حاورته: هاجر الطيار

يلقى الأدب الأردني مزيداً من الاهتمام لدى القراء والنقاد العرب، ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأديب والإعلامي الليبي يونس الفنادي، الذي كتب مقالات وأنجز دراسات حول عدد من الإصدارات الأدبية الأردنية، ونشرها في مواقع الكترونية وصحف ومجلات عربية.

تالياً حوار مع الفنادي أجري معه في العاصمة الليبية طرابلس، للحديث حول مسيرته في الكتابة، وتجربته في النقد التي يفضّل إدراجها ضمن «القراءة الانطباعية» لا المنهجية، وكذلك تقييمه للمنجز الأدبي الأردني:

تحرص على التذكير بانك قارئٌ ولست ناقداً. ومع ذلك تكتب النقد. هل من توضيح؟

لا أدعي أنني ناقد بالمفهوم الأكاديمي أو المنهجي بالقدر الذي أقدم فيه قراءات انطباعية تبرز جماليات النص والمكامن التي اخترقنني وأثّرت في مشاعري وظلت متفاعلة في كياني. قد أضيف إليه شيئاً، وقد أتناول اقتباسات منه فأُثريها وأربطها مع جوانب أخرى ربما تفوت القارئَ العابر، ومن خلال هذا أؤكد على الدور الحديث للقارئ الذي لم يعد مجرد متلقٍّ للنص الإبداعي، بل أصبح يعيش النص بعمق.

عندما تمارس النقد، هل تكون معنياً بالنص أم بصاحبه؟ وكيف تختار الكتب لتناولها نقدياً؟

أنا قارئٌ أختار بذائقتي الخاصة، ولم أكن يوماً قلماً يكتبُ ما يختاره أو يقترحه عليه الآخرون، وهذا ما يجعلي أختار الاثنين معاً؛ النص والمبدع. هناك نصوص تترك شعوراً داخلياً لديَّ يدفعني لأن أضيف إليها شيئاً ما، وأجدها جديرةً بأن تُقدَّم إلى القارئ لكي يتعرف عليها ويشاركني متعة الاستمتاع في فضائها.

أما على صعيد الشخص المبدع، فهناك شخصيات تستحق أن تكون ضمن رصيدي الكتابي، فأختار لهم نصوصاً تلامسني وتشبه ذائقتي وأتوقع أنها ستترك أثراً يعْلَق في ذهن المتلقي حين يطالعها في مقالاتي.

يبرز النمط الإحصائي في قراءاتك النقدية. هل يعود ذلك لطبيعة مهنتك وتخصصك الأكاديمي كخبير في الأرصاد الجوية؟ وما الدور الذي لعبه هذا التخصص في قدرتك على رصد ما يكتنفه النص من جوانب تستحق أن يلتفت إليها المتلقي؟

قد يعود هذا لكون منهجية عمل الأرصاد تعتمد على الإحصائيات من خلال الرصد الدقيق والاستقراء والمتابعة، ومن هنا يكون الغوص في التفاصيل ورصد جماليات النص واكتشافها وإبرازها للمتلقي. وبالمقابل، فإن ما يؤول إليه النص من أبعاد مستقبلية أو تنبؤات هو غير وارد في كتاباتي الأدبية.

ما الذي دفعك لتناول كتب لأدباء غير ليبيين، وخصوصاً من الأردن وتونس وفلسطين؟

بدايةُ خوضي لغمار هذه التجربة كانت ربما من خلال الشاعرة التونسية نجاة المازني التي أهدتني عدداً من إصداراتها، ورأيتُ أنها تستحق أن أقدم مقالة مطولة حول أعمالها. بعدها أعد الأديب التونسي د.محمد البدوي دراسة عن الشاعر الليبي علي الفزاني وأصدرها في كتاب، فقدمتُ ذاك الكتاب الذي كان رسالة في الدراسات العليا للبدوي. ثم كتبتُ حول ديوان «نصوص حنظلة» للشاعر الفلسطيني المتوكل طه. بعد ذلك أهداني الشاعر الفلسطيني جميل حمادة مجموعة قصصية للكاتب الأردني محمد عارف مشة بعنون «شبابيك»، وهي تتضمن قصصاً قصيرة جداً، فكتبتُ حولها مقالةً مطولة نشرتها صحيفة «الرأي». وتوالت بعدها الإهداءات من كتاب وشعراء أردنيين سعدتُ بها. وبدأتُ أكتبُ حول عدد من الأعمال الأردنية، فتناولتُ المجموعة القصصية «أنثى تشبهني» للكاتبة د.نهلة الشقران، ثم كتبتُ حول مجموعة «ضيوف ثقال الظل» للقاص جعفر العقيلي، وبعدها كتبتُ عن ديوان الشاعر الراحل عاطف الفراية «أنثى الفواكه الغامضة»، ومؤخراً أنجزتُ قراءة في مجموعة الأديبة سهى حدادين «لرُوحكِ ألملم حروفي، إلى جانب قراءة تتناول حضور المدينة في الشعر الأردني، متخذاً من مجموعة الشاعرة غدير حدادين «سأكتفي بحبك قمحاً للطريق» نموذجاً.

