عمان - جوان الكردي

بعد أن صارت لعبة الحوت الأزرق حديث مواقع التواصل الأجتماعي وبعد أن ربط وفاة حالتين من المزار الجنوبي والزرقاء بانتحار فتاة (17عاما) شنقا في منزل ذويها بحي معصوم والحالة الأخرى كانت صديقة للفتاة التي انتحرت قبلها بأيام وأن سبب انتحار الفتاتين هو لعبة الحوت الأزرق.

أغلب الأمهات اللواتي سئلن عن الموضوع قلن إنه لم يكن لديهن فكرة عن هذه اللعبة ومنهن من أبدين استغرابهن ومنهن لم يصدقن وقلن إن هذه مجرد دعاية للّعبة، ومنهن من كنّ مطلعات على هذه اللعبة ويعرفونها وحذروا أولادهن.

"الرأي الشبابي" حاورت مراهقين لمعرفة آرائهم وتعليقاتهم إن كانوا مروا بتجربة اللعبة وماذا يعرفون وما تعني لهم هذه اللعبة.

يقول محمد سعيد (12عاما) لقد حاولت الدخول على هذه اللعبة إذ لم تكن بعد معروفة أو مشهورة وكان الحديث عنها قد كَثُرَ.

يتابع: عند البدء بهذه اللعبة تم طرح أسئلة ويجب أن أجيب عليها فكان السؤال الأول هل أنت ذكر أو أنثى ثم السؤال الثاني من أعز شخص لديك.. أمك أَم أبوك؟ ثم السؤال الذي يليه إذا كنت، أستطيع رسم الحوت على ذراعي؟

هنا، يقول محمد، "أصابني الخوف وترددت وخرجت ومسحت الرابط عن الجهاز فورا".

ويشرح بالقول: بدأ القلق يتسرب إلى نفسي، كنت أسمع عنها، حاولت أن ألعبها فقط من باب الفضول.

"خوفي وترددي خصوصا أنني كنت أعرف أني سوف أؤذي نفسي أو أحد أفراد عائلتي جعلني أشطبها وأنسى أمرها، لكنني بقيت لفترة أفكر وأنا خائف".

ويضيف "الحمدلله عندما بلغّتُ والدتي وجلست وتحدثت معي وجعلتني اقرأ عنها واعرف الكثير اقتنعت وطويت الموضوع".

ويعتقد إياد محمد (15عاما) أن "الحوت الأزرق" لعبة الموت، و"يجب الابتعاد عنها، فهي تعطي أوامر إلى أن تصل الى الانتحار".

ويحض الشاب المراهقين والشباب على الابتعاد عنها وعدم محاولة اللعب بها، فهي خطرة وهنالك ألعاب أخرى مثلها خطيرة يجب عدم المحاولة او الاقتراب من هذه اللعبة.

ويتساءل إياد عن إمكانات حجب هذه اللعبة عن المراهقين هنا في الأردن..

وقالت يمنى العمري (16عاما) أنها سمعت عنها من صديقاتها وزميلاتها في المدرسة، و"بصراحة أردت الدخول عليها من باب الفضول فقط، لكن عندما قرأت عنها وسمعت عن الشباب والاطفال الذين انتحروا بدول العالم وآخرها كان بالسعودية خفت ولم احاول أالاقتراب منها لكن داخليا أتمنى أن أجربها لكنني خائفة.

منشئ اللعبة "مريض نفسيا"

وجرى أخيرا القبض على الشاب الروسي فيليب بوديكين، منشئ اللعبة التي حصد أرواح أطفال وشباب في كل أنحاء العالم.

وقبض عليه في منزله وهو شاب يبلغ من العمر 21 عاما طور اللعبة لمدة خمس سنوات بعدة تجارب، كان يدرس علم النفس وحصدت هذه اللعبة الكثير من الأطفال في مناطق متعددة من العالم حيث انتشرت بكثرة في كل المواقع الالكترونية والحسابات حيث عُثِر على سجلات وكتب شيطانية ورموز غامضة كان يستعملها للتحكم في ضحاياه وبعض العبارات تعبر عن كرهه للأغبياء.

