د. يوسف بكّار

(1)

فهذا العنوان يذكّرني بكتب ثلاثة:

الأول «ماذا يبقى منهم للتاريخ؟» لصلاح عبد الصبور (1961 و1997). وهؤلاء هم: طه حسين، وعبّاس محمود العقّاد، وتوفيق الحكيم، وإبراهيم عبد القادر المازني.

والثاني «ماذا يبقى من طه حسين؟» لسامح كريّم (ط2: 1977، بيروت).

والأخير «ماذا يبقى منهم للتّاريخ؟» لعصام محفوظ (دار الريّس، بيروت-لندن، 2000)، وهو يتحدث عن ثلاثة وثلاثين (33) أديباً ومفكّراً. منهم، مثلاً، غير ما في الكتاب الأوّل: أمين الرّيحاني، ولويس عوض، وسلامه موسى، ومحمد مهدي الجواهري، وأحمد زكي أبو شادي، وعبد الوهّاب البيّاتي، ويوسف إدريس.

فأمّا شاعرنا عِرار فحقيق بهذا العنوان، لأنّه باقٍ، أولاً وأخيراً، بمواقفه الجريئة وآثاره الأدبيّة في سياقٍ تاريخي كان وطنه فيه في طور التأسيس وشحيحاً بالمنجزات العلميّة والأدبيّة والثقافيّة، وسياقٍ اجتماعي محافظ لم يلتزم به كثيراً ؛ وكلاهما يختلف عمّا نحن عليه الآن وفيه.

حسبه، وهذا من أظهر باقياته، أن الجانبين الذاتي والغيري بارزان ومتداخلان في آثاره عامّة وشعره خاصة، فقد رسم بموضواعته المختلفة صورة صادقة لنفسه وأفكاره وأطواره والواقع الذي عاش فيه سياسيّاً ووطنيّاً واجتماعيّاً، وعبّر عن أصالة انتمائه لوطنه وحبّه إياه.

(2)

لا مناص، قبل أن ألج موضوع «الباقيات»، من أن أكشف اللّثام عن أربع مسائل عنه شاعت واستطارت توهماً، وفاء له وتنويراً لأجيال قادمة وتسجيلاً للحقيقة؛ وهي لقبه، وعنوان ديوانه، واسم مدينته التي وُلد فيها ومات، وريادته للشعر الحديث/ التفعيلة أو «الحرّ» كما كان يُطلق عليه آنذاك.

لقبه الصحيح هو «عِرار» (بكسر العين لا بفتحها). وقد أخذه من قول الشاعر عمرو بن شأس الأسدي في ابنه «عِرار»، الذي كانت أمرأة أبيه تؤذيه، ربما لأنّه كان يعاني الشيء نفسه من زوج أبيه:

أرادت عِراراً بالهَوان ومن يُرِدْ

عِراراً لَعَمْري بالهوانِ قد ظَلمْ

وإنّ عـراراً إن يـكـن ذا شـكـيمـة

تعـافونـها منه فـما حيـلةُ الشّـيَمْ؟

يقول البدوي الملثَّم (1): «وإذا عرف القارئ أن مصطفى كان ذا شكيمة لا تلين. وعزيمة لا ترهب الرّدى، عرف أن إعجابه بـعِرار صاحب الشكيمة الجاهليّة حمله في القرن العشرين على أن يختار (عِراراً) توقيعاً لمنظومه ومنثوره، إذ كان هازئاً بالحياة محتقراً أناسيها مسفّهاً تقاليدها».

الأهم أن الشاعر ذاته كان يعدّ نفسه ابن عمرو بن شأس الأسدي (نمره 2) في مقاله «قهقهتان ودمعة»(2)، و«عِرار» لغةً: صوت الظليم إذا صاح.

