عمّان - محمد جميل خضر

أنفاسٌ مغاربيةٌ ساطعة، تفرض روحها عاماً بعد آخر، على مهرجان المسرح العربي الذي تتجوّل به سنوياً من عاصمة عربية إلى أخرى، الهيئة العربية للمسرح ومقرها الشارقة.

في دورة هذا العام التي اختتمت فعالياتها، مساء الخميس الماضي في قاعة مؤتمرات المركز الثقافي الملكي، تكرّست مغاربية المهرجان بفوز المسرحية الجزائرية «جي بي إس» GPS تصميم وإخراج محمد شرشال، بجائزة القاسمي لأفضل عرض عربي للعام 2019. وتعززت بإعلان الكاتب إسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، المغرب وجهةً للدورة 13 من المهرجان في العام 2021.

وبهذه المناسبة، سلّم عبد الله أيقونة الدورة 13 لسفير المملكة المغربية في الأردن خالد الناصري الذي قال في كلمة مقتضبة إن المغرب سعيدة باختيارها محط رِحال التجوال المسرحي العربي، معلناً عن رفع بلده عدّاد التحدي لتأتي الدورة 13 بمستوى الدورة 12 في عمّان، التي حققت، كما يقول، نجاحاً باهراً على الأصعدة كافة.

مغاربيةٌ تنجلي صريحة بمشاركة سبعة عروض مغاربية في الدورة 12، من تونس (عرضين) والجزائر (عرضين) والمغرب (ثلاثة عروض)، وبما يصل إلى نصف العروض المشاركة تقريباً (الدورة تضمنت 15 عرضاً: ستة في المسار الأول غير المنافس وتسعة في المسار الثاني).

كما أن دول المغرب العربي احتضنت ثلث الدورات السابقة من المهرجان (دورتين في تونس (2010 و2017)، واحدة سابقة في المغرب (2015) وأخرى في الجزائر 2018).

ورغم أن الدول العربية التي شاركت بعروض هي ثماني دول فقط، إلا أن الضيوف (أعضاء لجان تحكيم ومعقبين وفائزين في المسابقات وإعلاميين ومشاركين في الندوات ومديري جلسات وقامات مسرحية وضيوف شرف)، جاءوا من مختلف الدول العربية بما في ذلك موريتانيا وجيبوتي والصومال وجزر القمر.

فوز «جي بي إس» بجائزة القاسمي

رئيس لجنة التحكيم الدورة 12، المخرج المصري خالد جلال أعلن عن فوز «جي بي إس»، بعد حصرهم في لجنة التحكيم، الجائزة بين أربعة عروض هي: «الصْبخة» الكويتي تأليف د. عبد الله العابر وإخراجه، «النمس» المغربي تأليف عبد الإله بنهدار وإخراج أمين ناسور، «مجاريح» الإماراتي تأليف إسماعيل عبد الله وإخراج محمد العامري، إضافة، طبعاً، للعرض الجزائري «جي بي إس» GPS، الذي استقر قرار اللجنة على منحه الجائزة.

وما أن أعلن جلال عن قرار لجنة التحكيم، حتى ضجت قاعة مؤتمرات المركز الثقافي الملكي، بأهازيج فرح الوفد الجزائري وكل من أحب العرض الجزائري من باقي وفود المهرجان وأصدقاء فرقة المسرح الوطني الجزائري. لحظة صخب عارمة، رُفع خلالها العلم الجزائري وغنّى الجميع لحرية الجزائر ورددوا اسم العرض الذي فاز.

وكانت، مسرحية «جي بي إس» GPS، تجلّت ضمن عروض المسار الثاني، وعروض المهرجان على وجه العموم، بوصفها تحفة بصرية أخّاذة إلى أبعد الحدود، مقترِحة رؤى إخراجية بصرية تعكس ما وصله الفن المسرحي العربي والعالمي من تطور على صعيد التعامل مع الكلمة، وعلى صعيد اجتراح عناصر حوار جديدة ليس من بينها لغة الكلام، ربما اللغة البصرية، لغة التقنيات العالية، الإيماء، تعابير الوجوه، التكوينات النحتية التشكيلية فوق الركح، ومقترحات أخرى أجاد شرشال وفريق العمل الإفادة منها وتوظيفها بما يخدم حكايات العرض التي لم تقتصر على حكاية واحدة أو حتى اثنتين، بل وصلت، ربما، إلى أربع حكايات رئيسية، وفق نص محبوك رشيق سلس، حوّله شرشال إلى بهجة باتعة التجليات.