فكانت إجاباته تدلِّل على أنه يكره البشر، إذ يقول: أريد فقط تنظيف المجتمع من "القمامات البيولوجية"، ووفق تقرير الشرطة فإنه "مختل عقليا".

خطر التقليد والاقتداء بالنماذج

المستشارة الأسرية في دائرة قاضي القضاة هند ناصر الدين تقول أن الألعاب الألكترونية التي تحتوي على العنف "تولد الشعور بالعدوانية لدى الأطفال والمراهقين.. لأن شخصيات الألعاب عبارة عن "نماذج" في حياة الأطفال والمراهقين".

وتنبه إلى أن الأطفال والمراهقين مولعون بتقليد النماذج التي أمامهم، خصوصا "عندما يقترن هذا العنف بلعبة لديه فيقلد العنف دون أن يشعر"، وبخاصة "إذا كانت لديه في المحيط الأسري أسرة يمارس فيها العنف الذي يعيش به".

وتشير إلى أن هذه الألعاب "تسلبهم القدرة على التفكير والإبداع والتحليل.. لأنها ألعاب جاهزة، فيتعود على عدم التحليل والتفكير وعدم الإبداع ولا يكون أمام الأولاد غير التطبيق لأجل التسلية لأنها هكذا تكون أسهل عليهم".

وتؤشر إلى أن الإنسان، "بالفطرة يميل لكل شيء سهل".

وتلفت الناصر الى أن محيط الأسرة التي لا تساعد على التفكير والتحليل والابداع، خصوصا إذا كانت الرعاية الوالدية يوجد فيها الدلال الزائد والتسيب وما يريده الطفل أو المراهق يفعله ويتخذون القرارات ويتحملون المسؤولية عنه، فعندما يختار اللعبة فسيختار اللعبة المعتاد عليها وفق طريقة التنشئة الاجتماعية التي يعيش بها.

وتوضح بأن نوعية نمط الشخصية الموجودة التي تعتمد على هذه الألعاب دون التحليل والتفكير هي شخصية اعتمادية تزيد ولا تتحمل المسؤولية عند الفرد لأنه هو إنسان اعتمادي غير مستقل يعيش ضمن نمط الأسرة المركزية، أي التي تقوم نيابة عنه بجميع المهمات وتتخذ القرارات حتى يبقى في محيط الأسرة ولا ينطلق خارج فضائها، وهي عكس الأسرة اللامركزية التي تشجع على الاستقلالية وتكوين الذات".

وتكشف بأن التعلق بهذه الألعاب يؤدي الى توحد اجتماعي وتوحد أسرة اجتماعية بوجود الألعاب العادية، "فكيف إذا كانت هذه الألعاب عدوانية خطيرة تؤثر على الأولاد جسديا في سبيل الموت وتفضيل عدم البقاء في الحياة؟"..

وتشير الى الآثار السلبية التي تؤثر على الجيل وعلى جوانب النمو "الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية" فالمشكلة هنا، وفق المستشارة ناصر، تأثيرها على كل جانب من جوانب النمو حتى يتأثر جسديا بسبب جلوسه وعدم التحرك وتضعه في عزلة اجتماعية بالإضافة إلى التأثير على النواحي المزاجية التي تعرض على الأولاد كالموسيقى التي يستمع إليها الأولاد التي تؤدي الى الاكتئاب (فيولد مزاجا اكتئابيا) بالإضافة إلى التأثير على الحالة النفسية ثم العقلية ثم الجسدية التي تؤدي الى الموت والانتحار.

المسؤولية مجتمعية وأسرية ورسمية

وترى ناصر أن المشكلة تكمن برعاية الآباء للأبناء؛ فأحيانا "يكون الآباء مغيبين عن حياة أبنائهم". وتشدد هنا على وجوب مراقبتهم والإشراف عليهم ومتابعة المشكلات التي يقعون فيها من ممارسات سلبية قد تحدث بسبب غياب متابعة الآباء.

