إن المعرفة هي أكثر من أدوات الثقافة إذ أن المعرفة «كم» بينما الثقافة «كيف» واسمحوا لي أن أتوقف قليلاً عند التعريف الأخير.. فكيف باستطاعتنا أن نمتلك معادلة متوازنة ما بين المعرفة والثقافة؟ وكيف لنا أن ندخل إلى ساحة الثقافة من دون المرور من بوابة المعرفة؟ وكيف نستطيع أن نفتح تلك البوابة من دون استخدام مفاتيحها ألاّ وهي «حواسنا"؟ فالمعرفة مجموعة من الحقائق والحكمة وعلينا أن نعرف كيف نطبق المعرفة. فحواسنا تدفعنا للمعرفة التي تعمل على تجميع المعلومات لدينا وبالتالي فإن هذه المعلومات تتحول لتصبح في النهاية «ثقافة».

قد تكون معادلة صعبة لكنها سهلة وبسيطة إذ استطعنا امتلاك قدرة الإرادة في التفكير وقدرة التكيّف مع ظروفنا البيئية المتغيرة. فالمعرفة ليست النهاية بحد ذاتها لكنها وسيلة للنهاية والمعرفة من دون هدف يمكن ان تكون اداة تخريب. فما فائدة الاحتكاك بالثقافات الاخرى ونحن نفتقد الاحتكاك بافراد اسرتنا وزملائنا ومؤسساتنا المحلية؟ علينا ان نعمل على تثقيف أنفسنا وذاتنا من خلال بوابة المعرفة قبل أن ندخل إلى ساحة الثقافة من نوافذها. فما فائدة أن يثقف البعض انفسهم بمعرفة تفاصيل الحرب العالمية الاولى والثانية، وحياة الشعراء وتاريخ الحضارات وغيرها ونحن نفتقد التوعية في إدارة أمور كثيرة في حياتنا؟ نحن في امس الحاجة اليوم الى الثقافة التكنولوجية بخاصة مع التطورات التكنولوجية المتسارعة والمتنامية.. نحن في امس الحاجة الى الثقافة الاعلامية.. والى الثقافة الصحية وثقافة الاستهلاك.. نحن في امس الحاجة الى ثقافة والى درجة من الوعي السياسي والاجتماعي.. فعلى سبيل المثال فتاة تخضع لعمليات تجميل مجرد ان فلانة اقنعتها بانها ستصبح اجمل من ذي قبل مع انها لا تحتاج الى تلك العمليات فهل فكرت هذه الفتاة باضرار هذه العمليات على المدى البعيد؟ واناس يخضعون لعملية شفط الدهون وغيرها من العمليات، فهل فكر هؤلاء بمدى اضرار هذه العمليات الخطيرة؟ فالتفكير من جانب واحد «الايجابي» من دون الاهتمام بالجانب الاخر «السلبي» لا يجعل ميزان العقل بصورة متوازنة. وعلى سبيل المثال معظمنا يقوم بشراء السلع التموينية من دون ان يلقي نظرة على تاريخ صلاحيتها وانتهائها، معظمنا يقوم بشراء الفيتامينات والادوية من الصيدليات من دون استشارة الطبيب ولا ندرك اضرارها على صحتنا ونقوم بشرائها لان احدهم نصحنا بها.

حقيقة نحن في أمس الحاجة اليوم إلى الثقافة التكنولوجية بخاصة مع التطورات التكنولوجية المتسارعة والمتنامية.. نحن في امس الحاجة الى الثقافة الإعلامية.. نحن في أمس الحاجة إلى ثقافة وإلى درجة من الوعي السياسي والاجتماعي.. نحن في أمس الحاجة اليوم إلى ثقافة ادارة الشراء والاستهلاك.. والثقافة الصحية وكيفية الاعتناء بصحتنا وصحة اطفالنا.. تنقصنا الثقافة المرورية تنقصنا الثقافة الاعلامية.. تنقصنا الثقافة الجغرافية المتعلقة بطبيعة الاردن.. تنقصنا ثقافة السلوك في تعاملنا مع الاخرين.. تنقصنا امور كثيرة تتعلق بحياتنا اليومية. فمعرفة ما نؤمن به والالتزام به علامة قوة لا علامة ضعف. فما فائدة ان يقوم اغلبنا بمعرفة التشريعات والقوانين الدولية وهو لا يدرك تشريعات وقوانين بلده؟ وجغرافية طبيعة بلدنا؟ ما فائدة ان نقود السيارات ومعظم النساء لا يدركن مكان الزيت من مكان الماء داخل مركباتهن ؟ فمعظم النساء ربما تراقب احدث الكتب والمجلات المتعلقة باحدث الازياء وصرعات الموضة من دون تتبع لمراقبة مؤشر حرارة الماء في سياراتهن ولا يعلمن مدى خطورة ذلك.

فالعاقل من يكافح دائما لإيجاد التوازن الصحيح في كل شيء.. ويكمن الجواب الصحيح في معرفة الدرجة الصحيحة.. كم تبعد؟ كم تكلف؟ كم هي صغيرة أو كبيرة؟ اين هي على الميزان؟ فحقيقة نحن شعوب لم نتعود على الاستقلال الفكري والتفكير المستقل فإذا قال لنا فلان هذا اللون أبيض وهو أسود قد نصدق من دون ان يكون لدينا القدرة في البحث عن الحقيقة والمعرفة.. فالثقافة تأتي من خلال المعرفة ومن خلال تجاربنا مع الاخرين وعلاقتنا معهم بشرط ان نبحث عنها من خلال الاعتماد الذاتي على أنفسنا لا أن نكون اتكاليين في التفكير. فنحن نغذي عقولنا بالمعرفة أحياناً، لكن علينا أن نغذي أرواحنا دائما بالحقيقة.