يغيب المسرح الكوميدي السياسي الناقد والذي يستند إلى النص المحترف والممثل القدير والمخرج صاحب التجربة، لصالح المسرح المبتذل القائم على النكتة الخفيفة والتي لا تحمل أي معنى اجتماعي أو سياسي أو ثقافي، الأمر الذي يجعلنا نطرح التساؤل المهم حول ما يقدم في رمضان من أعمال ساخرة بعد أن غابت الأعمال المسرحية المهمة، وغاب الجمهور لصالح الأعمال الساذجة والمفرغة من المعنى الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي افقد المسرح هيبته وقدرته على التأثير.
كان الجمهور الملتزم ينتظر أعمال رمضان بفارغ الصبر، خاصة تلك التي يقدمها الفنان الأردني والذي يعرف جيدا حاجة جماهيره، ويعرف جيدا ما هي الرسائل التي يريد إيصالها، والسقوف الأخلاقية التي يعرف حدودها، إلى أن تراجع هذا المسرح لصالح الإسفاف الغريب على تقاليد المسرح الأردني وساد مكانه المسرح الذي يتكئ على النكت السخيفة والتي تهز جميع السقوف الأخلاقية بدعوى الحرية، ولا يناقش أي قضية فكرية أو سياسية إنما فقط غايته الضحك.
الرأي استطلعت آراء مخرجين وممثلين ونقّاد حول غياب المسرح الكوميدي الأصيل عن ليالي رمضان، وحضور المسرح اللقيط أو التهريج.
صوالحة: النص الكوميدي الثاقب
الفنان الكوميدي نبيل صوالحة قال: لا شك أن التفكير بمسرح «ستاند أب» بدأه الأردن وللأسف سيموت في الأردن، وان هذا المسرح قدم الكثير على الساحة الأردنية من خلال سقف الحرية العالي في الأردن والذي أتاح لنا قول ما نريد تحت سقف الوطن والنقد الحقيقي والمهم دون المساس بالثوابت، وحركنا الخطوط الحمر دون أن نخدشها.
واضاف ان الأخوة العرب حاولوا أن يقدموا «ستاند اب» شبيهاً فيما نقدم لكنهم لم ينجحوا، بسبب أنهم لا يمتلكون الحرية التي نمتلكها، فسقطوا في فلك النكتة الجنسية غير الناضجة والتي لا تحمل معنى غير الإضحاك المبتذل وسقطوا أيضا في فخ عدم معرفة مزايا وثقافة حاجة المجتمع الأردني مما جعلهم لا يحسنون ما يقدمون.
وبين: نحن بدأنا في مرحلة مهمة سياسيا في بدايات التسعينات وكان جلالة الملك يرغب في أن يكون الفنان مساندا للسياسي، وجئنا بالوقت المناسب والموضوع المناسب وكنا كفنانين انعكاسا للوضع وبدون أجندات وكنا مع الوطن وبأسلوبنا الساخر، فالتقيت أنا وهشام وأكملنا بعضنا البعض من خلال تنوع التجربة والثقافة وإننا الاثنان عايشنا جميع التجارب العربية الامر الذي شكل لدينا مخزونا هائلا وكنا ندرس العمل جيدا لذلك تميزنا بالنص الثاقب والإخراج الكوميدي الجميل وهذا خلق لنا جمهورنا.
وزاد للأسف بعد ذهابي للدراسة انطلق هشام وحده حتى مرضه، ثم عدت أنا وقدمت حوالي 12 عملا، ولأننا في ساحة لا تكرّم من فيها دخل اللبناني والمصري وكرسوا النكتة الجنسية بديلا للعمل الجاد، إضافة إلى أننا مع هذا الجيل الجديد ووسائل التواصل الجديدة قد أصبح لدينا ثقافة جديدة وأصبح الفراغ سيد المشهد مما جعل الأفكار المتطرفة تملأ هذا الفراغ.
واشار صوالحة إلى انه سيقدم 7 عروض فقط خلال رمضان، لأنني لا استطيع أن اعرض طوال فترة رمضان.
