كتب - د.صلاح العبّادي

توفي المفكر الإسلامي والعالم الجليل الدكتور اسحق الفرحان يوم أمس، بعد حياة حافلة بالعطاء.

شكل الدكتور الفرحان اضافة نوعية للعمل السياسي والدعوي، استفاد من دراسته للكيمياء واللغة العربية والتربية، فانعكس ذلك على الحكمة في شخصيته.

وُلد في بلدة عين كارم عام1934، وقدم إلى عمان لاجئاً في أعقاب نكبة 1948، وابتعث عام 1953 إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الكيمياء، والتي أتم فيها دراسة الماجستير في العام 1957.

زامله أثناء دراسته للماجستير في الجامعة نفسها رئيس الوزراء الأسبق د.عبدالرؤوف الروابدة الذي كان طالبا في مرحلة البكالوريوس، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبدالله النسور والوزير الأسبق علي السحيمات والوزير الأسبق منصور بن طريف، فجميعهم كانوا طلبة في الجامعة نفسها لكن في مراحل دراسية مختلفة، ويصفه الروابدة "بأنه كان شيخنا في الجامعة".

أرسلته الحكومة الأردنية عام 1960 إلى جامعة كولومبيا، لينال شهادة الماجستير في اللغة العربية، ومن ثم تخصص في التربية عام 1964.

حاز الفرحان مرتبة علمية متقدمة مكنته من الارتقاء في مواقع تربوية داخل وزارة التربية والتعليم، إلى أن تقلد منصب الوزير في حكومة الشهيد وصفي التل، فكان من أوائل الإسلاميين الذين توزروا حين انضم لحكومة وصفي التل الخامسة في تشرين الأول عام 1970. هذه المشاركة كلفت الفرحان تجميده من جماعة الإخوان المسلمين التي انتمى إليها وهو على مقاعد الدراسة.

كما احتفظ الفرحان بمنصبه في حكومة أحمد اللوزي عام 1972 وعين مشرفاً على إعادة صياغة مناهج التعليم، ثم انضم إلى حكومة زيد الرفاعي عام 1973.

وانتقل عام 1975 إلى رئاسة الجمعية العلمية الملكية، ومن ثم أصبح رئيساً للجامعة الأردنية.

يُعدّ من أشد وزراء التربية والتعليم تأثيراً من خلال إعادة صياغة المناهج، إضافة إلى جهوده في تعريب التدريس خلال ترؤسه للجامعة الأردنية. وخلال ستة عقود من العمل السياسي، استطاع تثبيت صورة المتدين المعتدل والتوافقي والعقلاني، فقاد تيار المعتدلين في الحركة الإسلامية منذ عودته إليها عام 1980 نحو الانفتاح على الحكم.

إضافة إلى دوره السياسي، برز الفرحان من خلال مساهمته في المكتبة العربية بما يزيد على عشرين مؤلَّفاً في العلوم الإسلامية ركزت في مجملها على التربية، كما برز كمدافع عن تعريب المناهج في العالم الإسلامي بما يتناسب ومفاهيم المجتمعات الإسلامية وقيمها، دون إغفال لروح المستقبل، والحاجة الدائمة للتطوير. نال الفرحان رحمه الله العديد من الأوسمة، منها: وسام التربية الممتاز (وزارة التربية والتعليم، في الأردن)، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى (الديوان الملكي الأردني).

عمل مدرساً للعلوم في المرحلة الإعدادية والثانوية في مدرسة السلط الثانوية (1958- 1960م)، ومدرساً للعلوم العامة والكيمياء في معهد المعلمين بعمان عام (1960م)، كما عمل رئيساً لقسم إعداد المعلمين وتأهيلهم، بوزارة التربية والتعليم (1964- 1965م)، وعمل محاضراً غير متفرغ في كلية الشريعة وكلية التربية في الجامعة الأردنية خلال الأعوام (1964- 1970م). أشرف على عملية تطوير المناهج والكتب المدرسية في الأردن بين سنتي (1964 و 1973م) التي اشتملت على حوالي ثلاثمئة كتاب مدرسي ودليل معلم، للتعليم العام.

كما عين رئيساً لقسم المناهج والكتب المدرسية في وزارة التربية عام (1965م)، ومديراً للخدمات التربوية، ومديراً عاماً لمديرية المناهج والكتب المدرسية في وزارة التربية والتعليم، حتى عام (1970م).

عين وزيراً للتربية والتعليم ووزيراً للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في وزارة الشهيد وصفي التل عام (1970م)، ثم وزيراً للتربية والأوقاف كذلك في وزارة السيد أحمد اللوزي الأولى في عام (1971م)، واحتفظ بهذا المنصب في وزارة أحمد اللوزي الثانية عام (1972م)، ثم عين وزيراً للأوقاف والمقدسات والشؤون الإسلامية في وزارة زيد الرفاعي عام (1973م)، حيث استقال منها بعد خمسة أشهر.