العرض الجزائري كان آخر عروض المهرجان، بعد 14 عرضاً متنوّعاً ومتبايناً ومتعدد المشارب والمدارس والوجهات، فإذا بمسرحية فرقة «المسرح الوطني الجزائري» تبث الروح في عروق التلقي، وقد بدأ قليلُ تعبٍ يتسلَّلُ إلى مجسّاتها.

جمالياتٌ في دلالةِ كلِّ تكوينٍ رسمه شرشال فوق الركحة، التي تجلت بوصفها صالة باليه مرّة، وقاعة سيرك في أخرى، وهايدبارك مرّة، ومختبر حياة وأسئلة في حالة رابعة. جماليات لم تخل من توريطٍ ما، أراد صاحب الرؤية أن يأخذنا إليه. الفكاهة في العرض لم تكن مفتاحاً للدخول، بقدر ما كانت وصفةَ بهجةٍ كتبها الطبيب للمرضى بطول البال في ليل الواقع الطويل.

التناوب في العرض سريع رشيق حيوي مشع بروح أداءٍ عارفٍ ما الذي يقوم به، مدرك للدور الذي حمّله إياه المخرج: إيصال الرسائل دون كلام.

عيونٌ في قلب ساعة (بيغ بن) ومع كل دقةٍ من دقاتها. عيون في رأس كل عابر سبيل. عيون من فضول ولهفة وأشواق وشهوات وصبواتٍ إنسانيةٍ مكسورةِ الظهر في بلاد شرق المتوسط.

يعتم، ثم يعرّي لنا الحجم المهول من التناقضات التي يعيشها الإنسان في بلادنا: الشيخ الذي يحجب الرؤية والرؤيا عن زوجته، ويمنع الآخرين من رؤيتها، سرعان ما يشط في رقصة فالس/ تانغو/ فن جميلة ومتقنة مع سيدة جميلة وراقصة ماهرة. رقصةٌ تجعل الشارع أحلى، وتدفع المرأة المسيّج حولها مخمل أسود، تنزع عنها الكابوس الذي خنقها به، فتشف عن امرأة ميّاسة القوام، وعن رغبة معتقة رابضة منذ آلاف السنين داخلها وداخل قريناتها، بالتحرر والانعتاق وركل أكاذيب الواقع المعاش.

حفل الختام وإعلان الجوائز

بأداء صادق مؤثر قالت عريفة حفل الختام الفنانة أمل الدباس: «وأنتم تغادرون عمّان غداً أو بعد غد.. بالله عليكم لا تقولوا لها وداعاً.. فهي وديعة الهاشميين وعاصمة العرب.. ونبراس الأحلى والأبهى».

وبالمصداقية نفسها، أكمل معها عريف الحفل الموسيقي د. محمد واصف، قائلاً: «قولوا لها إلى اللقاء.. فمن غير اللقاء تلو اللقاء يمكن أن يشعل فوق جبالها قنديل الزيت الأخير.. ومن غير دقات أبي الفنون يمكن أن تدوزن فوق مسارحها إيقاع الوجود النضير».

حفل الختام تضمن إلى ذلك، إعلان الفائزين بالمسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي للشباب (النسخة الرابعة 2019): الفائز الأول الباحث المغربي الشاب الحسين أوعسري، الباحثة السوداينة الشابة ميسون البشير فازت بالمركز الثاني، وفي المركز الثالث جاءت الباحثة المصرية الشابة منى عرفة.

على صعيد مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار، احتكر الكتّاب المصريون الشباب جوائز المسابقة الثلاث: الأولى ذهبت لطه زغلول، الثانية لأحمد سمير، وفاز عبد النبي عبَادي بالمركز الثالث.

