أبواب - زياد عساف

« والله صورتك بتنفع تزيِّن الجرانين» ، وصفة سحرية للخروج من أزمة الصحف الورقية الحاصلة الأن، وضعها مسبقاً المطرب محمد رشدي منذ عقود متغزلاً بصورة محبوبته عدوية، هذه الصورة التي بها تزدان الصحف أو المجلات والكفيلة بتحسين نسبة المبيعات نهاية الأمر، هذا ما كانت عليه الفنانة اللبنانية سمورة في الحقيقة وليس في خيال الشعراء و المغنين.

و تصدرت صورها أغلفة المجلات و الجرائد بفترة الستينييات لجمال شكلها متناسين دورها كمغنية و ممثلة موهوبة تلك الفترة، إلا أن تقلبات الزمان فرضت عليها فيما بعد واقعاً مختلفاً أدى لانسحابها من الساحة الفنية وهي في قمة العطاء .

أين هي الاّن؟ سؤال راود الكثيرين ممن عايشوا تلك الفترة التي برزت بها، أتاهم الجواب بمعلومات قليلة و مقتضبة أشارت لها في السنوات الأخيرة، وذلك من خلال إحدى صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بها، تارةً بتقديمها تهنئة لأحد المقربين بمناسبة خطوبته، و أُخرى بتقديم العزاء لها بوفاة زوجها دون تحديد مكان إقامتها أو أسباب الغياب الذي بدأ في حقبة السبعينييات و لغاية الاّن .

”تقدير سن ..

يحتاج الباحث في مسيرة نجوم الفن و الغناء لأن يقوم أحيانا بعمل تقدير سن للفنانين من خلال أعمالهم المرئية نظراً لعدم توافر المعلومات الكافية حول سيرتهم الذاتية، وبالتخمين ومن خلال أعمال سمورة القديمة على الشاشة الكبيرة و الصغيرة يُقدَّر بأنها مواليد منتصف الثلاثينييات من القرن الماضي، أغلب أعمالها تركزت في موطنها لبنان و لم تحظ بالشهرة الكافية في البلاد العربية، باستثناء بعض المشاركات الفنية على مسارح بغداد، و قدمت مجموعة من الأغنيات في الإذاعة العراقية و أغلبها لم يُسجَّل لأن الأغاني كانت تبث على الهواء بالفترة التي تواجدت بها في بلاد الرافدين، وسافرت لليبيا بداية سبعينييات القرن الماضي، وقدمت مجموعة من الحفلات هناك وسجلت للتلفزيون الليبي أيضاً مجموعة من الأغاني الخاصة بها، وفي الوقت نفسة تعاونت مع ملحنين عرب مشهورين ومنهم فريد الأطرش وغنت من ألحانه عيونك يا عيوني، وشدت من الحان الفنان السعودي طارق عبد الحكيم: هاتف ع بالي خطر ومن ألحان الموسيقار السوري سهيل عرفة اسكتش: من بكير .

في الجانب الإجتماعي من حياتها تزوجت من الفنان السوري عبد اللطيف فتحي المعروف بشخصية -أبو كلبشة - ، وجمعهما معاً عمل سينمائي وحيد وبعض البرامج التلفزيونية المنوعة والتي أنتجت داخل لبنان، في لقاء تلفزيوني مقتضب أجرته معها الفنانة اللبنانية نادية حمدي و بحضور الفنان محمد جمال، تحدثت عن بدايتها مع الفن، حيث بدأت مونولوجست ثم تفرغت للغناء و التمثيل فيما بعد .

موعد مع الأمل ..