كما تشدد على ضرورة تضافر جهود جميع المؤسسات المعنية بداية من الأسرة والمدارس والمساجد والكنائس ودور الرعاية وجماعة الرفاق ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حتى نتخلص من الهوس.

وتنصح الناصر الدولة وجميع المؤسسات المجتمعية المعنية أن يكون لها دور فاعل وتكاملي فيما بينهم بدءا من الأسرة لأنها هي النواة الأولى بالانتباه للأولاد ورفاقهم الذين يلعبون معهم والانتباه إلى طبيعة الحياة التي يعيشها الإبن.

وكذلك مراقبة الإنترنت والألعاب وتقديم نماذج من المجتمع أكانت إيجابية للاقتداء بها، أو سلبية بغية الابتعاد عنها، وأن يفهم ما يجري حوله جيدا، والتنبه إلى خطورة هذه الألعاب، حتى تساعد على ترسيخ الصحة النفسية القويمة وأن يستخدم الجانب الوقائي والبنائي والعلاجي.

تعزيز العدوانية والتنمر

استشاري الطب النفسي والإدمان الدكتور عبد الرحمن مزهر يذهب إلى أن هذه اللعبة تندرج ضمن "نوع من أنواع التنمر.. وبتحليلي البسيط المتواضع أعتقد أن هذا نوع من أنواع التنويم المغناطيسي الإيحائي".

ويشرح بالقول: أسلوب اللعبة يعتمد على الضغط النفسي على الفئة المستهدفة، وهي حسب قول مؤسس اللعبة الذي سماهم (بالنفايات البيولوجية) حيث يتم جمع المعلومات عنهم في بداية اللعبة ويجري اختيار الفئة المستهدفة التي تمتاز بأنها فئة تتقبل الإيحاء وتقبل الأفكار المعروضة عليها من قبل أشخاص لديهم دراية وتدريب في علم النفس.

وبين أن أفراد هذه الفئة يتميزون بميولهم السيكوباثية (شخصية تمتاز بالعدوانية والاستهتار بالقوانين وإيذاء النفس والآخرين ونسبة جريمة عالية)، وهدفهم من هذه اللعبة استعباد المراهقين والتلذذ في إيذائهم.

وعلق مزهر: كون الفئة المستهدفة هي فئة المراهقين حيث يمتازون بقدراتهم العالية على الاندفاعية والتحدي ليكونوا فريسة سهلة.

ويتابع: يتم تهيئتهم نفسيا من خلال اللعبة بمشاهدة أفلام الرعب والسهر لعدة أيام "حيث من المعروف ان السهر المتواصل لعدة أيام يفقد الإنسان القدرة الكاملة على التركيز فيصبح من السهل الإيحاء له بأي أفكار" فيطلب منه التدرج بتنفيذ الأوامر بدء من ايذاء النفس البسيط حتى الانتحار.

وهو لا يستبعد في هذه الحالة "أن نسمع عن حالات إيذاء لآخرين والمقربين".

ويقول مزهر: اللعبة مأخوذة من ظاهرة طبيعية غير مفسرة علميا؛ وهي جنوح الحيتان للانتحار.

ويشرح مزهر حيثيات اللعبة التي تسيطر على المراهق بعدة خطوات: في البداية تقدم المراهق على أنه الوحيد القادر على إنقاذ الحوت، وتبدأ اللعبة بإعطاء أوامر بعد اختراقها للتلفون وتنطلق مرحلة إعطاء الأوامر بالتدرج بدءاً من الطلبات الصغيرة إلى أن تصل إلى الانتحار.

ويتفق مزهر مع المستشارة ناصر في ضرورة بذل الجهود والتضافر لحماية الأولاد والمراهقين بدءا من الأهل والجهات الأمنية مثل وحدات الأمن السبراني والداخلية والعمل على حجبها بجميع الطرق مثلها مثل المواقع الإرهابية.