الكاتب المصري الشاب محمود عقاب، فاز بالمركز الأول في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجّه للأطفال، وياسر فائز من العراق فاز بالمركز الثاني، فيما ذهب المركز الثالث للكاتبة الجزائرية الشابة حنان مهدي.

عروض أردنية وعربية

خمسة أيام من العروض، بواقع ثلاثة عروض في اليوم، كل واحد منها في مسرح، وفي مكان مختلف. واحد من المسارح التي احتضنت العروض، مقرّه مركز الحسين الثقافي في راس العين، والثاني مسرح الشمس في العبدلي، وأما المركز الثقافي الملكي بين المدينة الرياضية وجبل الحسين، فكان فضاء العرض الليلي الأخير.

العروض التي قُدمت ضمن المسار الثاني المنافس على جائزة القاسمي، كان يعاد عرضها مرّتين وبشكل مباشر؛ ينتهي العرض، ينتظر الممثلون وباقي الفريق وقتاً قصيراً (ما بين نصف ساعة إلى ساعة بحسب مدة العرض)، ثم ما يلبثوا أن يعودوا إلى المنصة ويعيدوا عرضهم مرّة ثانية. وهي كانت وسيلة إدارة المهرجان لضمان حضور أكبر عدد من الراغبين العرض، فعدد الذين استضافهم المهرجان للمشاركة ومتابعة دورته الثانية عشرة بلغ زهاء 400، إضافة إلى 50 مسرحياً عربياً وأجنبياً جاءوا على نفقتهم الخاصة، إضافة إلى 150 مسرحياً أردنياً، و162 شخصاً قدموا لدورة عمّان الخدمات الإدارية والإعلامية والتقنية واللوجستية.

الدورة 12، هي الدورة الثانية في عمّان، إذ أقيمت عام 2012، دورة سابقة فيها.

عرضان أردنيان شاركا في دورة هذا العام: «الجنة تفتح أبوابها متأخرة» إخراج د.يحيى البشتاوي عن نص للعراقي فلاح شاكر، و«بحر ورمال» تأليف ياسر قبيلات وإخراج عبد السلام قبيلات.

وبحسب أرقام أُعلن عنها في حفل الختام، فإن 20 ألف متفرج تابعوا العروض وباقي الفعاليات بشكل مباشر في مواقع عرضها وإقامتها، و150 ألفاً تابعوها عبر مواقع التواصل، إذ كان هناك بث مباشر لمختلف فعاليات المهرجان.

الفنان المقدسي عبد السلام عبده، جاءت مشاركته في الدورة 12 من المهرجان، من خلال عقده ورشة تدريب في الزرقاء، علّم فيها 12 متدرباً كيفية صناعة دمى الطاولة. عبده قدم عرضاً خفيف الظل قبيل انطلاق فعاليات حفل الختام في باحة المركز الثقافي الملكي. وقد شاركه التفاعل طلبته الذين تعلموا منه كيف ينطقون الدمى الجالسة فوق مقعد، وكيف يحركونها. الدمية التي قدم عبده من خلالها عرضه وأغانيه، جاءت على شكل رجل عربي يرتدي قبعة تراثية مغاربية، يجلس على مقعد أمام عبده، ويعزف على آلة وترية شكلها أقرب للجيتار.

المؤتمر الفكري الذي تواصل على مدار ستة أيام من الدورة 12، حمل عنوان: «مساءلات علمية وعملية لتجارب فرق وقامات عربية». كما أقيمت تسع ندوات نقدية تطبيقية، ناقشت عروض المسار الثاني، إذ لم تقم ندوات لعروض المسار الأول. وعقد خلال أيام الدورة 12 من المهرجان، 24 مؤتمراً صحفياً. الدورة الثانية عشرة من المهرجان كرّمت عشرة فنانين أردنيين. كلمة يوم المسرح العربي (العاشر من كانون الثاني (يناير) من كل عام)، ألقاها المسرحي البحريني خليفة العريفي.

دقّات المسرح العربي، تموسق الآفاق كمقترحِ وحدة جلي، يتجاوز عبره أبو الفنون هرطقات الفرقة، نحو فضاء المحبة في أحلى مباهجها.