أ.د. جودت أحمد المساعيد

يمكن تعريف أسلوب حل المشكلات إبداعياً على أنه يمثل تلك العملية العقلية التي تؤدي إلى إيجاد حلولٍ متميزة للمشكلات، وهو شكل من أشكال حل المشكلات الذي يظهر فيه الحل بطريقة مستقلة من جانب الطلبة، بدلاً من أن يتعلموه بمساعدة الآخرين. وتتلخص أهمية التطبيق الفعلي لهذا الأسلوب في النمو الحقيقي والسريع للأفكار، التي تدعو في العادة إلى التجديد والتميز في كل مجالات الحياة، حتى ما يتعلق منها بالمشكلات التي تواجههم، وتحديد كيفية التصدي لها بالعلم والإبداع. كما يعمل هذا الأسلوب على تخفيض التكاليف المادية، وأصبح مطلباً من مطالب الأفراد والجماعات، من أجل التصدي للمشكلات المستعصية بطريقة إبداعية، ويزيد أيضاً من الاهتمام بأنماط صنع القرارات السليمة والعاجلة، مما يتطلب الاستخدام السليم لأسلوب الحل الإبداعي للمشكلات، من أجل الوصول إلى قرارات تفيد الطلبة عند مواجهة المشكلات المختلفة. وفي ذات الوقت، يتم التركيز على العصف الذهني الذي يثيره الحل الإبداعي للمشكلات، والذي يحتم على المعلم تشجيع الطلبة على استخدام مهارة التفكير التشعيبي لتوليد الأفكار وتشعبها،كي يتم وضع أكبر عدد ممكن من الحلول الشافية للمشكلات المطروحة للنقاش.

وخلال تاريخ أسلوب حل المشكلات، حاول الكثير من العلماء وضع خرائط تنظيمية كي يتم اتباعها كمساراتٍ واضحةٍ تؤدي إلى نجاح عملية حل المشكلات. وكانت من أهم المحاولات الأولى ما قام به جون ديوي من قبل، عندما حدد الخطوات التي ينبغي السير بموجبها لحل المشكلة في كتابه المعروف:(كيف نفكر؟)، حيث طرح خطوات الشعور بالمشكلة وتحديدها، وصياغة الفرضيات، ثم اختبارها بالأدلة المختلفة، والوصول أخيراً إلى الحلول النهائية للمشكلة، والعمل على تطبيقها.

وعندما زاد الاهتمام بالإبداع والتفكير الإبداعي، طرح عدد من المهتمين بأسلوب حل المشكلات أفكاراً جديدة تدور حول الأسلوب الإبداعي لحل المشكلات. وكان على رأس هؤلاء أوسبورن وبارنز اللذان بذلا جهوداً حثيثة لتوظيف كل من الإبداع والعصف الذهني في ميادين التربية وإدارة الأعمال، حيث المطلوب الذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد إتباع عملية العصف الذهني العادية، لاختيار ما هو أكثر فائدة من نتائجها المتعددة. وتتلخص هذه الخطوات في خطوة إيجاد الأهداف، التي يقوم المعلم من خلالها بإدارة المناقشة مع الطلبة حول موقف من المواقف التي تهمهم أو قضية من القضايا التي تواجههم، ويعمل في الوقت ذاته على إثارة نوع من العصف الذهني لوضع قائمة من الأهداف العامة وأخرى من الأهداف التدريسية التي يسعى أسلوب حل المشكلات بطريقة إبداعية لتحقيقها بدقةٍ متناهية. وهنا يحرص وبأي طريقة يراها مناسبة للوصول إلى إجماع مع طلابه حول عدد قليل من الأهداف التي يحرصون على تحقيقها فعلاً في هذا الجهد الفكري الإبداعي.

أما الخطوة الثانية لهذا الأسلوب فتتمثل في إيجاد الحقائق، إذ يعمل المعلم في هذه المرحلة على تنفيذ نشاط عصفٍ ذهني مع طلابه لجمع الحقائق والمعلومات ذات العلاقة الوثيقة بالأهداف المتفق عليها مسبقاً معهم. كما يجب عليه أن يكون حريصاً على مشاركة كل طالبٍ في عملية جمع الحقائق، مع وضع قائمة منظمة بها. وفي نهاية هذه الخطوة، ينبغي على المعلم أن يتيح للطلبة بعض الوقت لطرح وجهات نظرهم حول أكثر المعلومات والحقائق التي تمّ تجميعها ولها علاقة بالأهداف المرسومة وأكثرها احتمالاً لحل المشكلة المطروحة بطريقةٍ إبداعية. وبعد ذلك تأتي خطوة إيجاد المشكلة، التي تعتبر أهم خطوات أسلوب حل المشكلات بطريقة إبداعية، وتتطلب وجود صياغة إبداعية لتحديد المشكلة، بحيث تكون أكثر قرباً من المشكلات الحقيقية وأكثر وضوحاً وجذباً للحلول المناسبة لها.