رغم جمال صوتها إلا أن المنتجين السينمائيين ركزوا أيضاً على جمال شكلها في المرتبة الأولى ، وتم توظيف أغانيها بشكل لا يتوافق مع سيناريو العمل وكان الهدف الأساسي تحقيق الربح المادي الذي سيعود للمنتج فقط ، والنتيجة أنها كانت واحدة من المطربات اللبنانييات اللاتي لم تخدمهن السينما اللبنانية، كان أول ظهور لها في السينما بفيلم : موعد مع الأمل انتاج عام 1958 أخرجه محمد سلمان بالإضافة لمشاركته بالتمثيل و من ضمن طاقم العمل زوجها السابق الفنان عبد اللطيف فتحي و الفنان المصري حسن المليجي ، والبطولة النسائية لسمورة ومغنيتين لبنانيتيين مغمورتين هما قمر و تغريد الصغيرة والتي أصبحت زوجة الملحن و الفنان فيلمون وهبي ، قدم الثلاثي معاً في هذا العمل مجموعة اغاني وهي : فلوس فلوس و شوك الورد بيلوع و حو حو يا بردي ، اعتمد هذا الفيلم على الإثارة لاستقطاب الجمهور لشباك التذاكر ، وظهرت بفيلم اّخر مشابه هو ” لهيب الجسد ” وعنوانه يدل على مضمونه بطبيعة الحال وتم إنتاجه عام 1967 ، وتقاسمت بطولة هذا الفيلم مع فهد بلان و عبد السلام النابلسي ، في أواسط الستينييات شاركت بإعمال سينمائية تعتمد على التشويق وذات الطابع البوليسي وهما : غرام في استانبول 1966مع دريد لحام و نهاد قلعي وفريال كريم و رفيق السبيعي ومن اخراج سيف الدين شوكت ، ما استفادته من هذا العمل تقديمها لأغنيتين جميلتين الأولى دويتو بعنوان : من بكير مع دريد لحام و اغنية جانم امان تضمنها بعض الكلمات باللغة التركية.

سلطانة

وفي العام نفسه شاركت بفيلم : سلطانة مع ابراهيم خان و صبري عياد ومنى واصف إخراج رضا ميسر ، وتضمن مجموعة من أغانيها ذات الطابع البدوي : حنا الوفى ، صباح الخير يا قلبي ، ما بيرضيني و الأغنية الدينية : يا رب إله الكون.

سبق هذين العملين مشاركتها بفيلم بأمر الحب 1965 مع محمد سلمان وموفق بهجت والمطربة العراقية أحلام وهبي ، وتوجهت في نفس السنة للعراق وأسند إليها دوراً بفيلم : درب الحب مع مجموعة من الفنانين العراقيين ومنهم مديحة وجدي و فاروق هلال و مائدة نزهة اخراج برهان الدين قاسم ، ويوجد لها فيلم اّخر مفقود بعنوان : ذكريات مع الفنانيِّن لوسيان حرب و جوزف جبرائيل .

تقليد ..

من الماّخذ على هذه النوعية من الأفلام اللبنانية والغنائية منها تحديدا و التي أُنتجت بفترة الستينيات ، تقليدها المباشر للسينما المصرية لدرجة أن أغلبها قٌدِّم باللهجة المصرية ولا تحمل خصوصية لبنان الفنية و الثقافية ، وبالتالي لم تخدم السينما الغنائية اللبنانية بطبيعة الحال ، خاصة أن أغلب المطربات منهن لم يكن بنجومية فيروز و صباح على سبيل المثال والتي من الممكن أن تساهم بنجاح العمل و على مستوى عربي .

رغم بعض الهنات التي وقعت بها سمورة إلا أنها تميَّزت بصوت جميل كان من الممكن أن تتدرج لتصبح نجمة بين صفوف المطربات اللاتي عاصرتهن تلك الفترة ‘ ، إلا أن حالها كان أفضل من بعض الأصوات النسائية العادية اللاتي شاركن بمجموعة أفلام جمعن من خلالها بين التمثيل و الغناء والإجدر وصفهن بالمؤديات بدلاً من المغنيات ، ولم يضفن شيئاً للسينما الغنائية و ما قدمنه من أعمال يندرج في أغلبه ضمن الأفلام التي تقدم المرأة كسلعة لتسويق العمل ، وكحال سمورة تم توظيف صورهن أيضاً لتتصدَّر أغلفة المجلات الفنية بفترة الستينييات لتحقيق نفس الهدف وهو إكتساب المال ، ومن الأمثلة على ذلك الفنانة رندة و ظهرت في البدايات بمجموعة أفلام كمغنية و ممثلة مثل :أنا عنتر 1966 مع دريد لحام و غنت به : المنديل و لو حطوا الشمس بهالكف و فزعانة ، وأفلام أخرى مثل : العسل المر 1964 ، الدلوعة 1966 ، في طريقي رجل 1967 ، الطريد 1968 و طريق الخطايا 1969 وشاركت بفيلم : عاصفة على البتراء 1968 انتاج أردني لبناني إيطالي ، وعلى نفس المنوال شاركت الفنانة جاكلين بفيلم : الأستاذ أيوب 1975 ، سبقه مجموعة أفلام لها من هذه النوعية ومنها: بدوية في باريس ، فاتنة الجماهير ، ليالي الشرق و اسماعيل ياسين في دمشق .

