فيما يتواصل الجدل الدولي حول ليبيا عبر مجلس الامن الدولي,الذي لم ينجح حتى الآن في استصدار قرار جماعي حول سبل حل الأزمة, وتظهر على السطح مواقف متباينة تسهم في اطالة الازمة وتعميق معاناة الشعب الليبي، وفيما يتصاعد التراشق الإعلامي بين انقرة وباريس على نحو تصدر فيه تصريحات لاذعة عن الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان والفرنسي عمانويل ماكرون, ما يشي بأن العلاقات بينهما آخذة في التدهور على نحو متسارع، في خضم ذلك كله يرتفع منسوب المعارك والمواجهات على جبهات القتال بين طرفي الازمة الليبية وبخاصة على اطراف العاصمة طرا?لس وتخومها, بين قوات المشير خليفة حفتر الذي يحظى بدعم لافت وبخاصة من دول عربية كمصر والامارات وفرنسا وروسيا, فيما تقف اطراف اخرى الى جانب حكومة فايز السراج الموصوفة بحكومة الوفاق الوطني والتي تحظى باعتراف دولي، هذا الاعتراف الذي ما يزال الحائط الاخير الذي تستند اليه هذه الحكومة, التي تقف الى جانبها دعماً سياسياً ودبلوماسياً وخصوصاً عسكرياً تركياً وقطر ودول أقل حماسة وتدخلاً ميدانياً.
النقاش الحاد الذي ساد جلسة مجلس الأمن يوم الخميس الماضي وما قاله مندوبو الدول الكبرى وبخاصة روسيا والولايات المتحدة, فضلاً عن المبعوث الدولي الى ليبيا اللبناني غسان سلامة, يدفع للاعتقاد ان تطبيق توصيات قرارات الاتفاق/التوافق على حل المسألة الليبية, والذي شكل منتدى/ مؤتمر برلين (19/1/2020) ذروة الجهود المبذولة، ما يزال بعيد المنال، بل يمكن القول انها لم تعد قابلة للتطبيق بعد أن تجاوز اللاعبون الرئيسيون الخطوط الحمراء, وراحوا يُمِدّون طرفي الازمة بالاسلحة والمعدات تم توثيقها بالصوت والصورة، في ظل معلومات تتح?ث عن تدفق أعداد معتبرة من المرتزقة متعددي الجنسيات وبخاصة ميليشيات المعارضة السورية التي تأتمر بأوامر انقرة, إضافة الى مرتزقة افارقة تقول التسريبات انهم يقاتلون الى جانب كل طرف منهما.. وهناك من يروّج لانباء تتحدث عن موافقة حكومة السراج على إقامة قواعد عسكرية ومدرج للطائرات الحربية التركية, وهي انباء لم يتم تأكيدها بعد, وربما تندرج في إطار الاتهامات وحملات التخوين التي يتبادلها طرفا الازمة.
وإذا كان المندوب الروسي في مجلس الامن فاسيلي نيبينزيا قد قال: إن التسوية الليبية لا يجوز ان تكون حلبة للمنافسة بين مختلف الدول, داعياً المجلس الى دعم الخطوات التي تساعد على اطلاق المسار السياسي (عملية التسوية) وأن يتخذ قرارات من شأنها ان تساعد في تجاوز الخلافات مع الاطراف الليبية، مُنتقداً في شكل غير مباشر قرارات مؤتمر برلين بقوله:.. ان مؤتمر برلين «كان يجب» ان يهيئ الاجواء الدولية الضرورية لذلك, وتوجيه الرسالة اللازمة الى الاطراف الليبية، فإن ما قاله المبعوث الدولي غسان سلامة في الإحاطة التي قدّمها عبر دا?رة تلفزيونية مُغلقة خلال جلسة مجلس الامن الدولي تزيد من منسوب التشاؤم, وبخاصة عندما وصف «اتفاق الهدنة» الذي تم التوصل اليه في لقاء موسكو وأكد عليه مؤتمر برلين بانه «ليس سوى حبرا على ورق» وانه لم يبق من «الهدنة» سوى الاسم, محذراً في الوقت نفسه مِن «أن مصداقية الامم المتحدة ومجلس الامن باتت على المحك في ليبيا»، متمنياً على اعضاء المجلس ان «يتمكنوا في الايام القادمة من اتخاذ موقف موحد، فالكثير من الامور – أضاف – على المحك بما في ذلك مصداقيتنا».
