أ.د. جودت أحمد المساعيد

بقدر ما اهتم المربون بعملية التعلم النشط وخصائصها المختلفة، بقدر ما أفردوا اهتماماً آخر إلى الطالب النشط في المدارس والمعاهد والجامعات وإلى صفاته المرغوب فيها، وذلك حتى يستطيع كل طالبٍ من هذه الفئة اعتبارها معايير أساسية يقيس نفسه بما يقوم به من أنشطةٍ تعلميةٍ ناجحة. وتتمثل أهم خصائص الطالب النشط، في كونه منتظماً في حضور الحصص والفعاليات المختلفة، بحيث يأتي في الوقت المحدد لها جميعاً، وإذا ما اضطر للغياب، فإنه يجد من الواجب عليه أن يُخبر المعلم بذلك، ويكون عذره عن الغياب شرعياً ومقبولاً. وفي الوقت ذاته، فإنه يشعر تماماً بالمسؤولية الشخصية في الإلمام بما تم من شروح أو توضيحات أو مناقشات داخل الحجرة الدراسية، وما تمت تغطيته فعلاً من مادة دراسية، وما تم تعيينه من واجبات منزلية أو القيام بمشاريع بحثية نتيجة غيابه طيلة ذلك اليوم.

ويحاول الطالب النشط أيضاً استغلال أية فرصة تلوح أمامه من جانب المعلم أو الزملاء من الطلبة الآخرين، وذلك للقيام بالتعلم أو الخبرة المباشرة الهادفة. فما أن يعلم بوجود مجالٍ للتعلم هنا وهناك حتى يسرع للاستفادة منه، في الوقت الذي ينبغي له أن يهتم بالدرجات أو التقارير أو أساليب التقويم التي يحصل عليها أو يمر بها أسبوعياً أو شهرياً، ويسعى جاهداً لتحسينها نحو الأفضل. كما أن عليه القيام بأداء الواجبات الاختيارية التي يسعى الآخرون لإهمال جانبٍ منها في أحايين كثيرة.

ويشارك الطالب النشط كذلك بفعاليةٍ كبيرةٍ في المناقشات داخل الحجرة الصفية، فحتى لو أن مشاركاته الأولية في المناقشات كانت مع زملائه الآخرين ومع المعلم، فإن أسلوب التعلم النشط يعمل على الاستفادة مما يدور وما يطرحه بقية الطلبة النشطين من أسئلةٍ وأفكارٍ وآراء ومقترحات، يقوم بأخذ زمام المبادرة في مرات تالية للرد على تلك الأسئلة، والتعليق على ما يقوله الزملاء، ويتفق معهم تارةً، ويختلف تارةً أخرى، ويستفسر، ويضيف، ويُعلق، ويطرح الأفكار أو يلخصها شفوياً، ضمن مناقشة فاعلة.

كما يتصف الطالب النشط بتسليم الواجبات أو مشاريع البحوث بشكلٍ نظيف ودقيقٍ ومرتب، حيث يبذل الوقت الكافي لإخراج الواجبات المنزلية أو المشاريع البحثية أو التقارير المكتوبة بشكلٍ دقيقٍ وأنيقٍ، من أجل أن يُعطي الانطباع عن مدى الاهتمام ليس في الدقة فحسب، بل وفي الترتيب والنظام والإخراج أيضاً، إلى درجة أنه يشعر بالفخر بما يقدمه أو يعمل على إنتاجه من أنشطةٍ علميةٍ وبحثيةٍ مكتوبة. ويكون المتعلم النشط كذلك منتبهاً لما يدور من فعالياتٍ داخل غرفة الصف، بحيث إذا كان هناك توضيح من جانب المعلم، أو تقرير شفوي من جانب أحد زملائه، فإن انتباهه يكون منصباً بما يدور وما يقال، وإذا ما دارت عملية الحوار بين اثنين من الطلبة أو بين المعلم وواحد من طلابه، فهو لا ينظر خارج شبابيك الحجرة الدراسية مثلاً، ولا ينشغل بالقراءة الإضافية، أو يعمل على فتح مجلةٍ ما، أو يتعامل مع الحاسوب، أو يقوم بمخاطبة الآخرين عبر شبكة التواصل الاجتماعي، أو الحديث الجانبي مع أحد زملائه، وإنما يُعطي اهتماماً كبيراً لما يتم قوله أو فعله، حتى يفهم بعمقٍ قبل أن يطرح سؤالاً، ثم يناقش بعد هذا كله عن وعيٍ وإلمام ٍ كبيرين.

