سائدة السيد

«للبيع حذاء لطفل لم يلبس قط»، عبارة من ست كلمات كتبها الروائي الأميركي إرنست همنغواي في عشرينيات القرن الماضي، ضمن تحد له في إحدى اللقاءات التي أجريت معه، لتنال إعجاب الكثيرين، الذين اعتبروها أول قصة قصيرة جدا، وأفضل ما كتب من رواياته.

تعتبر القصة القصيرة جدا جنسا أدبيا حديثا، يمتاز بقصر الحجم والنزعة القصصية الموجزة، وخلال العقود الثلاثة الماضية تصاعد وانتشر هذا النوع من القصص انتشارا ملحوظا في الغرب ومن ثم في عدد من البلدان العربية.

وفي ظل الحياة المعاصرة المعقدة وعصر السرعة لا بد ان نعترف انه لم يعد الوقت كافي بشكل كبير لقراءة الروايات التي تحتاج الى وقت طويل بالرغم من اهميتها، فالقارئ المعاصر يحتاج الى أدب يساير حركة عصره، ولا يأخذ وقتا كبيرا، إضافة الى أثره البالغ لدى المتلقي.

المتتبع لمواقف النقاد والمبدعين من القصة القصيرة جدا، يلاحظ أن هناك من يرحب بكل الكتابات الجديدة التي تتجه نحو التغيير والتمرد عن كل ما هو ثابت، واخرين يرفضون هذا النوع من الفن ولا يعترفون بمشروعيته ، لأنه يعارض مقومات الفن الأدبي بكل أنواعه وأنماطه.

واللافت أن الكتاب الذين خاضوا هذا النوع من الأدب، انتموا الى أجيال متعددة، فإلى جانب نجيب محفوظ الذي كتب (رأيت فيما يرى النائم)، و(أحلام فترة النقاهة)، نجد اسم زكريا تامر من سوريا، وفاروق مواسي ومحمود شقير من فلسطين، وحسن برطال من المغرب، وأسماء كثيرة لمبدعين برزت في العقد الأخير بالكتابة في هذا الشكل.

ويرى النقاد ان القصة القصيرة جدا إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، وهي تعبير عن بعض السمات العميقة لما نسميه روح العصر، وهي اصعب كثيرا في كتابتها من القصة القصيرة، ويكمن السبب في ذلك انه كلما كان حجم الكلمات أصغر، كان الخطأ أكثر وضوحا وأقل قبولا.

وتكمن خصوصية هذا النوع من الأدب في نظرته للأشياء العادية بطريقة غير عادية، وتركيز الضوء عليها وإبرازها، وفي الوطن العربي نجده مرتبطا بالتحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، وحتى السياسية والإقتصادية، بأسلوب يجمع ما بين إرضاء قارئ مسرع لا وقت لديه، ووضوح العبارة وتعدد دلالتها.

ولا شك أن هذه التجارب القصصية قد عبرت عن هموم الإنسان ومعاناته، وعن الوطن، والفقر، والغربة، فبقصرها استطاعت تقديم حكايات وصور في شكل فني يشبه الومضة الروائية، ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه الروائي هاني أبو انعيم في كتابه (كفاف البوح) والذي يحتوي على قصص قصيرة جدا، منها:

«العجوز تنوء بحملها، والحاوية بعيدة، راها من بعيد، اندفع بحماسة، تناول كيس القمامة منها.. عندما ولته ظهرها، سلك طريق بيته».

إذن لابد من المؤسسات التربوية والجامعية والمؤسسات الثقافية أن تعترف بكل المنتجات الجديدة في عالم الإبداع، وأن تدخل القصة القصيرة جدا الى المناهج الدراسية، لأن تجربة كتابة قصص من هذا النوع تعلم الطلبة التعبير عن الأفكار بوضوح ودقة، وتدربهم على إعادة النظر في النصوص، وعلى اكتشاف المهارة في استخدام تقنيات الكتابة.