محمد يونس العبادي

نقرأ في مقدمة وثيقة القرار التاريخي لوحدة الضفتين عام 1950، ما جاء في مطلعها: «تأكيداً لثقة الأمة واعترافاً بما لحضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية، من فضل الجهاد في سبيل تحقيق الأماني القومية، واستناداً إلى حق تقرير المصير وإلى واقع ضفتي «الأردن» الشرقية والغربية ووحدتهما القومية الطبيعية والجغرافية، ضرورة مصالحهما المشتركة، ومجالهما الحيوي» ، قرر المجلس وحدة الضفتين.

هذه الديباجة اختزلت فلسفة الحُكم الهاشمي، الذي مر تاريخياً بظروفٍ سياسية أثبت فيها على الدوام أنه يمتلك خطاباً يستند إلى مفهوم الحُكم القائم على ترجمة الوجدان العربي، إذ تضمنت مفهوم حق تقرير المصير في وقت ٍ باكرٍ، ومرحلة تاريخية دقيقة.

ووثيقة الوحدة، هي احدى أهم وثائق التاريخ العربي، إذ هي قليلة الوثائق التي تمت فيها وحدة شعبين عربيين بإرادتهما وبتمثيل ٍ نيابيٍ، وقد سبق هذه الوحدة، اجتماع عربي آخر كان حين أقرت مملكة فيصل عن طريق ممثلين من كافة أنحاء سوريا.

وهذه هي المرة الثانية في التاريخ العربي الحديث التي كان يجتمع فيها شعبان عربيان لإقرار وحدتهما، وتلاها وحدة الأردن والعراق عام 1958م.

وبالعودة إلى الوثيقة، التي اشتملت على بنودٍ أربعٍ، فإن أبرز ما فيها البند الثاني، الذي يؤكد المحافظة على كامل الحقوق العربية في فلسطين، والدفاع عنها بكل الوسائل المشروعة، وبملء الحق، وعدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة في نطاق الأماني القومية والتعاون العربي والعدالة الدولية، وفق الوثيقة.

هذه المفاهيم، ما زالت لليوم فاعلة في العقل الأردني حين يفكر ويفعل لأجل فلسطين، فبفضل عبقرية الملك الشهيد المؤسس، وبالرغم مما عقب هذه الوحدة من أحداث إلا أن هذه الوثيقة، شهادة للحاضر والمستقبل على تمسك الأردن بالحقوق الفلسطينية، وقد أعرب عنها باكراً ، إذ لن تمس قضايا الوضع النهائي وحق تقرير المصير دون إرادة الشعب الفلسطيني.

ومن الشخصيات التي شاركت في صياغة هذا القرار نذكر: أنور نسيبة، نعواس الريماوي ، موسى ناصر، رشاد مسودة، حكمت المصري، سليمان طوقان، والجعبري وغيرهم كثر.

هذه الوحدة، بالرغم مما عانته من الأشقاء من لحظة الإعلان عنها حتى فك الإرتباط، إلا أنها تمثل تعبيراً عن مقدرة الهاشميين على صهر الشعوب العربية والحفاظ على حقوقها، وقد رافق هذه الوحدة الكثير من الوثائق حتى العمرانية، إذ لا زال شعار الجيش العربي على كثيرٍ من مباني مدن الضفة الغربية، فهذا يذكرنا دوماً بمقدرتنا كأردنيين على صناعة الموقف، واستنطاق التاريخ.. !