الرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف هي حقيقة وقدر هاشمي ممتد عبر مراحل التاريخ، والوصاية الهاشمية على هذه المقدسات غير قابلة للمناقشة أو التعديل، وليست مرتبطة بموافقة أو معاهدة، ولا تمثل وثيقة مقايضة أو مساومة أو بند تهديد وضغوط، وقد أعلنها جلالة الملك بأكثر من مناسبة بأنها الخط الأحمر الذي لن يسمح بتجاوز سقوفه أو معطياته، ولن يسمح لأحد بالمشاركة فيه، أو أن تكون موضوع مناقشة، فحقائق التاريخ لا تناقش، حيث ارتبط الهاشميون بعقد شرعي وأخلاقي لرعاية المقدسات الدينية في القدس الشريف، عاصمة الديانات التي تجمع بالمحبة الأتباع لأداء طقوسهم بحرية العبادة، والعقد الأخلاقي ينص بفقرة عرفية بعدم جعل القدس مدينة دينية من لون واحد أو أن تكون مجال صراع سياسي، بالتزامن مع تأكيد الرسالة الهاشمية للنضال من أجل حرية الشعوب والحفاظ على كرامة الأمة، والتأكيد بأن أحد محاور الأساس لقيام وبناء الدولة الأردنية المعاصرة يتمثل باستمرار المسيرة للحفاظ على هذه المقدسات.

وللتذكير، فهناك قرارات لقمم عربية متعددة تنص على حصرية هذه الرعاية بالهاشميين، فللقدس عند الهاشميين مكانة كبيرة ارتبطت باحتوائها أهم المقدسات الإسلامية وأَجلُّها قدراً، ففيها الحرم القدسي الشريف الذي يحوي مسجدين وأضرحة كثيرة للأنبياء والأولياء والصالحين، وتراثاً معمارياً إسلامياً، وأهمه المسجد الأقصى الذي يحظى بقدسيّة خاصة في نفوس المسلمين؛ كونه القبلة الأولى، وأحد أكبر المساجد على مستوى العالم، ويحظى بمكانة مضاعفة في الديانات السماوية الثّلاث.

الاعتراف الأوروبي على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته الأخيرة للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وتأكيده على الوصاية الهاشمية على القدس، بل وتأكيده الأقوى على أن الملك رجل السلام في العالم وصاحب الوصاية على المقدسات، هي رسالة للذين ينظرون للأمور بقالب يخالف حقائق التاريخ والواقع ويعيشون على بنود أوهام صنيعة أحداث لها تاريخ انتهاء، وينظّرون اليوم لأهداف انتخابية أو تحقيق مكتسبات مرحلية أو العزف على أوتار متطرفة، لكن التصريح الفرنسي من القدس، أوقف عربتهم، وحسم الرؤية، فهو يشرح التقدير العالمي لجلالة الملك عبدالله الثاني، خاصة وأنه يأتي من رئيس دولةٍ عضو في مجلس الأمن الدولي.

ويعبر عن مواقف فرنسا تجاه الثوابت العربية، بالتزامن مع تصريح الروسي فلاديمير بوتين لدى لقائه بنتانياهو وتأكيداته على ضرورة الحفاظ على الهوية المقدسية، ويكتسب هذا الموقف من الدول العظمى وعواصم القرار الدولي أهمية مضاعفة لتزامنه مع التحركات الأميركية للإعلان عن ما يسمى بصفقة القرن بتشاور أحادي الجانب، وأسلوب استفزازي منحاز جعل من الرفض قرارا جماعيا قبل أن يعلن التفاصيل، فالتوقيت السياسي للتصريح الفرنسي، والزيارة الفرنسية، يُظهر مدى الرفض الأوروبي للطرح اليميني الذي يبدو أنه على وقع الانتخابات في أمريكا وإسرائيل، وكذلك التقدير المضاعف لمواصلة جهود جلالة الملك الموصولة وتأكيده على السلام وحل الدولتين ورفض ضمّ أراضٍ إلى اسرائيل، وتداعيات ذلك هو طرح دولي يلقى التأييد من مؤثرين هامين في صناعة القرار الدولي، رسالة برسم الفهم للمعنيين، فهل يلتقط هؤلاء أبعادها؟