عين مستشاراً، ومن ثم رئيساً للجمعية العلمية الملكية، خلال عام (1975- 1976م). وعمل أستاذاً للتربية ورئيساً للجامعة الأردنية من عام (1976- 1978م). كما عمل استاذاً متفرغاً للتربية وتخطيط المناهج في جامعة اليرموك (1978- 1989م). وكذلك كان رئيساً للجنة العليا لتطوير المناهج والكتب المدرسية لسلطنة عُمان منذ سنة 1978 وحتى 1987م، لجميع مراحل التعليم الابتدائي والثانوي وكليات المجتمع الجامعية المتوسطة، التي اشتملت على حوالي ثلاثمئة كتاب مدرسي ودليل معلم.

عين الدكتور الفرحان عضواً في المجلس الاستشاري الأول عام 1978م، ثم استقال منه بعد خمسة أشهر وتفرّغ للتدريس الجامعي، وعين عضواً في مجلس الأعيان في عام 1989م، لمدة أربعة أعوام حتى عام 1993م.

قدم رحمه الله بعض الخبرات في المناهج التربوية للسعودية وقطر والإمارات العربية في عقد الستينات. وكان عضواً فاعلاً في عدد من المجالس التربوية والعلمية، وبخاصة في مجالس الأمناء للجامعات وكليات المجتمع في الأردن وفي العالمين العربي والإسلامي، مثل مجلس أمناء كلية المجتمع الإسلامي، ومجلس أمناء الجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك في الأردن، والجامعة الإسلامية في السعودية، والجامعة الإسلامية العالمية في باكستان.

وكان أحد مؤسسي حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وتولى أمانته العامة منذ تأسيسه 1992- 1998م، وتولى رئاسة مجلس شورى الحزب منذ عام 1998- 2002م.

وعلى صعيد المجالس العلمية؛ وكان رئيسا لجامعة الزرقاء الأهلية منذ تأسيسها عام 1994 وحتى عام 2007م، وعضو في مجلس أمنائها، منذ تأسيسها عام 1994.

كما كان عضوا في مجلس إدارة شركة الزرقاء للتعليم والاستثمار منذ عام 1992، ورئيسا لمجلس إدارة شركة الزرقاء للتعليم والاستثمار منذ 2002 وحتى العام 2004م.

ورئيسا لجمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، منذ تأسيسها عام 1979.كما تولى رئاسة المجلس العلمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب عمان، منذ 1980.

ورئاسة مجلس أمناء كلية المجتمع الإسلامي، منذ عام 1980م، وعضوا في مجلس مجمع اللغة العربية الأردني، منذ تأسيسه عام 1976م.

شارك في عضوية التحرير والاستشارات لمجلات علمية محكمة، واشرف على ترجمة العديد من الكتب، وشارك في مئات المؤتمرات العلمية، وله عشرات الأبحاث العلمية المنشورة في المجلات المحكّمة، وله المئات من المقالات التربوية والطروحات الإسلامية والسياسية والاجتماعية في عدد من الصحف الأردنية والعربية.

وله عدد من الأعمال العلمية والفنية، والمؤلفات والأبحاث والتقارير الفنية والمقالات العلمية والمترجمة، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في التربية.

القيادي في الحركة الإسلامية الدكتور عبداللطيف عربيات قال إن المرحوم يعد من رموز البلد المخلصين الذين قدموا كل ما لديهم من فكر من أجل رفعة بناء الوطن، والحرص على مواصلة العمل الدعوي الإسلامي.

واستذكر عربيات دور المرحوم فرحان في بناء العديد من المساجد لاسيما مسجد الجامعة الأردنية. لافتاً إلى اسهاماته الدينية والتربوية والفكرية خلال باع طويل من الزمن.

المراقب العام السابق لجمعية جماعة الاخوان المسلمين عبدالمجيد الذنيبات استذكر الاجتماعات المتواصلة التي كان يشارك بها إلى جانب مجموعة من قيادات الحركة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي بحضور الفرحان رحمه الله؛ من أجل تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي الذي أصبح الأمين العام له. وقال الذنيبات إن الفرحان كان بمثابة رجل الدولة والداعية المستنير، الذي استطاع أن يقدم كل ما لديه من فكر يحترم، لافتاً إلى دوره في تأسيس الجامعة الأردنية وكذلك جامعة الزرقاء الأهلية.

وقال المراقب العام لجمعية جماعة الإخوان المسلمين الدكتور شرف القضاة:" إن الدكتور إسحاق الفرحان رحمة الله كان نعم المسلم، ونعم المفكر، ونعم الأخ فهما وتطبيقا، ونعم الداعية بسلوكه وأخلاقه الإسلامية الراقية قبل كلامه، ونعم التربوي علما وتعاملا،ونعم المسؤول، ونعم العامل للإسلام في كثير من مجالات العمل في الأردن والعالم".