فأمّا عنوان ديوانه الوحيد «عشيّات وادي اليابس»، الذي صدر في ثلاث نشرات مختلفة، الأخيرةُ (تحقيق زياد الزعبي) أكملها وأغناها، وقد طُبعت، إلى الآن، أربع طبعات (1982 و1988 و2007 و2017)، فالشائع المتداول أنّه منسوب إلى «وادي اليابس»، واسمه الحالي «وادي الرّيان»، وقد عنونه بعنوان قصيدته «عشيّات وادي اليابس». يقول:

يا أختَ وادٍ قد دعوتُكِ باسمِه

وله نسبتُ تبرّكاً ديواني

فالقراءة المتأنية للبيت، ولا سيما «دعوتُكِ باسمِه»، تدل على أن اسم أخت الوادي هو «عشيّات» التي أضافها إلى «وادي اليابس» فأضحت «عشيّات وادي اليابس»، الذي غدا عنواناً للديوان كلّه تبركاً بها، وتقدمةَ احترام.

يؤيد هذا روايتان لروكس بن زائد العُزيزي: الأولى قوله(3): «سمّى ديوانه باسم الفتاة النّورية التي أحبّها اسمها (عشيّات). هذا ما قاله شاعرنا لي»؛ والأخرى(4) ما نقله عن صديقه «زعل القسوس» أنّ «عشيّات» ليست جمع «عشيّة»، بل هي فتاةٌ اسمها «عشيّات» عرفها من كثب، لأنه كان يذهب مع عِرار إلى «وادي اليابس» حيث كانت مضارب «إخوان سلمى» (النّوَر).

أما مدينته، التي تُنْطق الآن «إرْبد» (بكسر الهمزة) فنطقُها الصحيح » أَرْبد». يقول ياقوت الحموي(5): «أَرْبد بالفتح ثم السكون والباء الموحّدة: قرية بالأردن قرب طبريّة». و«الربُّدة» هي «الغُبرة». وفي مقال الشاعر مصطفى وهبي التل «أصدقائي النّوَر»(6) ما يشي بشيء من هذا حين كانت «أَربد» قرية، وقبل أن تصير مدينة.

وأمّا ريادته للشعر الحر، كما كان يُطلق عليه آنذاك، فكان فايز صيّاغ أول من نادى بها في مقاله «مصطفى وهبي التّل» في مجلة «الأفق الجديد» بعددها الممتاز عن الأردن (العدد 1. السنة الخامسة 1966، ص58-64). وقد رددت عليه بمقالي «مصطفى وهبي التّل والقصيدة الحديثة» في جريدة «فلسطين» المقدسيّة بتاريخ 23/2/1966 بعد أن كنت نشرت مقالتي «نازك الملائكة وبداية الشعر الحر» بمجلة «الأقلام» العراقيّة (العدد 7، السّنة الأولى. آذار 1965، ص108-110)، التي سردت فيها عدداً من المحاولات، التي يعود تاريخ بعضها إلى عام 1925، وهي محاولة?نجيب محفوظ، وبعضها إلى عام 1937، وهي محاولة لويس عوض في قصيدته «كيريا لايسون».

ورسختْ مقولة فايز صيّاغ في أذهان عددٍ من الدارسين والباحثين من مثل: هاني العمد(7)، وزياد الزّعبي (مقدمة الديوان)، وأحمد محمد مشرف(8)، وعبد الفتّاح النجّار(9)، وأحمد الحراحشة(10).

ثم أضحت كأنّها حقيقة على الرّغم من أنّ مسألة الريادة ما زالت محلّ جدل وخلاف ولا سيّما بين العراقيِّين نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وشاذل طاقة، وإنّ أصرّت نازك على القول: «كانت بداية حركة الشّعر الحرّ سنة 1947 في العراق. ومن العراق، بل من بغذاد نفسها، زحفت هذه الحركة وامتدّت حتى غمرت الوطن العربي كلّه وكادت... وكانت أوّل قصيدة حرّة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة (الكوليرا)»(11).

ولقد ارتفعت، لهذا، أصوات كثيرة أنكر بعضها على الشّاعرة ما ادّعته من ريادة، ونبّه آخرون على محاولات سابقة لها في غير قطر من الوطن العربي(12).

ليس من شكّ في أنّه انبجست من هذا كلّه فكرة التمييز بين مرحلتين في حياة هذا الشّعر: مرحلة التجارب الأولى (1926-1946) عند أحمد زكي أبو شادي ومدرسته وغيرهم؛ ومرحلة الرّيادة الحقيقيّة التي بدأت عام 1947 على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب(13).

