في 20/11/1935، فُجعت فلسطين باستشهاد الشيخ عز الدين القسام في أحراش قرية يعبد في جنين، فذُرفت دموع الأسى حزناً عليه، ونظم الشاعر محمد علي الصالح قصيدة ألقيت في حفل تأبين أقيم للقسام في حيفا، أواخر عام 1935.
وُلد الصالح في طولكرم عام 1907، وتخرج في الكلية الإسلامية بالقدس عام 1927، وعمل رئيساً لتحرير صحيفة «صدى العرب» التي كانت تصدر في شرق الأردن حتى توقفها، وانتُخب نائباً لرئيس مؤتمر الطلبة العرب الأول الذي عُقد في يافا عام 1929, ثم رئيساً للمؤتمر في الاجتماع الثاني الذي عُقد في عكا عام 1930م.
عمل الصالح محرّراً في صحيفة «الجامعة الإسلامية» التي كانت تصدر في حيفا، وأسس مدرسة الاستقلال في حيفا عام 1933. اعتُقل ست سنوات في معتقل المزرعة في عكا خلال ثورة 1936، وبعد خروجه من السجن فُرضت عليه الإقامة الإجبارية في طولكرم، ثم قامت السلطات البريطانية بنفيه إلى غزة, ومنها إلى النقب.
أسس الصالح أول جمعية لعمال فلسطين في طولكرم عام 1943 وانتُخب رئيساً لها. وكان عضواً مؤسساً في حزب الاستقلال، ورئيساً للّجان القومية في الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، و عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عُقد في غزة عام 1948, ثم وزيراً للمعارف في حكومة عموم فلسطين.
كتب الصالح الشعرَ الوطني المناهض للاستعمار البريطاني والداعي لتصعيد الثورة واستمرار النضال لطرد المستعمرين، ولكنه لم يُصدر مجموعة شعرية. وكتب مقالات فكرية وثقافية في الصحف والمجلات العربية آنذاك، طالب فيها بتوحيد العرب ورصّ صفوفهم لمجابهة أعدائهم، وقد ذيّل بعض هذه المقالات بتوقيع «بدوي الوادي».
عُيّن الصالح مديراً لمدرسة نور الدين زنكي في طولكرم حتى إحالته على التقاعد عام 1971. وانتُخب عضواً في المجلس البلدي في طولكرم أكثر من مرة. وتوفي يوم 10/3/1989.
تالياً نص القصيدة في الذكرى الرابعة والثمانين لاستشهاد القسّام:
افْتَتِـــــــــــــــــــــحْ بـالـــــــــفِــــــــــداءِ والآلامِ مَـنْهَــــجَ الحــــــــقِّ يــــا دمَ الـقسّــــــــامِ
وَمُرِ القومَ أنْ يَكُفّـــوا عنِ القَــــوْلِ فلــــــمْ نَنْتَفــــــِعْ بِـصَـــــوْغِ الـكَـــــــــلامِ
إنَّما نحـــــنُ في بــــــلاءٍ عظـيـــــــــــــــم لـيس يُجْدي بهِ سوى الصِّمصامِ
مَنْ رسـولـي إليكَ؟ أُلقي إليـــــــــــــهِ كيــــــف زَلْـزَلـــــــْتَ دولـــــــةَ الأوهـــــــامِ
كيف أبْطَلْتَ، في انصِبابِكَ للحقِّ زَكيـــــــــــــــّاً، عـبـــــــــــــــادةَ الأصنــــــــــــــــامِ
يا دَماً لمْ يُرَقْ عَلى سُـرُرِ الــــــــــــذُّلِّ ولكـــــــن أُهْــــــــرقَ فــــــــي الآجـــــــــــــــامِ
قد طَوَيْتَ القرونَ حتّى شَـهِدْنــــا بـــــــكَ عهـــــــدَ النَّبِـــــــيِّ والإســــــــلامِ
فتْرةٌ في الحيــــاةِ إنْ تَكُ يـومــــــــــاً إنَّمــــــــا نَيَّفـــــــَتْ علـــــــى ألـــــــْفِ عــــــــامِ
***
قُمْ إلى غـــــــابَ «يَعْبدٍ» غَيْـــــــرَ وانٍ قُمْ إلى ذلكَ المكـــــــانِ الحَـــــــرامِ