وما الذي لفت انتباهك في الأدب الأردني؟

الأدب الأردني كغيره من الآداب الحسية والفكرية في البلدان الأخرى، يزخر بالكثير من الجماليات والقيم الإنسانية والإبداعات التي تستحق أن تُبرَز ويعرفها المتلقي في الدول العربية الشقيقة. هذا ما أؤمن به، وقد ربطتُ في مقالاتي بعض النصوص الأردنية بمثيلاتها من النصوص الليبية، فيما يُعرف في النقد الأدبي بـ «التناص»، سواء على مستوى العنوان أو على مستوى فكرة الموضوع أو تقنيات عرضه فنياً. وكمثال على هذا تناولتْ الشاعرة الأردنية غدير حدادين مدينة عمّان في كتابها كما تناولت إحدى الشاعرات الليبيات مدينة طرابلس، وهذا حفزني للإسهام في ربط الجسور بين مثقفي البلدين والمقاربة بين النصين للشاعرتين وكيف عبّرت كل واحدة منهما عن المدينة العاصمة لوطنها.

وللعلم، فإنني لست أول من طرق هذا الباب، أقصد الكتابة والتواصل على الصعيد الأدبي بين ليبيا والأردن، فقد سبقني إليه الأديب الأردني عيسى الناعوري، الذي ارتبط بعلاقات أدبية وإنسانية وثيقة وقوية مع صديقه الأديب الليبي خليفة التليسي، رحمهما الله تعالى. وقد اتخذتُ ما نشره الناعوري حول تلك العلاقة العربية بإحدى مقالاته في عقد الستينات، استهلالاً لقراءتي التي قدمتها حول مجموعة د.نهلة الشقران، لأن التساؤلات التي طرحها الناعوري آنذاك ما زالت حاضرة في المشهد الأدبي العربي حتى هذه الساعة.

ماذا يعرف الأديب الليبي عن الأديب الأردني؟

لا أدعي المعرفة الكاملة، ولكن أؤكد أن الإجابة محبطة. ولا أظن أن الأديب الأردني كذلك يعرف الكثير من الأسماء الأدبية في الساحة الليبية. ولا أستطيع القول إني قد نذرت نفسي لسدِّ هذا الفراغ بين الطرفين، ولكني أحاول قدر الإمكان أن أسهم في ذلك، فأنا ربما أكون الكاتب الليبي الوحيد الذي نشر أكثر من خمس مقالات حول الأدب الأردني، وهذا يسعدني كثيراً. وآمل أن أرى كاتباً أردنياً يكتب عن النص الليبي والتعريف به في الأردن كذلك. وهذا بلا شك يحقق الغايات المرجوة من الأدب، وهو مد الجسور والتبادل المعرفي والإبداعي بما يخدم الأهداف المشتركة.

يرى بعضهم أن هناك تشابهاً كبيراً بين الشعبين الأردني والليبي. ماذا تقول بهذا الخصوص بعد أن تمكنت من فتح نافذة على الأدب الأردني وتواصلت مع عدد من الأدباء الأردنيين؟

كانت الإذاعة المرئية الليبية (التلفزيون) خلال ثمانينات القرن المنصرم تعرض العديد من أعمال الدراما والمسلسلات التلفزيونية الأردنية مثل (حارة أبو عواد) و(هبوب الريح ) وغيرهما، فنلاحظ فعلاً أن هناك تشابهاً في المفاهيم والأفكار وبعض الألفاظ وظروف البيئة العربية المشتركة. وبما أن الحياة في الأردن تغلُب عليها الطبيعة العشائرية والقبلية، فقد وجدتُ هذا أيضا ربما قاسماً مشتركاً بين الشعبين. طبعاً أنا لستُ متخصصاً في علم الاجتماع لأقدم أحكاماً مطلقة في هذا الجانب، ولكن يمكنني من خلال مطالعتي المحدودة للنص الأدبي الأردني القول إنني لمستُ أن مضامين بعض الأمثال الشعبية الأردنية لها حضور في المجتمع الليبي رغم اختلاف اللفظ حرفياً. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الأهازيج الشعبية والفلكلورية التي وردت في قصص د.نهلة الشقران وجعفر العقيلي. وفكرياً من خلال أجواء وفضاءات النص القصصي لاحظتُ تشابهاً في غَلَبَة العقلية الذكورية التي تُقصي المرأة في بعض جوانب الحياة وتحاول التقليل من شأنها ككائن له قيمة إنسانية.