وأضاف" لقد عرفت فيه الإخلاص لدينه ووطنه ودعوته، وعرفت فيه الاعتدال والوسطية في فهم الإسلام والدعوة إليه، وكان من أبرز قادة الفكر والدعوة الإسلامية في الأردن والعالم.

كان يمثل العلاقة العميقة بين الأردن وفلسطين، ويرى أنهما توأمان لا يمكن الفصل بينهما. وكان يرى ضرورة المشاركة السياسية سواء في البرلمان أو الحكومة، وشارك فعلا في عدة وزارات، وتحمل في سبيل ذلك الاتهامات والعداء والتشويه من بعض المتشددين داخل الحركة الإسلامية".

ويؤكد الدكتور القضاة أن المرحوم لم يكن يريد مما تسلمه من مناصب سياسية أو أكاديمية مصلحة شخصية، وإنما كان يهدف إلى خدمة بلده الأردن، واستقال أكثر من مرة من مواقع هامة لأنه لم ينسجم مع بعض السياسات الحكومية آن ذاك، وترك أثارا كبيرة طيبة في كل موقع استلمه.

ويرى رئيس جمعية المركز الإسلامي الخيرية الدكتور جميل الدهيسات بأن الدكتور الفرحان من قيادات الحركة الإسلامية التوافقية التي حملت الوطن بفكرها ووجدانها، وقدمت كل ما لديها من أجل خدمته ورفعته وازدهاره. وأشار إلى حكمة الفرحان التي اسهمت خلال فترة من الزمان باحتواء العديد من الخلافات والتصدي للقضايا الوطنية من أجل الأردن الذي أحبه.

الدكتور رحيل الغرايبة أمين عام حزب المؤتمر الوطني زمزم قال إن الأمة العربية والإسلامية فقدت الأستاذ الدكتور إسحق احمد فرحان أحد رجالات الأردن الأوفياء واحد قيادات الحركة الإسلامية وأحد أعلام التربية والتعليم على مستوى العالم العربي والإسلامي، والذي يعد واحدا رموز الوسطية والاعتدال والفكر المستنير الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة وقوة الرأي واكتمال الشخصية العلمية.

الشيخ الفرحان الذي درس العلوم في الجامعة الأميركية جمع في كيمياء خاصة به بين تخصصه العلمي، وتدينه العميق وميوله السياسية، وهو ما جعل منه رجل دولة ومجتمع، وقد اختير في العام 1989 عضواً في مجلس الأعيان. وهي الفترة التي شهدت انطلاقة مرحلة التحول الديمقراطي وإقبال السياسيين على الترشح للانتخابات النيابية.

ويضيف الدكتور الغرايبة إن المرحوم الدكتور الفرحان يعد من الشخصيات الالمعية التي حملت معالم النبوغ المبكر والذكاء الحاد والجرأة العلمية والأدب الجم والخلق الرفيع. ولفت إلى أنه كان علما في الفكر الإسلامي المستنير وكان يؤمن بأسلوب المشاركة السياسية في الحكم والسلطة منذ وقت مبكر عندما كان يسود فكر المفاضلة والعزلة الشعورية وجاهلية المجتمعات والأنظمة، وكان محل ثقة لدى المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه وكذلك لدى معظم رجالات الدولة.

والفرحان الذي كان مؤسسا وفاعلا في جماعة الإخوان المسلمين وكان أول أمين عام لحزب جبهة العمل الإسلامي بعد وفاة الأمين العام المؤسس، يسجل له بأن هذه الحقبة في عهده شهدت أفضل علاقة بين الحركة الإسلامية والحكومة دون أن يكون الفرحان رجل حكومات.

تشهد الطروحات التي قدمها الفرحان خلال مشاركاته في المنتديات المحلية والخارجية أنه شخصياً رجل حوار يعامل من يختلف معه باحترام، وهدوء، مبتعدا عن أساليب التعبئة والتحشيد، وكان ينحاز لمصلحة الوطن بعيدا عن أي حسابات أخرى. مزج في تجربته السياسية بين البيروقراطية والتكنوقراط، فالمرحوم عايش تجارب مهمة ومتنوعة في التعليم والوظائف التي تقلدها. كان زاهدا في الظهور الإعلامي، يعمل بصمت.

ويسجل للحركة الإسلامية في عهده بأنها نجحت في التداول السلمي للقيادة، وهو ما أخفقت فيه إخفاقاً ذريعاً قيادات إسلامية في مرحلة لاحقة.

وفي الأعوام الأخيرة الماضية لم يعد الفرحان من القيادات الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين وإن ظل أحد رجالاتها البارزين والمؤثرين، يوظف حكمته في توطيد العلاقات بين قيادات الجماعة وتقريب وجهات النظر بينهم، يقدم طروحاته وأفكاره النيرة كلما اقتضت الحاجة، همه وحدة الجماعة وتماسكها. امتاز عن سواه بأن كرس صورة القيادي المتصالح والمتوافق مع الآخرين، ينظر إلى الأمور من منطق عقلاني، لم يبخل على الوطن بعطائه.