وينصح الأهل بالانتباه إلى علاقتهم مع الأولاد وأن تكون المصارحة موجودة بينهم دون الخوف منهم، وملاحظة الأولاد ومتابعة التغيرات السلوكية عندهم.

ويشدد مزهر على أهمية تركيز الأهل انتباههم على أولادهم هذه الفترة بشكل زائد (وقت عطلة صيفية) لأن وقت الفراغ عند الأطفال والمراهقين كبير.

التكييف القانوني للألعاب الإلكترونية الخطرة

يقول المحامي وضاح محادين أن من يطالع النصوص القانونية المتعلقة بالجرائم الالكترونية أو قانون الاتصالات أو قانون المعاملات الالكترونية لا يجد أي نص يجرّم الاستخدام الخطير لهذه البرمجيات أكانت ألعابا أو موسيقى او أي برمجيات يمكن أن تستخدم استخداماً ضاراً بالنفس أو بالمال.

المحادين، الذي أعد مطالعة قانونية عن الموضوع، تنشرها "الرأي" قريبا، يستطرد بالقول أنه لا مجال هنا للتحجج بأن هذه ألعاب رياضية كما في الألعاب الرياضية ذات القوانين التي تسمح بنوع من العنف الذي تتوافر فيه وسائل السيطرة وإمكانية توقف اللعب في حال الإصابة أو توقع حدوث الضرر.

ويبين محادين أن الفئة العمرية المستهدفة في هذه الألعاب هي الأطفال، وهي "الفئة الأَولى بالرعاية"، وقد كرست القواعد العامة في التشريعات المحلية والدولية أن حق الطفل في الحياة حق أصيل لا يجوز المساس به كما جاء في المادة (3) وبقراءة مسودة قانون حقوق الطفل كما وردت في مشروع قانون حقوق الطفل المقدم لرئاسة الوزراء كما جاء في الأسباب الموجبة لقانون حقوق الطفل في نص المادة (5) منه ما يلي: "حماية الاطفال من أنواع العنف أو الإساءة والتدخل للوقاية منها أو منع حدوثها أو علاج آثارها إن وقعت".

ويوضح ان مثل هذه اللعبة (التطبيق) بوصفها فعلا، يمكن متابعتها قانونيا في ثلاث جرائم رئيسة؛ هي: جريمة القتل، وجريمة التحريض على الانتحار، وجريمة الاتجار بالبشر.

ويلفت إلى أن أوضح تعبيرات جرمية الألعاب الالكترونية الخطرة تقع تحت مظلة مفهوم الاتجار بالبشر واعتبار أي تطبيقات تؤدي الى الحاق ضرر او فعل استغلال او استعمال العنف بغض النظر عن طبيعة الوسائل أكانت الكترونية او بأي وسيلة أخرى خصوصاً وأن أغراض الاستغلال هنا هو (الاسترقاق او الاستعباد والدفع للانتحار او إيذاء النفس).

ولاحظ أن مثل هذه التطبيقات التي تمس الحقوق الأساسية الاصيلة لحقوق الإنسان حسب ما استقرت عليه المواثيق والمعاهدات والتشريعات الوطنية وكون الحق في الحياة حق مقدس وأصيل وحق الطفل في حمايته من جميع أنواع العنف او الإساءة والتدخل للوقاية منها أو منع حدوثها بأي شكل من أشكالها هو من واجبات الدول.

وعليه، يدعو المحادين إلى التدخل لوقف مثل هذه التطبيقات الإلكترونية بكافة الطرق، وعلى الدولة "واجب باتخاذ الوسائل التشريعية او التنفيذية كافة لحماية من هم الأولى بالحماية، خصوصا وأن وظيفة التشريعات هي حماية الانسان وحماية حقوقه الأساسية واهمها حق الانسان في الحياة.