الطّريف أنّ نازك الملائكة نفسها ذهبت هذا المذهب بدءاً من الطبعة الخامسة من «قضايا الشّعر المعاصر» ردّاً على منتقديها الكُثر(14)، وتساءلت: «هل نستطيع أن نحكم بأنّ حركة الشّعر الحرّ بدأت في العراق سنة 1921 أو أنّها بدأت في مصر سنة 1932؟»(15). فأجابت: «الواقع أنّنا لا نستطيع، فالذي يبدو لي أنّ هناك أربعة شروط ينبغي أن تتوافر لكي تُعتبر قصيدة ما أو قصائد هي بداية هذه الحركة». والشّروط هي:

1. أن يكون ناظم القصيدة واعياً أنّه قد استحدث قصيدته أَسلوباً وزنيّاً جديداً سيكون مثيراً أشدّ الإثارة حيث يظهر للجمهور.

2. أن يقدّم الشّاعر قصيدته تلك (أو قصائده) مصحوبه بدعوة إلى الشّعراء يدعوهم فيها إلى استعمال هذا اللّون في جرأة وثقة، شارحاً الأساس العروضي لما يدعو إليه.

3. أن تستثير دعوته صدى بعيداً لدى النقّاد والقرّاء فيضجون فوراً -سواء أكان ذلك ضجيج إعجاب أم استنكار- ويكتبون مقالات كثيرة يناقشون فيها الدعوة.

4. أن يستجيب الشّعراء للدعوة، ويبدأوا فوراً باستعمال اللون الجديد، وتكون الاستجابة على نطاق واسع يشمل الوطن العربي كلّه.

وخلصت إلى أنّه «لو تأملنا القصائد الحرّة التي ظهرت قبل عام 1947، لوجدناها لا تحقّق أيّاً من هذه الشروط... وقد كانت كلّها إرهاصات تنبئ بقرب ظهور حركة الشعر الحر».

إن هذا يتواءم مع ما قاله فايز صياغ نفسه: «الريادة ليست مجرّد توقيت زمنّي، بل هي في جوهرها إعطاء نماذج شعريّة تستحيل مع الزمن والتجربة إلى خميرة ثقافيّة وجزء لا يتجزأ من التراث»، ويتواءم مع قول أحمد مطلوب(16): «ولم يخرج عرار من قصيدة الشّطرين إلّا ما جاء في قصائده الثلاث، التي كانت محاولة يلمح منها أنها بوادر شعر حرّ ».

ورأى أحمد أبو مطر في قصيدتَي «متى» و«يا حلوة النّظرة» لعرار، أنه «ساقتهما ضرورة التعبير... وعفويته الشديدة. لذلك فهو لم ينتبه إلى تمييزهما عن غيرهما من أشعاره، ولم يشر إليهما مجرد إشارة »(17).

وذهب محمود مهيدات إلى أن «في هذا حماساً زائداً عن الحق، إذ أن عراراً أراد من نماذج الشعر هذه أن يقلّد شعراء الاندلس ليس إلّا»(18). ناهيك بأن النماذج ظلّت مدفونة مجهولة في أوراقه الخاصة لا يدري بها أحد، ولم تترك أثراً في غيره من الشعراء.

(3)

الشعر والترجمة يظلّان ميدان شاعرنا الأول والأفسح، ناهيك بآثاره النثريّة من مقالات وقصص ونقد ورسائل أخذ المخطوطُ منها يُنشر تباعاً في خلال مئويته عام 1999 وبعدها. وقد كان للدكتور زياد الزعبي النصيب الأكبر والأوفى في عنايته بشعر عرار وأعماله النثريّة، وبعث وثائقه المتوافرة وتوثيقها بمشاركة د.أسامة عايش في خمسة (5) مجلّدات صدرت مصوّرة عن كرسي عرار بجامعة اليرموك (2012 و2013 و2015). وكان لي السبق في تحقيق ترجمة عرار لعدد من رباعيّات الخيّام واستخراج أصولها الفارسيّة، وتقويم ما دلف إليها من أود، فضلاً عن بحوثٍ ?نه وعنها.