وَسَلِ الغابَ عنْ عصابـــــــةِ صـــــــِدْقٍ حينما أَقبلَ النَّـهـــــــارُ الدّامــــــــــــــي
مَوضِعٌ لو يُجيبُ أَصْدُقكَ القولَ وخــــــــيْرُ الحديـــــــثِ عندَ حَـــــــذامِ
فَرِحـــــــَتْ بالنّـــــــزالِ إمـــــــّـا لِـنَصْـــــــرٍ أو إلـــــــى ميتـــــــةِ الأُبـــــــاةِ الكِـــــــرامِ
والأبـــــــيُّ الكريـــــــمُ أَشهــــــى لديـــــــهِ مِن مَذاقِ الخُنوعِ, طَعْمُ الحِمامِ
أَحـــــــْدَقَ الجُنْدُ بالكُمـــــــاةِ وكانـــــــوا قابَ قَوْسَيْنِ مِنْ رَصاصِ الرّامي
وَهُمُ يَنـسِلـــــــونَ مِـــــــنْ كُـــــــلِّ حَـــــــدْبٍ ويَدِبّونَ تَحـــــــتَ جُـــــــنح الظّـــــــلامِ
أخَذوا للقتـــــــالِ عُدّتَـــــــهُ القُصـــــــْوى وَشَقــــــــــــــّوا لـــــــه سَبيـــــــلَ الـتّـمـــــــامِ
إيــــــــهِ جُنـــــــدَ البُغـــــــاةِ غـيـــــــرُ بَعيـــــــدٍ يومُكُـــــــمْ مِـــــــنْ مَصـــــــارِعِ الأيـــــــّاِم
وإذا نِلْتـــــــُمُ مـــــــن الـغـــــــابِ وِتْــــــــــــــراً فَهْوَ لمْ يَخْلُ، بَعْد،ُ من ضِرْغامِ
وأَتـــــــى الفجـــــــرُ مُؤْذِنــــــــاً بِـقـــــــراعٍ عَبْقَـــــــــــــــــــــريٍّ للّـــــــــهِ والأرْحـــــــــــــــامِ
لـيسَ منْ أَجلِ مَنْصِبٍ مُتَــــــــــــــداعٍ موشـــــــِكٍ أنْ يُـــــــداسَ بالأقـــــــدامِ
مَطْلَبُ الشّعبِ أنْ يُـرى مُسْتَقِلّاً رافِـــــــلاً فـــــــي سِـيـــــــادةٍ وســــــــلامِ
ورأى الغابُ بَعدَ ذاكَ نـــــــــــــــــــــزالاً شابَ منهُ الرَّضيعُ قَبلَ الفِطامِ
أقْدَمَ الثائِرونَ فيهِ على الـــــــموتِ جَريئيـــــــنَ أيُّمـــــــــــــــا إقْـــــــــــــــــــــــدامِ
يَتَلَقَّـــــــوْنَ بالصُّدورِ رَصــــــــــــــــــــاصَ الجُندِ طَوْراً، وتــــــــــــــارةً بالهــــــــامِ
ولَهُــــــــــــــمْ كَـــــــرّةٌ تَهـــــــُزُّ الرَّواســـــــي وَمَضـــــــاءٌ يَـفِـــــــلُّ حـــــــَدَّ الحُـــــــسـامِ
إنَّ إيــــــــــــــــــــــــــــمـانَهُـــــــمْ إذا فَصَّلـــــــوهُ لمْ يُطِقْ حَمْلَهُ جميــــــــعُ الأَنـــــــــــــــامِ
بـــــرَزوا يَتْبَعـــــــونَ شَيْخـــــــاً جَليـــــــلاً مِنْ قُدامـــــــى المَشائـــــــِخِ الأَعـــــــلامِ
ما رَأَتْ منـــــــهُ جاثِمـــــــاتُ الرَّزايـــــــا غَيــــــــــــــرَ نَـــــــدْبٍ مُجـــــــَرَّبٍ مِقـــــــدامِ
دونَ ما يَرْتَضـــــــي كِبارُ الأَمانـــــــي دونَ ما يَسْـتَطيـــــــعُ عَـــــــزْمُ الهُمـــــــامِ
فرَمَـــــــوْهُ مـــــــن نـــــــارِهِمْ بِشـــــــَواظٍ فَتَـــــــردّى عَلـــــــى الثَّـــــــرى بـِوســـــــامِ
وَقْفَةٌ لمْ يُدانِهــــــــا فـــــــي عُلاهـــــــا غَيْرَ أيّــــــــــــــامِ خالِـــــــدٍ فـــــــي الشّــــــــامِ
***
مَوْطِني إنْ يَلُمْكَ غَيْري فإِنـــــــّي لَسْـــــــــــــتُ يا موطِنــــــــــــــي منَ اللُـــــــوّامِ
حَقُّ مَنْ قَدَّمَ الضَّحايا تِباعــــــــــــــاً أنْ يُنَحّى عَنْ مَوْضِعِ الاتِّهـــــــــــــــــــــامِ