الضمور: ما يقدم في رمضان الآن تقليد وتهريج
الممثل والمخرج المسرحي محمد الضمور اوضح ان المسرح اليومي أو الكوميدي الذي انتشر في بداية الثمانينات كان هنالك أسباب مهمة وحاجة ملحة لظهوره، جاءت من خلال ظهور وجوه جديدة وكوميدية على شاشة التلفزيون ومن خلال بعض الأعمال كمسلسل «حارة ابو عواد» الذي خرج نجوما كوميدية مهمة مثل حسن إبراهيم وموسى حجازين وربيع شهاب، ولذلك ساعدت الشخصيات التي أحبها الناس تلفزيونيا في انطلاق المسرح الكوميدي وكان لها جمهورها، حتى أن هنالك من فتح مسارح خاصة به بقيت مستمرة لنهاية الثمانينات، ثم بدأت الأزمة والتي جاءت من غياب الصف الثاني للممثلين النجوم الأوائل وبقي هذا الفن محصورا بهم، إلا أن ربيع شهاب استمر حتى مرضه الأخير ليختفي مسرحه باختفائه، وهذا يعني انه بمجرد اختفاء النجم الأوحد يختفي مسرحه وتجربته، وهذا حصل أيضا مع موسى حجازين وغيرهم، مما ساعد على اختفاء المسرح اليومي.
وقال: مخرج مسرحية «الآن فهمتكم»: في بداية التسعينيات وبعد أزمة الدراما وبسبب وجود جمهور يستطيع الدفع قادم من الكويت ومن فلسطين بعد اتفاقية السلام، عاد المسرح اليومي للظهور من جديد لكنه أيضا بقي مرتبطا بأسماء محددة.
وارجع الضمور السبب بعدم وجود جيل جديد الى تراجع الدراما الأردنية التي تعتبر منجما مهما لهؤلاء النجوم واختفاء المسرح اليومي نفسه واختصار ذلك على رمضان، ورغم ذلك كان هنالك تجارب مهمة منها تجربة مسرحية «الآن فهمتكم» والتي استمرت على مدار 18 شهرا؛ والسبب هو بالتأكيد وجود نص وممثل ومخرج، إضافة إلى أن الساحة العربية كانت تمور بأحداث الربيع العربي، وان المسرحية كانت تتابع يوميا الاحداث وتنقلها من خلال سياقات العمل المتجدد، مما أعطى العمل روحا جاذبة للمتابعة، إضافة إلى السر المهم وهو زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، للمسرحية وحضوره ومتابعته لها، وانه صرح بشكل غير مباشر أن هذا العمل يعطي تقريرا واضحا عن الوضع الاجتماعي والسياسي مما أعطى العمل دفعة مهمة إضافة إلى أن هنالك العديد من القرارات التي اتخذت نتيجة لمتابعة هذا العمل، وهذا هو ما نريد أن نقوله: إن المسرح يجب أن يؤثر إذا كان مسرحا، واليوم وبحضور كل أسباب الرفاهية لا يمكن لأحد أن يتابع إلا إذا كان العمل جاذبا وبالتالي هذا تحد جديد، ثم اننا بحاجة إلى ممثل قوي وموثوق وهنا اعني ما أقول، فموسى حجازين مثلا قادر على أن يعيد المسرح اليومي إذا وجد نصا وإخراجا، لأن الناس تثق به كممثل وتعرف انه لا يسف ولا يمكن أن يقدم شيئا مبتذلا ويعرف ما يقول وقلبه على الوطن، وبالتالي له مصداقية عالية لدى الجمهور.
واكد الضمور ان ما يقدم في رمضان الآن ليس مسرحا وإنما تقليد وتهريج له جمهوره لكنه لا يغني عن المسرح الكوميدي الحقيقي الذي يحمل أهدافا واضحة، وعلى شبابنا أن يدخلوا المسرح الساخر في ثنايا المسرح الجاد وان يجسروا الفجوة بينهم ليخلقوا لهم جمهورا جديدا.