كثيرة هي الدراسات كتباً وبحوثاً ومقالاتٍ التي كتبت عن مصطفى وأدبه، وهي تجمع بين العلميّ الأصيل، والحماسيّ السريع، والإنشائيّ المرتجل، والمكرّر المعاد، حتى قيل: لقد أُشبع (عشيّات وادي اليابس) بحثاً. قال محمود السمرة(19): «ويبقى عرار... شاعراً لم ينل من عناية الدارسين ما يستحق حتّى الآن، وما زال مجال القول فيه واسعاً». وقال محمود الريماوي(20): «إن عراراً ما زال يبحث عمّن يضعه في مكانه الصحيح على خارطة الشعر العربي. فرغم شعبيته العريضة وذيوع صيته بعد أن بدأ بعض النقّاد والكتّاب و الأكاديميين بالاهتمام بشعره، فما زلنا نفتقد إلى (الناقد الفاحص) الذي يوفيه حقّه، ويلقي الأضواء التحليليّة الكاشفة على أسلوبه الشّعري ومضامينه الإنسانيّة، وقاموسه اللغوي الفريد».

وقال زياد الزعبي(21): «كلّ الذين كتبوا عن عرار اتجهوا إلى عرار الشاعر؛ ونحن إذا كنا نوافقهم على أن عراراً الشّاعر أشهر من عرار المترجم، وأشهر من عرار الناثر، إلّا أنّنا نرى أن هذا لا يمنع من أن نتجه إلى دراسة عرار في جوانبه هذه». وقال، كذلك(22): «إن الرجل لم يُعرَف المعرفةَ الحقّة بعدُ، ولم يُدْرَس الدراسة الكافية بعدُ؛ ولم أستطع كفرد أن أخرج آثار عرار الكاملة التي تنتمي إلى أجناس أدبيّة مختلفة الأمر الذي يفتح باب التساؤل على مصراعيه: مَن المسؤول عن التقصير؟ ومن المسؤول، بالتالي، عن الإنجاز سواء على صعيد الأديب الفرد أو على صعيد الإطار الثّقافي للقطْر والبيئة المحليّة؟».

لهذا فثمّة أمور لمْ تستوفَ بعد، وهي باقياتٌ لا بدّ من تتبعها والبحث عنها ودراستها.

***

تطالعنا، بين الحين والحين، مجهولات عن أخباره. ذكر محمد نزّال العرموطي(23): «ومن الأحداث التي يجدر ذكرها عام 1941 عند قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني «تحمّسَ الطلّاب، ولا سيّما طلاب الثاني ثانوي، وشجعهم بعض الأساتذة من طرف خفيّ، فقاموا بمظاهرة تأييداً لثورة الكيلاني... وعندما علم وزير الدّاخلية آنذاك المرحوم شكري شعشاعة بالمظاهرة أرسلَ مفتش المعارف المرحوم مصطفى وهبي التّل ليثني الطلّاب عن التّظاهر ويهدّئ الوضع. فجاء مصطفى التّل إلى الطلاب المتظاهرين، وجمعَهم في مكان عام وألقى فيهم خطاباً وطنيّاً، وقال لهم: يا شباب، اليوم ولا كلّ يوم، اليوم ولا غد، اليوم ما في ردّ. سيروا على بركة ا?له».

