الرأي - وكالات

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي استقالتها في خطاب مؤثر الجمعة لينتهي بذلك عهدها الذي استمر ثلاث سنوات خيّمت عليها الأزمات بشكل شبه متواصل على خلفية بريكست.

وازداد في ضوء ذلك احتمال خروج لندن من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق في وقت لاحق هذا العام.

وأُجبرت ماي، التي تولّت منصبها في أعقاب استفتاء بريكست عام 2016، على الاستقالة بعد تزايد الرفض في صفوف حزبها لاستراتيجيتها التي فشلت حتى الآن في إنهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي التي استمرت لنحو خمسة عقود.

وقالت في تصريحات أدلت بها خارج 10 داونينغ ستريت حيث بدا عليها التأثّر إن "عدم قدرتي على إتمام بريكست أمر مؤسف للغاية بالنسبة لي وسيكون كذلك على الدوام".

وأضافت "سيكون على الشخص الذي سيخلفني السعي للمضي قدما بطريقة تحترم نتائج الاستفتاء".

وأفادت ماي (62 عاما) أنها ستستقيل من رئاسة الحزب المحافظ في السابع من حزيران/يونيو. وستبقى رئيسة وزراء لتصريف الأعمال إلى حين انتخاب حزبها بديلا منها قبل 20 تموز/يوليو.

ويتولى زعيم الحزب المحافظ الحاكم رئاسة الوزراء بشكل تلقائي.

- إعلان مهين -

وستصبح ماي بين رؤساء الوزراء البريطانيين الذي قضوا أقصر فترات في مناصبهم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ سيتم تذكر حقبتها كإحدى أكثر الفترات فوضوية في تاريخ البلاد السياسي الحديث.

ودُفعت ماي لإعلان الاستقالة المهين الذي تم ترتيبه على عجل بعد لقاء عقدته مع زعيم لجنة الحزب المحافظ المعنية بانتخابات القيادة.

وتعهدت في الماضي أن تستقيل فور إقرار البرلمان لاتفاق بريكست الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي وقوبل برفض واسع في بريطانيا. وأطلقت مسعى لم يدم طويلا هذا الأسبوع لإقناع النواب بإقراره في مطلع حزيران/يويو، وهو أمر تأجّل الآن.

ورفض مجلس العموم اتفاق الانسحاب الذي أبرمته مع قادة الاتحاد الأوروبي العام الماضي ثلاث مرّات.

- مرحلة محفوفة بالمخاطر -

ومع استقالتها، باتت الطريقة التي ستنسحب بريطانيا عبرها من الاتحاد الأوروبي أكثر ضبابية من أي وقت.

وكانت بريطانيا أجّلت مرتين موعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي ويرجح الآن أن تخرج من التكتل بدون اتفاق في 31 تشرين الأول/أكتوبر، وهي المهلة الاخيرة التي تم الاتفاق عليها مع بروكسل الشهر الماضي.

وفيما وعدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالعمل من أجل "بريكست منظم"، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمعة أنّه يشعر بالأسى على رئيسة الوزراء البريطانية، مضيفا "أنا معجب بها كثيراً. إنها امرأة جيدة".

ورأت إسبانيا أن خروج لندن من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق يبدو أمرا لا يمكن تجنبه، بينما حذر رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار من أن استقالة ماي تدخل عملية بريكست في مرحلة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لدبلن.

بدورها، أكدت المفوضية الأوروبية أن استقالة ماي "لن تغيّر شيئا" في ما يتعلق بمحادثات بريكست.

وتراجع الجنيه الإسترليني عقب إعلان ماي وأشار المتداولون إلى أن الكثير يعتمد على الشخصية التي ستخلفها.

- "اساءت تقدير المزاج العام" -

وواجهت ماي ضغوطا متزايدة للاستقالة بعد شهور من الشلل السياسي بشأن بريكست والذي تفاقم خلال الأسابيع الأخيرة في أعقاب النتائج الكارثية التي حققها حزبها في الانتخابات المحلية التي جرت في الثاني من أيار/مايو.

ويتوقع أن يحقق المحافظون نتائج سيئة مجددا في انتخابات البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع والتي ستعلن نتائجها في وقت متأخر الأحد.

وقال نايجل فاراج، الذي يتوقع أن يحقق حزبه انتصارا مهما في الانتخابات الأوروبية، إن ماي "أساءت تقدير المزاج العام في البلاد وداخل حزبها".

وأضاف "غادر زعيمان من الحزب المحافظ كانا مؤيدين للاتحاد الأوروبي. إما يتعلم الحزب الدرس وإما سيموت".

وجاءت نهاية عهد ماي بعد محاولتها الأخيرة تمرير اتفاقها المرتبط ببريكست والتي شملت منح النواب خيار إجراء استفتاء على الاتفاق.

وأثار التحرّك ردود فعل غاضبة لدى المحافظين بينهم أعضاء في الحكومة.

وتؤذن استقالة ماي ببدء المنافسة على رئاسة الحزب -- التي بدأت بشكل غير رسمي -- ويتوقع أن تشمل أكثر من عشرة مرشحين يتصدرهم المدافع الشرس عن بريكست بوريس جونسون.

وسيجري نواب الحزب المحافظ عدة جلسات تصويت لتقليص عدد المتنافسين إلى اثنين سيصوت عليهما أعضاء الحزب الذي يتجاوز عددهم 100 ألف.

ويبدو وزير الخارجية السابق جونسون الأوفر حظا للفوز لكن يعتقد أن لدى نواب محافظين عديدين تحفّظات عليه.

وفي تعليقه على إعلان استقالة ماي، قال جونسون في تغريدة "شكرا لخدماتك الدؤوبة التي قدمتها لبلادنا ولحزب المحافظين. لقد آن الاوان لمتابعة ما كنت تطالبين به: الوقوف معا وإنجاز بريكست".

ولطالما أكد جونسون أن على بريطانيا ألا تقلق من إتمام بريكست بدون اتفاق.

- "لا تملك إرثاً" -

وحققت ماي فوزا مفاجئا في انتخابات 2016 للحلول محل رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بعدما استقال في أعقاب استفتاء بريكست.

ورغم أنها كانت من المدافعين عن البقاء في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تبنت شعار "بريكست يعني بريكست".

لكن قرار إجراء الانتخابات المبكرة الكارثي في حزيران/يونيو 2017 عندما خسرت غالبيتها البرلمانية، تركها في وضع حرج.

وشهدت حكومتها التي طغت عليها الانقسامات استقالة 36 وزيرا، وهو عدد قياسي.

وستغادر ماي الحكومة بدون تحقيق أي إنجازات مهمة، بحسب محللين سياسيين.

وقال سايمون آشروود من قسم السياسة في "جامعة سري" "لا تملك إرثاً. أعتقد أن أي شخص في مكانها كان سيواجه صعوبات كبيرة".

لكن تيم بايل من كلية "كوين ماري" في جامعة لندن، كان أكثر قسوة فقال "كانت مهمتها مستحيلة لأنها جعلتها كذلك".