عياد: العروض المسرحية العربية طغت على المحلية
الناقد المسرحي جمال عياد اكد ان المسرح اليومي الكوميدي لعب دورا مهما في الحراك المسرحي المحلي، ابتداء من العروض التي بدأها زهير النوباني في نهاية الثمانينيات، مرورا ببداية التسعينيات، في مسرح نبيل المشيني، والثنائي هشام يانس ونبيل صوالحة، وأمل الدباس ممثلة، والثنائي محمد الشواقفة مؤلفاً ومخرجاً وموسى حجازين ممثلا، وحسن إبراهيم والثنائي عبد اللطيف شما وربيع شهاب، وانتهاء بالفترة اللاحقة لما بعد التسعينيات، في نتاج د. مخلد الزيودي، وحسين طبيشات ومحمود صايمة، وحسن سبايلة، وغيرهم من الجهود التي رسخت وجود هذا المسرح.
واضاف عياد ولعب هذا المسرح ايضا دورا مهما في الحراك الفني والترويج السياحي؛ اذ استقطب سياحاً عرباً واجانب، ولعب دوراً توعوياً وترفيهياً بالنسبة للمواطن، وجلب البهجة والبسمة له في الوقت الذي تعز فيه هذه البسمة في أحايين كثيرة بسبب الظروف الاقتصادية، والظروف السياسية في منطقتنا الجغرافية المتوترة التي نعيش.
ورغم اكتفاء حضوره في المناسبات منذ سنوات، وخصوصا في أمسيات شهر رمضان، الا هذا المسرح بدأ يختفي من المواسم المسرحية الرمضانية، بفعل طغيان العروض المسرحية العربية على المحلية.
واوضح عياد اعتقد بأن السبب في اختفاء المسرح اليومي يعود لجملة عوامل تظافرت؛ أهمها غيابه عن استراتيجيات الدولة وجهود وزارة الثقافة، التي يفترض بها فتح طرق سالكة لجميع نشاطات المسرح في البلاد، وتحاول سد الفراغ الكبير المدوي لغياب المسرح، وما مهرجاناتها إلا نشاطات إدارية مكرورة، فامتلاء مسارح صغيرة بأهل المهرجان المعزولين عن باقي شرائح المجتمع، لا جدوى من جهوده التي تنتهي غالبا مع توزيع أهل المهرجان جوائزه على بعضهم.
واضاف عياد: بالتالي الاشتغال على مسرح يمكن أن تتواصل معه أغلب فئات المجتمع، لا تنجح معه بيروقراطية الوزارات، التي شهدت أنا نفسي وغيري ممن يتابع، الجميع رتابتها وتعثراتها منذ التسعينيات وحتى الآن، والتي لم تثمر حتى الان بإنشاء فرقة وطنية للمسرح، مثل كل بلاد العالم.
وبين عياد أول طرق النجاح هو أن نتعلم مما راكمنا نحن في تاريخ هذا المسرح، فمن يرغب في إنشاء مسرح كوميدي يومي، اعتقد عليه أن يستأنس أو يحذو أو يتعلم من التجربتين المسرحيتين الرائدتين؛ أولا مسرح هشام يانس ونبيل صوالحة، لمن يجد نفسه معجباً في خطابات الحكومات، وثانياً محمد الشواقفة وموسى حجازين، لمن يجد نفسه في تبني خطاب المعارضة، حيث كان هذان المسرحان فاعلا تنويرياً، من خلال طرح رسائلهما بشكل حضاري بعيداً عن الإسفاف واغتيال الشخصيات، قريباً من الأطروحات الجمالية وأهمها الوحدة الوطنية. لذلك كان من يريد حضور أحدهما غالباً، يجب عليه أن يحجز لمدة أيام حتى يأتي دوره، وفي نفس الوقت كانا يلقيان الاحترام من كافة الفئات السياسية سواء من الجهات المعارضة أو من الجهات الرسمية.
وختم عياد بالقول: المسرح لن ينجح عموماً، إلا وفق معادلة السوق، فهو سلعة مثل أي سلعة أخرى، فإذا وجد المواطن له مصلحة فيها، عندها يستطيع التضحية بملغ من دخل أسرته ثمن تذاكر شباكه، وهذا يتطلب حضور المهنية والعلم في جميع عناصر المسرحية المراد تقديمها بعيداً عن أي تدخلات، وعندها يبلغ العرض مراده من جذب جمهور يومي سواء في الموسم الرمضاني أو الشتوي أو الصيفي.