ويقول زياد أبو غنيمة(24): «كان عرار مع العديد من أبناء إربد يدْرس في (مكتب عنبر) في دمشق. قاد في عام 1914، وهو في الرابعة عشرة من عمره، إضراباً لطلاب مكتب عنبر في دمشق تضامناً مع إضراب دعا له رجالات الحركة الوطنيّة العربيّة احتجاجاً على مظالم السّفاح جمال باشا... وعوقب عرار على دوره في إنجاح الإضراب بنقله إلى المكتب السلطاني في بيروت نقلاً تأديبيّاً لمدة عام. ولمّا عاد إلى مكتب عنبر، بعد انقضاء العام، عاود نشاطه في تنظيم الإضرابات والمظاهرات ضدّ حكم الأتراك الاتحاديين فنُقل مع زميله محمد صبحي أبو غنيمة نقلاً تأديبيّاً لمدّة عام إ?ى مكتب تجهيز حلب (مدرسة ثانويّة). وعندما عاد إلى مكتب عنبر في دمشق كان الملك فيصل بن الحسين بن علي قد أعلن قيام الدولة العربيّة برئاسته، واتّخذ من دمشق عاصمةً لها بعد أن انسحب الأتراك من البلاد العربيّة؛ ولكنّ المستعمرين الفرنسيين وبالتواطؤ مع حلفائهم المستعمرين الإنجليز لم يَرُق لهم قيام دولة عربيّة في دمشق، فأعلنوا عزمهم على مهاجمة دمشق للقضاء عليها؛ فقام عرار مع رفاقه في مكتب عنبر بتحويل قاعات المدرسة وساحاتها إلى ميدان للتدريب على السّلاح لمقاومة الفرنسيين».

***

لا مشاحة في أن شعر مصطفى لم يصل إلينا كاملاً. فثمّة استدراكات لمحمد رفيع، الذي أثنى على عمل زياد الزعبي ثناء جميلاً، ثم قال(25): «ولأن عمل الدكتور الزّعبي في الديوان علميّ بامتياز، فلا يضرّه أن يضيف إليه أحد شيئاً، أو أن يُسقط منه شيئاً كما فعل في الطبعة الثانية، أو حتّى إذا اختلف معه أحد في الكثير ممّا اجتهد. فالعلم كما يقول مفكّر لبناني (يفرح في فوضى التكوين)، بل إنّه يغتني ويزداد أصالة، ويبقى لصاحبه فضل الريادة العلميّة. ولأن هذا ما سأحاوله الآن ولاحقاً، وهو الاختلاف مع الدكتور الزّعبي في الكثير ممّا حقّق، وكذلك بالإسقاط من الديوان والإضافة إليه. لكلّ هذا أكرّر الإشارة بما أنجزه الدكتور. وما سأضيفه هنا ليس إلّا القليل من شعر لع?ار لم يُنشر من قبل، على أن يأتي الباقي لاحقاً وفي سياقه... والقصائد كلّها تعود إلى الفترة (1931-1933)».

لقد اعتمد محمد رفيع على مخطوط «مذكرّات مدرسيّة» لسامح حجازي، أحد أصدقاء عرار، وأثبت أربعة نصوص له، وثلاثة سمّاها «مشتركة»، و«مشطّرات» بين الأصدقاء الثلاثة مصطفى وسامح حجازي ومحمد صبحي أبو غنيمة. ثم ركّز على أنّ حفظ تاريخ تلك الحقبة من الضياع يعود إلى سامح حجازي ويومياته المتّصلة (1914-1921)، وقال: «وبالعودة إلى ديوان العشيّات فأستطيع القول إنه بعد تحقيق (يوميّات سامح حجازي) فستسقط الكثير من القصائد من (بواكير عرار)، وسيتغير الكثير ممّا هو معروف عن بدايات عرار الشعريّة والسياسيّة والاجتماعيّة أيضاً».

وأضيف أن صديقي طلال حجازي ألقى الضوء على أوراق سامح حجازي، وكشف أموراً عن عرار جديرة بالتّدبر(26).

فأمّا كتاب الدكتور عبدالله مطلق العسّاف «عرار شاعراً وناثراً: الأعمال الشعريّة والنثريّة لمصطفى وهبي التّل في صحيفة (الأردن)» (دار الصّايل، عمّان، 2013)، ففيه قصائد ومقطوعات ليست في الديوان، فضلاً عن أبيات من قصائد وردت فيه وأخرى ناقصة بعض الأبيات، وغيرها فيها اختلافات عمّا فيه، وروايات ونصوص لأبيات لم تُذكر في المتن والهوامش، وعناوين لنصوص وأخرى مختلفة (ص31-39).

أمّا الاعمال النثرية، فتتضمن «أمالي عرار» والمقالات والخواطر، وترجماته القانونية عن التركيّة، بالإضافة إلى ردود الكتّاب وتعليقاتهم عليه شعراً ونثراً.

