(من زاوية أنثى).. الرواية إذ تُغافل كاتبَها

تاريخ النشر : السبت 12:00 22-2-2020

هدى أبو غنيمة

يمثل عنوان رواية الكاتب محمد حسن العمري «من زاويةٍ أنثى» مدخلاً آمناً لرواية تتحدث عن مرحلة خطيرة من تداعيات حرب حزيران، هي مرحلة الفتنة في مطلع السبعينات، والتي أحدثت تحولات سياسية واجتماعية وديمغرافية دفع فيها الأردن ثمناً غالياً من استقراره وأمنه وما زالت آثارها ماثلة في الذاكرة الجماعية.

بدأت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» (2020) من طقس روائي فاجع، يلائم ما سيليه من أحداث فاجعة في قرية «تل البراغيث» في الشمال الأردني، والتي أصبح اسمها «تل الورد» بعد أن عُين أحد أبنائها وزيراً.

"إثر طقس عاصف، أغرقت الأمطار الجارحة خمسمئة رأس من خراف محمود أكثرها غرقَ في الوحل، حتى إن الضبع عافها من كثرة الطين العالق بها، وفي طريق رجوعه خطف طفلاً رضيعاً غفل الناس عنه. كان الطفل ينام في كوّة من بيت الطين.. كوّة مثل سرير داخل الحائط السميك، سحب الضبع الطفل لبضعة أمتار. (أبو علي) الذي وصل فزعاً من بكاء ابن خالته محمود على الخراف، لمح الضبع، حدّق بأنيابه، شاهد الطفل يتدلى من فمه، رأسه إلى الأرض يتدلى كقطف دالية.. انتزع أبو علي الطفل من بين فكيه، تزكم أنفه رائحة الضبع الكريهة.. رفس أبو علي الضبع البليد?برجله رفستين تهاوى على إثرها مائلاً فلمح أعضاءه التناسلية، فقد كانت أنثى. لم يكن الضبع متحمساً للهجوم. كان وجلاً وانصرف يمشي مشيته العرجاء بطيئاً» (ص9).

هذا المشهد الفاجع أراه رمزاً للفتنة، التي أدت إلى الصدام بين الفدائيين والجيش الأردني وهم الذين قاتلوا معاً في معركة الكرامة عام 1968.

كان «ظافر»، الشخصية الرئيسة في الرواية، هو خطيف الضبع، الذي انتزع الضبع كل سنوات طفولته ومعظم شبابه، دون أن يبكي، فقد كان طفلاً جامد القلب صلد العينين مولعاً بالمواجهة والشغب والعدوانية، يضع على عينيه نظارة سوداء لاختلاف لون عين عن الأخرى.

أصبح ظافر رب أسرته، منذ أن صار في الخامسة عشرة من عمره يرعى والدته، ومعها ثلاث بنات بعد وفاة والده محمود، الذي كان ضابطاً متقاعداً في الجيش العربي شارك في حرب فلسطين عام 1948 وأصيب برصاصة في رجله اليمنى ظل يعرج منها إلى أن مات، وكان قد تقاعد قبل حرب حزيران بشهور. وفي فصل «من مذكرات عسكري مصاب»، كتب الكاتب على لسان «محمود الظافر» عن ورقة صفراء محفوظة في جارور: «عندما يكبر ظافر، أتمنى أن ينبش قبري فيُخرج الرصاصة من عظامي ويضعها في إطار من الزان، ويعلّقها في صدر بيته يتباهى بها لو قُدِّر له أن ينال حظوة بين خ?ق الله!» (ص88).

درس ظافر القانون في الجامعة الأردنية، وكانت خبرته في الحياة أكبر من سنوات عمره، وأهّلته (الكاريزما) التي تمتع بها للتفوق على أقرانه، الذين كانوا أكثر اجتهاداً منه، حالماً بأفق أكثر اتساعاً، فانطلق مثل حصان عربي جامح في طريق محفوفة بالمخاطر إلى أن وصل إلى كرسي الوزارة بطريقة مغايرة للعرف السائد. تزوج من زميلته في الجامعة «سعدية موسى»، التي انحدرت من أب ذي أصول إفريقية وأم حضرمية وعاشت في كنف أسرة كركية هي أسرة المحامي «سفيان الخطيب» بعد فقدها والديها، وهي شخصية كما وصفها ظافر لبؤة انتزعت جينات أنوثتها من رح? الصحراء الإفريقية وبقايا سد مأرب وسيوة، ثم يفتن بعد سنوات بـ «هيام» ابنة قريته، الطبيبة الناجحة والمميزة، ويتزوجها، ولعل ذلك من غرائز الجسد ونزوات القلوب الراجفة تحت سياط الحب والرغبات وفتنة الغرائز.

وإذا كانت كل رواية تجربةٌ متفردة تحمل بصمة كاتبها وتجربته، فإن هذه الرواية غافلت كاتبها وانطلقت مثقلةً بمحمولاتها الفكرية ومرجعياتها من الواقع الحي مثل حصان جامح تروي تجربة السير في متاهات السياسة وغاباتها الكثيفة وطرق الحياة الشائكة ومناطحة الرؤوس الثقيلة وسط سباق روائي ثقافي تعبّر فيه الرواية الأردنية عن فن يروي تجربة المدينة العريقة وهويتها بثقة واستقلالية عن التجارب الروائية التي سبقتها.

وبالرغم من براعة الكاتب في تقديم شخوص الرواية بكل أبعادها الخارجية والداخلية النفسية والاجتماعية وإعطائها علامات فارقة تقنعنا بواقعيتها وحضورها وإيقاعها الصاخب بحركة الحياة ودفقها وتقديم رؤى متنوعة لتحليل الشخوص من وجهات نظر الآخرين، فإن اكتظاظ الرواية بالمدونات وبعض الشروحات الجانبية قد أخلّ بتماسكها العضوي وبدا عبئاً على الرواية، ليفاجئنا الكاتب (ص196) بأن كاتبتها هي «مدام ك»، طالبة ماجستير في التاريخ الأردني من مدينة مادبا قرب عمان، جدّها لأمها يكنى «أبو عازر»، كان نسابة وأستاذاً في اللغة العربية، ينتمي?لإحدى العشائر الأردنية المسيحية في شمال الأردن، تزوجت ابنته من فدائي فلسطيني منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبح حفيده اليوم عمدة إحدى المدن التشيلية. ثم توفي الجد النسابة، قبل أكثر من ثلاثين سنة، وكان قد مُنح جائزة تقديرية من جلالة الملك الحسين لدوره في تأصيل التاريخ الأردني. وعندما اطلعت «مدام ك» على مخطوطات لجدها تتحدث عن تلك الحقبة، جمعتها في مسودات على شكل رواية افتراضية خلطت فيها الحقائق بالخيال، وهي أول مؤلف لها، بينما سيكون المؤلف الثاني موضوع رسالة الماجستير وعنوانها «دراسة حالات المصاهرة التي وقعت ب?ن عوائل أردنية وإنجليزية أيام الانتداب البريطاني». وسواء أكان ذلك حقيقة أم قناعاً روائياً، فإن الرواية تجربة تستحق القراءة والتقدير.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }