الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الإجتماع

في عالمنا الحديث تشكل منجزات العلم المتصلة بالحياة الواقعية عاملا هاما في إعطاء قيمة اجتماعية لهذا العلم، لذلك تتزايد في هذه الأيام مسؤوليات العلم الإجتماعية، والمجتمع الحديث يتسم بتنوع تعقيداته واضطراباته والتي توصف غالبا بأنها الأزمات الإجتماعية لعصرنا الحالي، فالغالب أنه في الوقت الذي تزداد النظم الإجتماعية من إحكامها لسلوك الأفراد، فإنها في ذات الوقت تزيد من ابتعاد البعض عنها ورغبتهم في التخلص من وطأة قيودها، مخلفة بعض الثغرات في البناء الإجتماعي، ما يؤدي إلى انبثاق عدد من المصاعب أمام الأفراد والتي تظهر في صورة تصدعات عميقة على مستوى المجتمع، وهي التي يشار إليها عادة على أنها مشكلة اجتماعية، وتتمثل في وقوع الفرد في المشكلات التي تتفاعل معها شخصيته بجوانبها النفسية والبدنية مع قوى البيئة الإجتماعية.

إن علم الاجتماع عندما يتصدى لمجتمع ما بالدراسة بهدف معالجة مشكلة بعينها، فإنه يقصد أولا فهم الحياة الإجتماعية فيه، ولهذا فإن المداخل لهذه المشكلات تختلف باختلاف وجهات النظر، فقد يركز الباحث كل اهتمامه على السلوك الإنساني في اتجاه القيم، وفي أحيان أخرى يركز على المنجزات التكنولوجية لتحديد معالم ذلك المجتمع الثقافية، وقد يهتم الباحث بالنظم الإجتماعية بإعتبار أنها تشكل نماذج لفعاليات الفرد وسلوكياته، بينما يفضل آخرون تناول المجتمع من وجهة نظر الإنسان بإعتباره يشكل الناحية التي تميز المجتمع وثقافته السائدة بغض النظر عن المداخل السابقة، وبالرغم من أن كلا من هذه المداخل يشكل إضاءة على بعض الحقائق، إلاّ أن بعضها الآخر يقبع في الجانب المظلم، غير أن تعاقب الدراسات وتعدد المداخل يكمل دائرة الضوء مع الوقت، فيتم الكشف عن جوانب البناء الإجتماعي وعمق طبيعة الحياة.

ولما كان المجتمع الإنساني لا يعرف السكون أو الركود التام، فإن أي حالة تغير في جزء من أجزائه، أو معيار من معاييره، أو قيمة من قيمه، أو نمط من أنماطه، أو نسق من أنساقه يخلق مشكلات اجتماعية لبعض الأفراد لأنه يمثل جزءا من وجودهم الإجتماعي بسبب تعلقهم به وخدمة لمصالحهم الذاتية أو لأسباب أخرى، فعندما يدرك الأفراد وجود مشكلة اجتماعية فإنهم يتخذون مواقف متباينة اتجاهها وذلك بحسب درجة القرب أو البعد عن المشكلة جغرافيا أو اجتماعيا.

إن تيارات الحياة متعددة ومستمرة ومتنوعة وفي حالة تبدل دائم، ولكن اذا ما تسارعت التغيرات وتعددت مناحيها فإن عدد المشكلات وأنواعها تتفاقم تباعا، وكلما كانت مساحة التبدل الإجتماعي واسعة اتسعت مساحة المشكلة للأفراد، وهنا يبرز السؤال الأهم عند دراسة المشكلات في المجتمعات المعاصرة وهو هل تتناسب المشاكل طرديا مع اتساع نطاق الثقافة وما يصاحبها من تقدم تكنولوجي واتساع نطاق الحياة الحديثة؟ أو بمعنى آخر هل يرافق تقدم المدنية زيادة في عدد المشكلات التي يواجهها الإنسان؟ يجيب بعض الباحثين على ذلك بقولهم إن هذه المشاكل طبيعية لأنها نتيجة منطقية لإتساع وتسارع التقدم التكنولوجي في فترة لا يلاحق النظام الإجتماعي سرعة ووتيرة التقدم العلمي، كما أن هذه المشكلات تحدث بالضرورة لأن طبيعة النمو الإجتماعي تفترض ظهور التوترات التي يمكن الحد منها أو حتى القضاء عليها عن طريق توسيع نطاق الخدمات الإجتماعية، ومعنى هذا أن مناقشة المشاكل الإجتماعية لم يقترح في صدد حلها بإجراء أي تعديل يمكن أن يتناول أساس المجتمع بالتغيير، وهنا يبدو أثر التوجيه الأيديولوجي في تحديد العوامل المسببة للمشكلات الإجتماعية، فهل المشكلة نتاج لتفكك البناء الإجتماعي أم انها خلل مؤقت أصاب أحد وظائفها.

وعلى الجهة المقابلة كان النفي إجابة عدد آخر من الباحثين على السؤال المطروح سابقا، معللين ذلك بأن ليست كل المشكلات الإجتماعية طبيعية أو ضرورية لنمو المجتمع الثقافي أو التكنولوجي، بل إن الإستمرار في مواجهة المزيد من المشكلات يستلزم إعادة النظر بصورة شاملة لتعريف المشكلات الإجتماعية وإعادة فحص البناء الإجتماعي برمته، لبيان الثغرات التي أحدثت تسريبا للعديد من المشكلات الإجتماعية، لأنها تمثل ضربة أساسية موجهة إلى تكامل المجتمع، فتكامل المجتمع لا يمكن الوصول إليه بزيادة الأبعاد الإجتماعية بين الأفراد والجماعات، أو بزيادة التناقض الموجود بين الأجهزة العاملة في المجتمع، والتي تتبلور في نهاية الأمر في شكل نظم، وبذلك فإن الحل الأمثل هو القضاء على التباعد والتناقض وتغيير التوجيه الأيديولوجي بإعادة بناء المجتمع من خلال التخطيط طويل المدى، ما سيقلل من نسبة المشكلات وحدّتها، بل إن عددا كبيرا منها سيختفي بمرور الوقت.

إن دراسة المشكلة الإجتماعية لا يجب أن يتم بمعزل عن فهم الإرتباط الوثيق بين الثقافة والمجتمع بإعتبار أن المجتمع جسم تتكامل وظائفه استنادا إلى وجود وظائف ضرورية، وأن ثقافة المجتمع تتغير وفقا للتغيرات التي يفرضها تطور العلوم والتي تنعكس في صورة التغيرات التكنولوجية، فطبيعة الحياة الإجتماعية تؤدي إلى انحرافات في أدوار الأفراد ومراكزهم نتيجة للإختلالات التي تصيب البناء الاجتماعي، ولذلك فإن التغلب عليها يعيد تصحيح وضع الأجزاء في البناء في اطار مختلف يؤدي إلى إفراز أدوار ومراكز جديدة.

والمشاكل الإجتماعية تعكس التوجه القيمي للمجتمع، ولذلك تعتبر دراسة القيم مدخلا أساسيا لفهم طابع المشكلة وامتدادها ومدى عمقها، فالنظم الإجتماعية مترابطة ترابطا عضويا، كما أن حل المشاكل الإجتماعية يمكن ان يؤدي إلى تغيير كلي لطابع الحياة الإجتماعية، كما أن ليست هناك حتمية في أن تكون المشكلة الإجتماعية ذات صفة عمومية في كل أرجاء المجتمع، لأن اتساع نطاق المجتمع الحديث يمكن أن يؤدي إلى وجود مجتمعات محلية ذات روابط مختلفة، ويمكن أن يترتب عليها مشاكل مختلفة أيضا، ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى أنه لا يمكن اعتبار كل مخالفة لمعيار أو قيمة أو نمط عيش انحرافا، وبالتالي الحكم عليه بأنه مشكلة اجتماعية، فكم من مخالفة شكلت نقطة تحول تألق في عمل إبداعي وكم من خطوة بعيدة عن معايير المجتمع وقيمه شكلت جرأة خلاّقة ، ذلك أن مخالفة بعض الأفراد لمعايير معينة وعدم أخذهم ببعض القيم إنما تم بناء على وجهة نظر خاصة بهم قائمة على أن هذه المعايير والقيم لا تعكس روح العصر أو لكونها لا تتناسب وطموحاتهم ، لذا فهم لا يعدون مخترقين لهذه المعايير والقيم أو موصومين اجتماعيا بها، بل إن الأجدر اعتبارهم متحررين من بعض قيود الماضي ومتجددين مع تطورات الحياة الإجتماعية المعاصرة.

ثمة حقيقة تستدعي التركيز عليها، وهي أنه ليست كافة أقسام المجتمع تتغير بنفس السرعة والدرجة والنوع وبنفس الإتجاه، فالجزء المادي من الثقافة الإجتماعية يتغير بسرعة أكبر من الجزء المعنوي، وهو ما يسميه وليم اوكبرن بالتخلف الثقافي، فالتطور التقني يتطلب من الجانب المعنوي أن يقوم ببعض التحويرات والتكيّفات لكي تتساوى مع التطور المادي، وإن هذا التفاوت يخلق مشكلات عديدة قبل أن تحدث التكيفات الإجتماعية، ويشير أيضا إلى أن الإطار المرجعي لمعظم المشكلات الإجتماعية هو التغير الإجتماعي، فالثقافة نسبية وليست مطلقة فلكل ثقافة سماتها الخاصة بها والتي تكون لا معنى لها بذاتها أو بوصفها المستقل، إنما تتضمن معناها الكامل فقط في حيزها الثقافي، فالأمر الجيد يكتسب جودته من خلال انسجامه مع مختلف أقسام الثقافة وقيامه بوظائفها بشكل متناغم معها، بينما يصطدم الأمر السيء مع كافة أقسام الثقافة.