وقد عرض د.حمد الله المناصير للكتاب، فقال عن الأشعار(27): «وهي تسهم كثيراً في كشف جوانب كثيرة لم يتطرق إليها الباحثون في حياة الشّاعر»، وقال عن الكتاب كلّه: «هذا الكتاب يضيف الكثير إلى ما ينفع الدارس لشعر عرار. والسؤال هنا: هل نحن بحاجة إلى العودة مرّة أخرى للبحث في مصادر شعر عرار ونثره المتعدّدة لكي نطمئن على تاريخه؟».

وثمّة أشعار نبطيّة وشعبيّة في المجلد الرابع من وثائق مصطفى وهبي التل (ص113-117).

أليست هذه الاستدراكات، والأشعار المكتوبة بخطوط المهتمين بشعر عرار وليست في الديوان، بل في الوثيقة (75) من المجلد الرابع، التي تحتوي، كذلك على أبيات هجائية للسلطة، أليست من «باقيات» للشاعر قمينة بالمراجعة والدّرس لعلّها تضيف جديداً إلى ما هو معروف ومتداول؟

***

فأمّا آثار عرار النثريّة من مقالات ومحاضرات وقصص ونقد ورسائل منشورة ومخطوطة ومفقودة ومنشورة ناقصة فكثيرة. ولزياد الزعبي اليد الطولى في بعث أكثرها في كتبه الثلاثة: «على هامش العشيّات» (1999)، و«قراءات: مقالات ونصوص ثقافيّة» (2002)، و«عرار والخيّام» (2003). وقد سبقه يعقوب العودات (البدوي الملثّم) ومحمد كعوش ويوسف بكّار إلى نشر بعضها، وتلاه عبدالله العسّاف في نشر أُخرى كما سلف.

فمن المفقود، الذي ربما لم يتمّه أو يكتبه، كتابه عن عمر الخيّام، الذي كان بحثه «توطئة»(28) –فيما يُظَنّ- مقدمة له. فأما كتاب «أوراق عرار السياسيّة: وثائق مصطفى وهبي التل» (1980) لمحمد كعوش المستخرَج من صحيفة «الكرمل» فناقص، لأنّه يضم ثلاثة وثلاثين مقالاً فقط(29). وعني زياد الزّعبي، أيضاً، بنشر عدد من رسائل عرار إلى بعض أصدقائه ومعاصريه، كعمر العمري (على هامش العشيّات) وسليمان النابلسي، ورسائل عدد منهم إليه كعيسى الناعوري وأبي سلمى (أحمد شاكر الكرمي) وسعيد الدرّة (قراءات: مقالات ونصوص ثقافيّة). غير أنّ ثمّة رسائل أخرى كرسالته إلى إبراهيم طوقان(30)، ورسائله إلى أهله وذوي قرباه لمّا تُنشر.

أمّا رسائله الثماني إلى د.محمد صبحي أبو غنيمة المنشورة في كتاب «سيرة منفيّة: من أوراق صبحي أبو غنيمة»(31) (ص493-530) فثريّة بما فيها ولمّا تدرس، ولم يُعتنَ بها، وبالكتاب أيضاً، الاعتناءَ المطلوب، على الرّغم من أنّ الكتاب قرأه ونظر فيه اثنان لا واحد. إن جميع هذه الرسائل «تلقي أمام الباحث أضواء كاشفة يستطيع في ضوئها أن يتبين جوانب هذه الشخصيّة الفنيّة، وخاصة من الناحيتين الاجتماعيّة والنفسيّة»(32).

لا بدّ، إذاً، من جمع آثار عرار المشتتة وتجميعها، ثم تحريرها وتنقيتها ممّا قد يكون دلف إليها، ونشرها في كتاب، ودراسة ما لم يدرَس منها. وقد وعد زياد الزعبي بأن يصدرها في كتاب بعنوان «آثار مصطفى وهبي التل الكاملة». آمل أن يبرّ بوعده، فهو على هذا قدير وبه جدير.