اعضاء مجلس الامن مُختلفون ولم يتوصلوا لموقف موحد, وبخاصة الخمسة الكبار منهم الذين يتمتعون بحق النقض (الفيتو), ناهيك عن المواقف الرافضة والمتشددة التي هم عليها طرفا الازمة، إذ قال مندوب حكومة الوفاق أمام مجلس الامن: لن نقبل بسلام منقوص, رافضاً وصف قوات حكومة السراج بالميليشيات, ومتهماً فرنسا بانها خرقت قرارا مجلس الامن وقامت بدعم قوات حفتر بصواريخ جافلين».
أما الرئيس الفرنسي ماكرون والمبعوث الدولي غسان سلامة فقد تحدث كل منهما في تصريحات متناقضة عن دعم تتلقاه حكومة السراج من تركيا (قال ماكرون) فيما سلامة تحدث عن «طائرات شحن لدعم حفتر», وإن كان أقرّ في الوقت ان «طرفي» الازمة «واصلا تلقي كمية من المعدات الحديثة والمقاتلين والمستشارين من جانب داعميهما، في انتهاك لحظر الاسلحة وكذلك التعهدات التي أعلنها ممثلو هذه الدول في برلين».
وإذ يتقدم السجال والتراشق الاعلامي بين انقرة وباريس المشهد الليبي, وتبدو العاصمتان وكأنهما ذاهبتان الى مواجهة قد تتدحرج الى احتكاك (وليس حرباً مفتوحة) في مياه البحر المتوسط...قريباً من السواحل الليبية, فضلاً عن تأثير هذا التدهور المتسارع في علاقاتهما على الازمة الليبية التي قد تشهد تصعيداً في الحرب بين قوات حفتر وقوات حكومة السراج، فإن وصول الاتهامات بينهما الى حد قول انقرة: ان باريس طامعة في الغاز الليبية وبيع اسلحة لجيش حفتر وانها مسؤولة عن اندلاع الازمة منذ العام 2011 (اسقاط القذافي), فيما ترد فرنسا بات?ام مضاد بان «انقرة تروم إحياء اطماعها العثمانية وتزيد من اعتمادها على ذوي الاصول التركية من الليبيين واقامة قواعد عسكرية في ليبيا» ناهيك عن رغبتها بالهيمنة على النفط الليبي، تؤشر الى عزم تركيا وفرنسا على المضي قدماً في المواجهة (وإن بأيدي الليبيين انفسهم ودعم من مُرتزقة توفرهم الاطراف المنخرطة مباشرة في الازمة), ما يبدد الآمال باحتمال حدوث «هدنة» او وقف مؤقت لاطلاق النار وتهيئة الاجواء لحوار بين الليبيين وفق قرارات اي من المؤتمرات او اللقاءات التي تمت حتى الان, او تلك التي تسعى الى عقدها بعض الاطراف المُحا?دة نسبياً.
وإذ يبدي الاتحاد الافريقي عبر اللجنة التي شكّلها منذ فترة وحملت اسم «اللجنة الافريقية العليا بشأن ليبيا», اهتماماً متزايداً بما يحدث في ذلك البلد العربي من اقتتال على نحو يُهدد دول الجوار (وكلها افريقية بالمعنى الجغرافي, رغم ان الشمال الافريقي...عربي)، فإن ما يلفت الانتباه دائماً هو الغياب العربي (بمعنى دور الجامعة العربية) الذي تُعمق من غيابه الخلافات العربية- العربية حول الملف الليبي, دع عنك الملفات والازمات الاخرى التي تعصف بالعالم العربي, وتسهم ضمن امور اخرى, في شلّ دور الجامعة... و«تَصفيرِه».