خلِّي العسل بجراره ..

الفائدة التي عادت عليها من المشاركة في السينما تمثلت بأرشفة الأغاني التي قدمتها ضمن هذه الأعمال و يعتبر بعضها أجمل من أغاني الفيديو كليب الحالية من حيث اللحن والتصوير ما يوفر إمكانية العودة إليها ومشاهدتها من خلال المواقع الألكترونية ، اعمالها الدرامية على الشاشة الصغيرة كانت محدودة ومنها ظهورها بمسلسل :المفتش عام 1973 مع وحيد جلال و انطوان كرباج و نزهة يونس ومن إخراج الياس متى ، ومع ذلك يبقى التلفزيون اللبناني صاحب الفضل الأكبر عليها وساهم بإنتاج و تصوير مجموعة من أغانيها في استودويوهات التلفزيون المحلي ، ومنهاما سبق وقدمته على الشاشة الفضية .

تغنت سمورة بأشعار رواد الأغنية اللبنانية أمثال : عبد الجليل وهبي ، مارون كرم ، ميشال طعمة ، و توفيق بركات ، ومن الملفت بمجموعة كبيرة من أغانيها توظيف الأمثال والحكم الشعبية الدارجة في لبنان و بلاد الشام عموماً ، ما يضفي عليها اللون الشامي وبالتالي الإقتراب من الهوية الثقافية الشعبية السائدة في هذه البلاد ، ومنها أغنية : خلي العسل بجراره .. تاتغلى أسعاره ، لا تستعجل يا محبوب في العجلة الندامة .. استنى بتلاقي المطلوب و بالتأني السلامة ، عرفتك حبوب و كذاب .. وبالحب أكبر غدار .. اللي معمر بيتو من قزاز .. ما بيرمي غيره بحجار و أهلك ولا تهلك .

نار وبنزين..

تميزت بأداءها للون البدوي لإتقانها اللهجة البدوية بالإضافة لتعاونها مع ملحنين أساتذة في هذا المجال مثل عبد الغني الشيخ ، ومن هذا اللون قدمت مجموعة أغاني من بينها : يا اهل الحمية ، ياللا يا رجال ، سيري يا خيل ، قرب يا حبيِّب ، مشورة ع العين ، دويتو كريم الله مع المطرب فهد بلان ، وقدمت مجموعة من المواويل مثل : قالوا بحبه كتير و يا حب عندي هالقلب .

تعاونت مع مجموعة متميِّزة من الملحنين اللبنانيين مثل : عفيف رضوان ، جورج ثابت ، محمد جمال و شفيق أبوشقرة ، وكان أغلب ما قدمته من ألحان يغلب عليه طابع الأغاني اللبنانية الخفيفة و منها : الله الله يا دني ، شو هالحالة ، يا شيخ الشباب ، بدي حبك ع المكشوف ، يا غزيِّل يا غالي ، عنترة مشية حبيبي ، عيونك جبارين ، ليالي سهرناها سوا ، اهلا ، كان يا ما كان ، كنا مجانين ، ما حكاني ولا حاكيته ، يا روحي عليك ، قال بابا قال و أغنية نار و بنزين التي واجهت اعتراض من الكثيرين لخروجها و حسب وجهة نظرهم عن القيم الإجتماعية السائدة اّنذاك .

زمَّرلي المحبوب ..

بدايتها كمونولوجست أهلَّها لتقديم مجموعة من الأغاني المرحة و الساخرة خاصة التي لحنها لها فيلمون وهبي المتميِّز بهذا اللون مثل : بدي أبو الغمازه .. وما بدي كل جهازي .. يا بتجوز على كيفي .. يا إما بحلف ع الجازي ، يا شحاري ما خلى مصاري .. جبتلو سياره وعمرتلو حارة مش راضي ولا داري ، ومن الحان شفيق أبو شقرة : خدنا الشايب ع ماله .. و ما سألنا ع جماله .. خسرنا العمر و ضاع المال .. و ضل الشايب ع حاله .

ومع زامور المحبوب كان لها هذه الحكاية المغناة :

وقف زمَّر لي المحبوب

قال قلبي راح بيدوب

وكل الدرب يحاكيني

و يقول لي بتحبيني

من فرحي ما عاد فيني

قلتلو انت المحبوب

ومن عجقة قلبي بالحب

لبست ثيابي بالمقلوب !.