لماذا اهتمامك بأدب المرأة في ليبيا وخارجها. وهل تعتقد بوجود «الأدب النسائي»؟

إن مصطلح «الأدب النسائي» بمقابل «الأدب الرجالي» هو مصطلح يكتنفه الجدل. وأعُدّ الاهتمام بأعمال الأديبات الليبيات خاصة والعربية كافة، هو التفاتة لجانب المرأة. ويسعدني أن أقرأ نصوصاً للمرأة الليبية بشكل عام، فقد سجلت إسهامات عظيمة في التنمية المجتمعية وأثْرَت الحركة الأدبية في ليبيا، ويشرفني أن أكتب عنها وأتناولها في دراساتي الأدبية.

وللعلم، فإن الراحلة زعيمة الباروني كانت أول امرأة ليبية تُصدر مجموعة قصصية، وحملت مجموعتها عنوان «قصص الأدب القومي» (1957)، وفي عام 1972 كانت مرضية النعاس أول كاتبة ليبية تُصدر رواية، وحمل عملها عنوان «شيء من الدفء»، أما أول ديوان شعر نسائي في ليبيا فقد صدر للشاعرة فوزية شلابي وحمل عنوان «في القصيدة التالية أحبك بصعوبة» (1984). علماً بأن تاريخ إصدار هذه المطبوعات لا يعني أن النصوص كُتبت في تلك التواريخ، فهناك ما كُتب قبلها بكثير.

لقد تناولت في كتابي «ثورة فبراير في الأدب الليبي» (2013) التجربة القصصية عند الكاتبة عزة كامل المقهور، وتأثرها بالأوضاع السائدة إبان ثورة فبراير 2011 وقدرتها على التقاط العديد من الصور النضالية الواقعية وإحالتها بأسلوب سردي مفعم بالوطنية إلى قصص تدعم الشارع الثائر. أما كتابي الأخير «روايات ليبية نسائية» (2017) فقد تضمَّن قراءات انطباعية في روايات كتبتها مبدعات ليبيات، وقدمت له د.فريدة المصري أستاذة الأدب العربي والنقد بجامعة طرابلس. وهذه الروايات الستة هي: «الهجرة على مدار الحمل» للكاتبة رزان نعيم المغربي، و»قصيل» للكاتبة عائشة إبراهيم، و»صراخ الطابق السفلي» للدكتورة فاطمة الحاجي، و»خريجات قار يونس» للدكتورة عائشة الأصفر، و»زرايب العبيد» للدكتورة نجوى بن شتوان، و»أسطورة البحر» للدكتورة فريدة المصري.

وفيما يخص أعمالي النقدية خارج حدود الوطن، فإني لا أقلل من شأن المرأة، خاصةً وأننا نحن العرب نتشابه في العقلية الذكورية. ورسالتي بهذا الخصوص هي «إن المرأة قادرة. فقط نوِّروا عقولكم!».

حدثنا عن إصدارتك الأدبية..

أول إصداراتي هو ديوان شعر بعنوان «لعينيكِ أغني»، وأهديته «إلى ليبيا ولَّادة النجباء». فالغناء كان لليبيا وحدها، والعنوان هو لقصيدة اخترتُها عتَبَةَ الدخول إلى بقية النصوص، وهذا الإصدار لا يمكنني أن أسميه ديواناً لأنه عبارة عن خواطر ونصوص تشكل البدايات لكل كاتب مغامر، وفيه تجريب في أنواع مختلفة من الكتابة، جمعتها وأدرجتها فيه، وشرفني د.الصيد أبو ديب، أستاذ الأدب العربي بجامعة طرابلس، بكتابة تقديم لهذا الإصدار.

وصدر لي بالتزامن، كتاب آخر بعنوان «قراءاتٌ أدبية» تأسس على شقين: تناولت في الأول القصة والمقالة عند الأديب الراحل الصادق النيهوم، حيث جمعتُ خمسة قصص نشرت بمجلة «كل العرب» العراقية التي صدرت في باريس خلال ثمانينات القرن الماضي، وكان الشق الثاني حول الشاعر د.عبد المولى البغدادي وتضمن ورقة حول أعماله قدمتها في ندوة بعنوان «دور المثقف العربي في قضايا الأمة العربية» في منتصف التسعينات، إضافة إلى لقاء وحوار صحفي كنتُ قد أجريته معه ونُشر بصحيفة «العرب» اللندنية، ومقالة مطولة قدمت فيها ديوانه اليتيم «على جناح نورس» عقب صدوره.

أما الكتاب الثالث في مجال الأدب ونقده، فكان بعنوان «الأدب الليبي في ثورة فبراير: قصص عزة كامل المقهور نموذجاً» (2012)، والرابع «النص الشعري عند سعدون السويح» (2013)، والسادس «طرنيش في القلب» (2017)، وهو حول الصحفي الراحل محمد رجب طرنيش. وحمل كتابي الأخير عنوان «روايات ليبية نسائية». كما إن لي إصداراً حول الأرصاد الجوية والتشريعات القانونية.