هوامش



(1) عرار شاعر الأردن، ص197. وزارة الثقافة، عمان، 2011.

(2) زياد الزعبي: على هامش العشيّات، ص222 و223 و224. المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 1999.

(3) المجلة الثقافيّة، الجامعة الأردنية، عمان. العدد 47، نيسان-تموز 1999.

(4) ثلاث حقائق يجب أن تُجلّى. صحيفة $، عمّان، الجمعة، 13/6/1986.

(5) معجم البلدان 1: 136. دار الكتاب العربي، بيروت (د.ت).

(6) زياد الزعبي: على هامش العشيّات، ص222 و223 و224. مصدر سابق.

(7) مجلة أفكار، عمّان، العدد 12، أيّار 1967، ص43.

(8) الشعر الحرّ في الأردن 1942-1967، جامعة البصرة، 1990.

(9) التجديد في الشعر الأردني، دار ابن رشد، عمّان، 1990.

(10) الشعر الحر في الممكلة الأردنيّة الهاشميّة 1948-1967. وزارة الثقافة، عمّان، 2017، ص54-58.

(11) قضايا الشعر المعاصر، ص23.

(12) راجع، مثلاً: س. موريه: الشّعر العربي الحديث ومصادره، ص288-290. ترجمة شفيع السّيد وسعد مصلوح. دار الفكر العربي، القاهرة، 1986.

(13) المصدر نفسه، ص275-282.

(14) قضايا الشعر المعاصر، ص14-17. ط 7: 1983. دار العلم للملايين، بيروت.

(15) ذكرت التاريخ الأول (1921) لأن الدكتور أجمد مطلوب ذكر في كتابه «النقد الأدبي الحديث في العراق» قصيدة لشاعر عراقي عنوانها «بعد موتي» نشرتها جريدة «العراق» ببغداد في ذلك العام باسم مستعار (ب. ن)؛ وذكرتُ التاريخ الآخر (1932) لأنّه قيل إنه بدأت تظهر فيه قصائد من هذا الشعر في المجلات الأدبيّة.

(16) عرار والتراث في كتاب: مصطفى وهبي التل (عرار): قراءة جديدة، ص467. المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 2002.

(17) عرار الشاعر اللامنتمي، ص254-255. صبرا للطباعة والنشر، دمشق. ط2، 1987.

(18) اتجاهات شعراء شمالي الأردن 1920-1980: دار ابن رشد، عمّان، 1985.

(19) مقدمته على كتاب: مصطفى وهبي التل (عرار): قراءة جديدة، ص12. مصدر سابق.

(20) جريدة $، عمّان، 22/4/1999.

(21) قراءات: مقالات ونصوص ثقافية، ص115. وزارة الثقافة، عمّان، 2002.

(22) من حوار ناصر علي ومحمد جميل خضر معه. المجلة الثقافية، الجامعة الأردنيّة. العدد 47، 1999.

(23) جريدة «الدستور»، عمّان، السّبت 9 أيّار 2009. ص21.

(24) جريدة «الدّستور»، عمّان. الأحد 29 تموز 2012. ص39.

(25) جريدة $، عمّان. العدد 12240. الجمعة 26 آذار 2004.

(26) عرار: مدرسة العروبة وأوراق سامح حجازي. جريدة $، عمّان. الجمعة 28/5/1999. ص 19. وراجع مقالي «طلال حجازي ومصطفى وهبي التّل» في كتابي: الكنانة والسهم: هوامش نقديّة، ص35-39. الأهليّة للنشر والتوزيع، عمّان، 2016.

(27) صحيفة $، عمّان، العدد 15453، الجمعة 5 شباط 2013، ص8.

(28) راجع «عرار والخيّام»، ص28-29. مصدر سابق.

(29) زياد الزعبي: عرار إضاءات جديدة. المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، عمّان. العدد 47، 1999. ص18.

(30) في «عرار شاعر الأردن» جزء من هذه الرسالة، ص283.

(31) جمعته كريمته هدى أبو غنيمة وأعدتّه. المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 2001.

(32) زياد الزعبي: قراءات، مقالات ونصوص ثقافيّة، ص116. مصدر سابق.