د. أيوب أبودية

يشتمل كتاب «أنطونيو التلحمي.. رفيق تشي جيفارا» للكاتب والأديب د.سميح مسعود على سيرة حياة ملحمية للمناضل الأممي أنطون جميل سليم الذي وُلد في كولومبيا بأميركا الجنوبية عام 1909 لأب فلسطيني من بيت لحم وأم كولومبية من أصول إسبانية.

يبدأ الكتاب بقصة تعرف مسعود على أنطونيو في الكويت بعد نكسة حزيران، وكان للأول الفضل في اقتراح تسجيل سيرة حياة أنطونيو على شريط «كاسيت» احتفظ به رفيق أنطونيو في السلاح، الضابط العراقي فاضل رشيد، الذي كان قد أسهم في قيادة معركة القسطل في مواجهة الصهاينة والتي استُشهد فيها عبد القادر الحسيني والكثيرين من زملائه في 8 نيسان 1948.

يستعرض الكتاب هجرة جد أنطونيو المولود في بيت لحم عام 1843 والذي تمتع بتعليم متواضع ومهارة عالية في الصناعات الحرفية، للبحث عن رزقه وعن حياة أفضل كحال الكثيرين من سكان بلاد الشام في تلك الفترة خلال الحكم العثماني، ومنهم والدي عيسى الأيوب الذي هاجر إلى المكسيك بالباخرة من يافا عام 1928 مروراً بمدينة مرسيليا الفرنسية التي يأتي الكتاب على ذكرها أكثر من مرة. وبالمناسبة، وُلد والدي في العام نفسه تقريباً الذي وُلد فيه أنطونيو، لذا كان وقعها في نفسي كبيراً وبخاصة لأن الكثير من الآهات والتنهدات التي قرأتها فيها كنت قد سمعت ما يماثلها من والدي في ما مضى، وأعتقد أن هذه الرواية الملحمية تعكس فترة تاريخية مهمة من حياة سكان بلاد الشام وهجرتهم إلى أميركا الجنوبية طلبا للرزق، وتحديداً تعكس مشاعرهم الوطنية وانتماءهم لأمتهم العربية ودفاعهم المستميت عن فلسطين.

سافر «سليم»، جد أنطونيو، بالباخرة من يافا الفلسطينية عام 1863 على سفينة إنجليزية إلى ساوثامبتن، ثم استمرت الرحلة إلى بنما في أميركا الجنوبية. وحالما حطت السفينة رحالها تم خداع الركاب بإبلاغهم أنهم وصلوا إلى الولايات المتحدة فغادروا السفينة، وهكذا استطاع القبطان إحلال ركاب جدد مكانهم لزيادة أرباحه. وإذ بهؤلاء العرب اليانعين البسطاء في بنما التي لم تكن تصلح آنذاك للمهاجرين قبل فتح قناة بنما عام 1913، فتوجهوا إلى كولومبيا واستقروا فيها يعملون في مناجم الزمرد إلى أن أنهار المنجم على صديق لسليم من قرية أبو قش اسمه جميل، فترك سليم العمل وتوجه إلى بوغوتا العاصمة.

قرر الجدّ الانتساب إلى نقابة عمال المناجم السرية بعد أن تلمس معاناتهم واستغلالهم من قِبل أصحاب المناجم الرأسماليين، وما لبث تاريخ «سيمون بوليفار» محرر أميركا الجنوبية وموحّد العديد من دولها (دولة الولايات المتحدة الكولومبية) أن شرع يطبع فلسفة سليم بالنزعة اليسارية الثورية التحررية، فطفق الأخير يفسّر الصراع طبقياً، وبدأ يلاحظ كيف انقسمت مدينة بوغوتا العاصمة إلى أحياء فقيرة وأخرى فاحشة الثراء على نحو ما لاحظ التقسيمَ الطبقي في السفينة التي وصل على متنها من يافا.

إن تجربة الجد سليم الطويلة وقصصه العاطفية الهائمة دوماً بعبق فلسطين تعكس شخصية الكاتب سميح مسعود في كل محطاتها وتطغى على سيرة أنطونيو الذي لن يظهر في الرواية إلا بعد الثلث الثاني، وإلى أن يتخرج أنطونيو من الجامعة متخصصاً في «علم التاريخ السياسي» ويشرع بالعمل في التدريس ويبدأ يستطلع المعاناة لشعوب القارة الأميركية الأصليين التي ذكّرته بمعاناة الشعب الفلسطيني آنذاك في ظل الاحتلال البريطاني وتوسع نفوذ الصهاينة وزيادة الاستيطان والهجرة اليهودية إلى فلسطين. أعاد أنطونيو اكتشاف «الديمقراطية النيابية» التي أبدعتها الشعوب الأصلية قبل وصول المحتل الأوروبي إلى الأميركيتين، وأعاد إحياء تراثهم السياسي والحضاري ومحاولات توحيد الأقاليم والقبائل الهندية القديمة (رابطة أمم آيروكواس، مثلاً). كذلك درس أحوال السكان الأصليين في الولايات المتحدة وكندا. وما لبث أن انضم إلى الحزب الاشتراكي وشرع يكتب في الصحف والمجلات باسم مستعار ودخل السجن بعد أن اكتُشف أمره. وأخيراً قرر أن يعود إلى فلسطين للمشاركة في ثورة عام 1936 بوصفها ثورة أممية وخصوصاً لمكانتها الخاصة في فؤاده. وهنا يبدأ الفصل الثاني من الكتاب بالحديث عن تجربة أنطونيو في السفر إلى فلسطين والانخراط في ثورتها ضد الظلم والقهر والاستبداد والاستعمار.