إن كل نظام اجتماعي، أسرة أو مجتمعا محليا يعتبر نمطا من الأهداف والوظائف، وهو في سبيل ذلك يتطلب نوعا من الطاعة من قبل الأفراد والأعضاء الذين ينتمون إلى كل منها، ما يعني أن النظام الإجتماعي يمكن من وجهة نظر معينة أن يستغرق كل حياة الفرد ويمتص كل نشاط يحتمل ان يقوم به، ولكن كلما تقدم المجتمع وكلما تغير تحت وطأة عوامل التكنولوجيا، انتقلت بعض الوظائف التي تقوم بها الوحدة العائلية إلى منظمات متخصصة داخل المجتمع لها سلطتها ووظائفها، أي أن هذه النظم تتقاسم داخل اطار البناء الإجتماعي مظاهر السيطرة والوظائف التي من مجموعها يتكون المجتمع الإنساني، إن تعدد النظم التي ينصرف إليها نشاط الأفراد يؤدي إلى حدوث نزاع سواء بين هذه النظم أو بين الأفراد في المجتمع ، خاصة خلال محاولتهم التكيف بصورة واضحة مع مطالب كل نظام على حدة، ومعنى التغير غير المتوازن الذي يصيب نظم المجتمع، أن الأفراد يختلفون في أبعادهم وعلاقاتهم الإجتماعية إزاء النظم، ويحدث هذا في الوقت الذي لا يكون الفرد فيه مستعدا للإستجابة لهذه التغيرات السريعة، فتضطرب علاقاته ويمتد هذا الإضطراب ليشمل النظم نفسها.

لا يمكن حصر المشكلة الإجتماعية في سبب واحد، بل إنها تعزى إلى عدة أسباب متفاعلة لبلورة مشكلة تخص مجموعة من الأفراد تصدع أو تعيق أو تحرف سلوكهم أو قيمهم، ولما كانت المشكلات الإجتماعية واحدة في اسمها وظاهرها مثل الجريمة والإنحراف والإدمان والفقر والبطالة والطلاق وغيرها، وهي توجد في كل مجتمع إنساني وفي كل مرحلة تاريخية يمر بها، بيد أنها تختلف في تحديد أسبابها وفي إدراك الناس لها والحكم عليها، وهم يعدونها مشكلة تسبب لهم الإساءة والإنحراف في قيمهم، إن هذه الإختلافات في التحديد والإدراك وبالتالي في الحكم عليها، جعلت الدراسات الإجتماعية في هذا الميدان والمشكلات الإجتماعية مختلفة في التحليل والتفسير، على الرغم من لقاء أو تقارب اهتمام الباحثين الإجتماعيين بها، ومنها أن الباحثين لا يختلفون حول ابراز اهتماماتهم لدراسة مشكلات مجتمعهم، وإنما يختلفون في تشخيص أسباب مشكلات المجتمع، لكونها غير متشابهة أو متطابقة من حيث مدى إدراك الناس لها واعتبارها مشكلة من الأساس، ومرد ذلك يعود إلى اختلاف ثقافات المجتمعات ومعتقداتهم وقيمهم ومعاييرهم الثقافية – الإجتماعية، وعلى الرغم من هذا الإختلاف فإنه بإمكاننا إيجاد قواسم مشتركة بين المشكلات الإجتماعية دون ربطها بنوع المشكلة أو تحديد نوع مجتمعها بشكل دقيق، ومن هذه الأسباب صعوبة تكيف الفرد في مواجهة متطلبات التغيرات الاجتماعية، وعدم مسايرة النظم الإجتماعية لتطورات المجتمع الحديثة، إضافة إلى الإحتدام القائم بين المتطلبات والتوقعات الإجتماعية، كما أن عجز المؤسسات الإجتماعية في تحقيق وإنجاز أهدافها أو غاياتها يعد سببا وجيها لظهور المشكلات الإجتماعية في سلسلة متتابعة من الأحداث الإجتماعية والإقتصادية، فظهور البطالة وإرتفاع معدلاتها وانتشار وضعف ضبط المعايير والقيم الإجتماعية داخل المجتمع، أدى إلى ارتفاع معدل الكآبة والأمراض النفسية في ظل إخفاق المؤسسات الصناعية والتجارية والمالية والإجتماعية في إمتصاص هذه المشكلات والتصدي لها.