ومن بين أهم الوسائل لتحقيق ذلك، قيام نشاط عصفٍ ذهني يطرح فيه الطلبة صياغات مختلفة لتحديد المشكلة. وفي هذا الصدد، فإن معظم المتخصصين والمهتمين بحل المشكلات إبداعياً يوصون بضرورة كتابتها بالصياغة الآتية: (بأي طرق يمكن لنا أن نتناول المشكلة؟) و (لماذا ينبغي أن نتناولها؟ وكيف ينبغي علينا صياغتها؟ وأين ينبغي أن يتم ذلك؟ ولماذا؟. وفي نهاية المطاف يسمح للطلبة باختيار العبارة أو العبارات التي تكون أقرب ما يكون إلى التعبير عن مشكلة واقعية في الحياة اليومية.

أما عن الخطوة الرابعة فتتلخص في مرحلة إيجاد الفكرة، التي يتم فيها وضع قائمة من الأفكار التي قد تمثل حلولاً ناجعة للمشكلة التي تمَ تحديدها من قبل. وهي تعتبر خطوة العصف الذهني الأساسية. وكل جهد ينبغي بذله في هذه الخطوة لا بد له أن يؤدي إلى سيطرة نمط التفكير التشعيبي، مع كتابة كل فكرة تظهر نتيجة لذلك، مهما تبدو علاقتها الأولية بالمشكلة. وكم من الأفكار التي قد تبدو سخيفة للكثيرين في بداية الأمر، تستخدم كشرارة لأفكارٍ عظيمة، غالباً ما تؤدي إلى الحل الصحيح. وبعد أن يسيطر التفكير التشعيبي لإنتاج العديد من الأفكار على الوقت الأولي لهذه المرحلة، فإنه لا بد من إتاحة الفرصة الحقيقية للتفكير التجميعي، حيث تتم عملية تجميع الأفكار التي تمَ التوصل إليها، بحيث تستبعد تلك التي لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحل المشكلة إبداعياً.

ويتلو ذلك خطوة إيجاد الحل، ويتم فيها تقييم الأفكار الأساسية ذات العلاقة بالحل، حيث يقوم الطلبة بالتعاون مع معلمهم باختيار الفكرة أو مجموعة الأفكار التي ينبغي العمل عليها. ومن بين أكثر الطرق فعالية هنا طرح نشاط عصفٍ ذهني حول المعايير التي حددت أفضل الأفكار لحل المشكلة إبداعياً مثل التكاليف المادية وإمكانية التطبيق، والفائدة المرجوة من وراء ذلك، وغيرها من المعايير المختارة اختياراً نهائياً، على أن تستخدم هذه المعايير فيما بعد ضمن مصفوفة صناعة القرار، بحيث يتم تقييم كل فكرة من الأفكار النهائية، حتى يتم وضع الأكثر فاعلية منها للتطبيق الميداني الحقيقي.

وتأتي في النهاية مرحلة إيجاد القبول، حيث نجد أن الطلبة ومعهم معلميهم باعتبارهم أشخاصاَ يحلون المشكلات بطريقة إبداعية، يضعون أيديهم على مشكلات وقضايا العالم الحقيقية التي تؤدي عملية حلها بطريقة إبداعية إلى التطوير والتغيير نحو الأفضل، والانتقال من واقع قديم مؤلم لوجود المشكلة أو المعضلة، إلى واقع جديد يعيش الناس في ضوء تحدي وجودها وقبولها والعمل على حلها جذرياً. أما الأفكار التي تمَ تطويرها والوصول إليها في هذه المرحلة، فإنه يتم وضعها بطريقة تكاملية في خطة تؤدي إلى نجاح هذه المشكلة بأسلوب إبداعي متميز.

profjawdat@yahoo.com