحرجية بالمشروع، تكمن في زيادة خصوبة التربة والتنوع البيئي الحيوي والتخلص من اعشاب الربيع وتسريع عمليات النمو للاشجار ومنع حدوث حرائق الصيف، ويبدو ان التجربة هي الاولى على مستوى الاردن بهذا الشأن.

واشارت المحامية العمري، ان فكرة تحويل ارض جرداء الى بساط اخضر راودتني حين زرت بلدتي «دير يوسف» مسقط رأسي، وجال نظري على منحدر جبلي فشاهدت ارضا بلا اشجار وتساءلت اين دوري واين فزعة اهلي ومحبي الطبيعة، فقررت ان احول المنظر من ابيض اصفر الى اخضر فاقع اللون يسر الناظرين والزائرين، وكان لاجتماع عشيرتي العمرية بهذا الشأن دور في انجاح الفكرة. وتشير الى ان مشروع القينوسي يضم حاليا ما بين (1500-2000) شجرة حرجية بين الملول والخروب واللوز والقيقب والصنوبر اللزاب والصنوبر المثمر والسرو بأنواعه والكينا والكازورينا والا?اسيا والفلفل الكاذب واللبخ والغار والحور والأرز، وتتراوح اعمارها ما بين عامين الى سبعة اعوام، وان العمل متواصل لزراعة المزيد بالتعاون مع وزارة الزراعة التي لم تقصر يوما في توفير الغراس الحرجي، الى جانب تشغيل عدد من شباب البلدة بنظام الحوافز المادية بالفترة بين شهر ايار الى تشرين الثاني من كل عام.

ولم يمنع غُبار الكسارات المتطاير على اوراق اشجار مشروع القينوسي من مواصلة تشجير المنطقة، حيث يقوم العاملون بغسلها وتنظيفها وريها باستمرار حتى لا يقف نمو الاشجار، خاصة ان هذه الاشجار ستكون في مقبل الايام عاملا قويا لتنظيف البيئة من الهواء الملوث وجعلها هواء ناعما رطبا عليلا حسب المحامية العمري.

وتؤمن المحامية العمري بالتشاركية مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الحكومي والشركات الزراعية في اقامة الغابات الصغيرة، لان العمل الجماعي هو اقصر الطرق للوصول الى نتائج ايجابية مبشرة خاصة في مشاريع اقامة الغابات بالمناطق الجرداء، مشيرة الى عزمها في هذا العام تنفيذ مشروع جديد بذات المواصفات في عمان.

وترى المحامية العمري، ان تنفيذ مبادرات فردية وجماعية لاقامة الغابات الصغيرة بالتعاون مع وزارة الزراعة او البلديات ممكنة، اذا وجدت الارادة والتصميم والدعم المادي، وهذا يدخل في باب رد الجميل للوطن.