وإذا كان الطالب النشط يحرص على أن يُنهي جميع الواجبات المطلوبة منه في الوقت المحدد، وذلك حتى يوصف بأنه متميز وفعال، فإن عليه أن يتم الواجبات أو المهام التي توكل إليه داخل غرفة الصف، وتلك الواجبات أو المهام المفروض أن ينجزها خارج المدرسة وفي البيئة المحلية، أو تلك الواجبات المنزلية التي تُطلبُ منه. كما أن الطالب النشط هو من يقوم بتحمل مسؤولية تعليم نفسه بنفسه، إذ أننا في عالم اليوم الذي يتم فيه إنتاج ملايين الكتب والمقالات والأبحاث واللقاءات والندوات والدورات والمؤتمرات العلمية في مختلف مصادر المعرفة وميادينها شهرياً في قارات العالم الخمس،فإنه يصبح من الصعب على المعلم الإلمام بكل ذلك مهما كان مجال تخصصه، مما يجد الطالب أنه من الواجب عليه أن يتحمل المسؤولية الأولى في تعليم نفسه بنفسه، والتعامل مع معظم مصادر المعرفة والمعلومات بحيويةٍ وكفاءةِ عاليتين، حتى يكتشف الكثير بنفسه، ويبني على خبراته التعلمية السابقة خبراتٍ أخرى جديدة. ومع ذلك، فإن دور المعلم يبقى مهماً للغاية، حيث ينبغي عليه أن يتيح الفرص الكثيرة للطالب النشط كي يتعلم، على أن يقوم المعلم بتوجيهه وإرشاده.

ويفضل الطالب النشط دائماً أن يعمل على تطبيق مبدأ التعلم بالعمل Learning by Doing، حيث لا يكتفي بالقراءة والكتابة فحسب، بل يرغب أيضاً في المناقشة مع المعلم، أو مع زملائه، أو مع الوالدين، أو مع أبناء المجتمع المحلي. كما أنه يميل في الغالب إلى تطبيق ما يتم فهمه أو ممارسته على أرض الواقع، حتى يمر بخبرةٍ تعلميةٍ واقعيةٍ يصعب عليه نسيان التعلم من خلالها، بل ويشجع غيره على ربط التعلم بالعمل، وهو ما نادى به المربي الإسلامي المعروف الغزالي قديماً، وركز عليه المربي الأميركي المشهور جون ديوي John Dewey في بدايات القرن العشرين.

ويميل الطالب النشط إلى أن يتعلم عن طريق التفكير، حيث لا يكتفي بما يسمع من المعلم أو من الآخرين داخل الحجرة الدراسية أو خارجها، ولا يقبل الآراء أو الأفكار على علاتها، بل دائماً يقول: دعنا نفكر جيداً في الأمر، إذ يأخذ بالتفكير العميق في جوانب القضية أو المسألة أو المشكلة أو الموضوع أو الرأي أو الفكرة، طارحاً عدة أسئلة عن طبيعة الشيء لنفسه أولاً، ثم يلجأ إلى زملائه أو إلى المعلم فيما بعد، في ضوء التفكير العميق، كي يصل إلى قناعةٍ عن الأمر في نهاية المطاف.

ويشعر المتعلم النشط بالارتياح من خلال العمل الجماعي، فرغم أنه يدرك المسؤولية الملقاة على عاتقه كي يتعلم بمفرده تحت إشراف معلمه، إلا أنه يجد متعة وارتياحاً في العمل مع الآخرين في مشاريع جماعيةٍ بحثيةٍ أو فنيةٍ أو مهنيةٍ أو رياضية، لأنه يستفيد من آراء الآخرين، فيسمع منهم، ويطرح ما عنده، فتتلاقح الأفكار معاً، ويخرج بنتيجةٍ أو رؤية أفضل مما كان لديه من قبل. وفي نهاية المطاف، تبقى مسؤولية المعلم كبيرة، حيث ينبغي عليه توفير فرص التعلم الكثيرة للطلبة النشطاء من خلال المجموعات، سواء داخل الحجرة الدراسية عند الرغبة في مناقشة موضوع والوصول إلى استنتاجات معينة، أو عند القيام بإجراء بحوثٍ جماعيةٍ داخل المدرسة أو خارجها، مع تشجيعه المتواصل للطلبة على ذلك.

profjawdat@yahoo.com