انطلقت السفينة التي حملت أنطونيو من ميناء قرطاجنة الكولومبي إلى ميناء مرسيليا الفرنسي، حيث يتعرف إلى شاب فلسطيني اسمه «إبراهيم لاما» من التشيلي يعمل مخرجاً سينمائياً، ويستضيفه صديق لإبراهيم في مرسيليا ويعطيه عناوين أشخاص من الثورة الفلسطينية لتسهيل الانتساب إليهم. وما إن اقتربت الباخرة من حيفا هام أنطونيو حباً بها بعد أن اعتصره الألم من رؤية المهاجرين اليهود على متن السفينة يرقصون فرحين بعودتهم إلى «أرض الميعاد». ويتجول أنطونيو انطلاقاً من ساحة الحناطير في حيفا إلى العديد من الأماكن التي يرويها ابن حيفا سميح مسعود ويخص بالذكر بيوت آل الخوري وآل الخياط وبيت الشيخ عبد الرحمن مراد وتفاصيل كثيرة تجدها في كتابه المعروف «حيفا.. برقة: البحث عن الجذور» بأجزائه الثلاثة.

بعد اتصال أنطونيو بالمقاومة، نصحه رفاقه أن ينتظم في العمل مع الإدارة المدنية للانتداب البريطاني كونه كولومبياً ولا يتحدث العربية، فشرع في نقل معلومات استخباراتية للمقاومة واستمر عمله حتى تراجعت الثورة باقتراب انطلاقة الحرب العالمية الثانية، فهمّ عائداً إلى كولومبيا ليجد جده قد فارق الحياة. وهناك بدأت تتضح معالم حياته السياسية، إذ انتُخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب؛ ولكن التطورات المتسارعة في فلسطين دفعته عام 1946 إلى العودة مرة أخرى للانضمام إلى جيش الجهاد المقدس، حيث تعرف إلى الضابط العراقي فاضل رشيد وفوزي القطب ويوسف الرشماوي وعمل معهم.

بدأت المرحلة الأهم من حياة أنطونيو عندما عمل سائقاً للقنصل الأميركي العام، وبعد تفجير فندق الملك داود على يد الصهاينة بدأ يخطط لعملية هجوم على مجمع المؤسسات الصهيونية وبخاصة الوكالة اليهودية التي كانت تمول هجرة اليهود إلى فلسطين، ونجح في تحقيق ذلك، لكن قادة الصهاينة نجوا من موت محتم لوجودهم في تل أبيب ساعة الانفجار. وقد قام أنطونيو بتلك العملية باستخدام سيارة القنصل للدخول إلى الموقع محملاً بالمتفجرات من دون أن يتم تفتيش السيارة. ولو كان زعماء الصهاينة في المجمع عند الانفجار لربما تغير مجرى الأحداث في فلسطين على يد هذا الشاب البطل. وانتقل أنطونيو بعد ذلك إلى الميدان بعد أن انكشفت أسراره لدى الإنجليز واليهود، وظل يناضل حتى عام 1948 عندما شعر أن المعركة انحسمت لصالح الصهيونية، فقفل عائداً إلى كولومبيا.

الجزء الأخير من الكتاب يروي قصة أنطونيو معارضاً في كولومبيا عندما وصل العسكر إلى الحكم، ودخوله إلى السجن مرة أخرى، ثم خروجه منه، والتقاءه بأرنستو تشي جيفارا مصادفة في مطلع الخمسينات عندما كان جيفارا يدْرس للطب في جامعة بيونس أيروس بالأرجنتين وفي أثناء تجواله عبر دول أميركا الجنوبية للاستطلاع مع رفيقه ألبرتو غرانادو على دراجة نارية.

تعمقت صداقة أنطونيو مع تشي جيفارا وسافرا إلى غواتيمالا عام 1951، ولكن الثورة قُمعت بسرعة هناك بعد أن ساند العسكر النظام بدعم من الولايات المتحدة. وكانت المحطة التالية كوبا، حيث استقل قارباً من المكسيك يحمل نحو ثمانين رجلاً من ضمنهم كاسترو وتشي جيفارا وبدأوا معارك شرسة ضد نظام باتيستا إلى أن انتهت الثورة بالنصر مع نهاية عام 1958.

كانت الكونغو الشرقية في إفريقيا هي المحطة الثانية، إيماناً من هؤلاء المناضلين بالثورة العالمية آنذاك، ولكنها فشلت، فاتجهوا إلى بوليفيا، وما لبث أنطونيو أن غادرها لأنهم فشلوا في كسب ود الفلاحين، حتى الحزب الشيوعي البوليفي رفض التعامل معهم، فانسحب أنطونيو من بوليفيا ولكن جيفارا بقي مصراً على البقاء هناك إلى أن لقي مصيره البطولي.

وبعد نكسة حرب حزيران 1967 شعر أنطونيو بالواجب يناديه مرة أخرى، فانضم إلى المقاومة الفلسطينية وشارك مع الفدائيين في معركة الكرامة التي قادها الجيش العربي الأردني وأعاد الأمل للعرب بواقع جديد، وقضى وقتاً في معسكراً للفدائيين في الأغوار الأردنية ثم شرع بالتخطيط لزيارة مواقع اللاجئين الفلسطينيين في العالم العربي لاستقطاب الشباب في صفوف الثورة، وفي بيروت تعرف إلى قريب له اسمه نصري دعاه لزيارته في الكويت، وهناك التقيا مع سميح مسعود الذي دوّن هذه السيرة بقلمه وأسلوبه الشيق.