اذا كان هناك ما يمكن تسميته مجازا تدشين (الحرب الباردة الثانية) فلربما يكون الوضع الانسب لهذا التحول الخطير في الوضع الدولي هو ما يتابعه العالم هذه الايام من حملة طرد دبلوماسية جماعية واسعة النطاق للدبلوماسيين الروس من اوروبا والولايات المتحدة وبتوقع رد روسي ليس اقل حدة فان هذه الحالة لم تحدث وفق المراقبين حتى في خضم الحرب الباردة الاولى بين المعسكرين الراسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي في تلك الحقبة.

ما يمكن وصفه بالحرب الباردة الثانية تندلع في هذه المرحلة بعد نحو 28 عاما من انتهاء الحرب الباردة الاولى التي امتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945 وانتهت مع تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية في بداية التسعينيات من القرن الماضي وانتصار الغرب بقيادة الولايات المتحدة في نهاية تلك الحقبية وتحول العالم من عالم ثنائي القطبية الى عالم احادي القطبية باستفراد واشنطن بالساحة الدولية بلا منازع ومن خلفها العالم الغربي خاصة اوروبا وطيف واسع من الحلفاء في شتى اصقاع العالم وفي الشرق الاوسط بوجه خاص.

تفجر الاحداث الاخيرة بين الغرب وروسيا على خلفية اتهام بريطانيا لموسكو بالمسؤولية عن تسميم الجاسوس الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الاعصاب في مدينة سالزبري البريطانية ،انما هي نتيجة اكبر بكثير من الحديث ذاته ، بل القشة التي قصمت ظهر العلاقات الغربية الروسية ، وكشفت الغطاء الاخير عن الجمر المشتعل تحت رماد الازمات المتفاقمة التي توالت بين الطرفين خلال السنوات الاخيرة في اكثر من ساحة سواء في اوكرانيا او الشرق الاوسط ، او الاتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات في الولايات المتحدة وعدد من دول اوروبا وحتى في تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي مرورا بالازمة المتفاقمة بالتهديدات الامنية والعسكرية المتبادلة بين اوروبا وروسيا والاحتكاكات المتعددة سياسيا وعسكريا خلال السنوات الاخيرة وان لم تصل الى طابع المواجهات المباشرة لكنها كانت تشي على الدوام ان مرحلة الهدوء الاجبارية في العلاقات بين روسيا والغرب قد ولت الى غير رجعة الى مرحلة جديدة من التنافس والصراع ان لم يكن مباشرة فسيكون بالوكالة في العديد من الساحات والازمات المتعددة على الساحة الدولىة هذا فضلا عن تراجع العلاقات الثنائية بين روسيا والغرب الى مربعات غاية في السوء والتوتر ومرشحة لتصعيد اكثر خلال المرحلة المقبلة.

ولكي تبدو الصورة اكثر وضوحا فانه لابد من الاشارة ، الى ان الازمة الراهنة بالطرد الجماعي المتبادل للدبلوماسيين بين روسيا من جهة والولايات المتحدة واروبا وكندا وربما تتوسع قائمة الدول الى دول اخرى وتجمعات خارج هاتين الكتلتين خلال المرحلة المقبلة ، فان حالة عدم اليقين والشك ولهجة العداء باتت ملموسة خلال السنوات الاخيرة والتنافر كان هو السائد بين الطرفين ولم تكن الاحداث والازمات المتتالية وصولا الى تسميم الجاسوس الروسي على الاراضي البريطانية سوى شرارة اشتعال وصولا الى الانفجار الاكبر الذي يدشن ما يمكن وصفه ب( الحرب الباردة الثانية ) اذ ان السؤال كان خلال السنوات الاخيرة متى ستأتي هذه المرحلة وليس ان كانت قادمة ؟! اذ انه قبل العام 2010 كانت وقعت احداث اكبر من ذلك او شبيهة لها ولم تحدث هذه التطورات الدرماتيكية المتلاحقة لان البيئة لم تكن جاهزة لتدشين هذه الحرب من جديد خاصة من قبل روسيا التي كانت لا زالت في طور اعادة التعافي من تداعيات تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي لكن قيصر روسيا الجديد بوتين كان دوما يوحي انه عازم بالعودة بروسيا قوة عظمى الى الساحة الدولية بعرض العضلات العسكرية والدبلوماسية والعودة لمناكفة واستفزاز الغرب خاصة في الخاصرة الضعيفة اوروبا والتي كان الروس يرقبون تصدع العلاقات بينها اي اوروبا واميركا ترمب التي طرح لها شعار اميركا اولا بسياسة انعزالية غير مسبوقة.

طالما عبرت موسكو بشكل او باخر ، خلال الثلاث عقود الماضية ، التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي عن الشعور بالاهانة والاستفزاز والتجاهل من قبل العالم الغربي ، وتركها تعاني تحت وقع ازمة اقتصادية صعبة واوضاع استراتيجية مرتبكه ، وشعرت بعمق التشفي الغربي بهذا الواقع ، وهو الامر الذي ادركه جيدا رجل الكي جي بي القادم من اعماق الحرب الباردة الاولى فلاديمير بوتين الذي قضى اصعب السنوات في اعادة بناء القوة والهيبة الروسية خلال 18 عاما مضت بثلاث ولايات في الكرملين ، والرابعة هي التي بدات للتو وهي الاخيرة والتي لن

يوفر بها سيد الكرملين الفرصة ، لاعادة زعامة موسكو على الساحة الدولية مهما كلف الثمن ، والثمن بات واضحا انه اندلاع الحرب الباردة الثانية التي تم استهلالها بعملية طرد دبلوماسية واسعة النطاق اكدت موسكو انها سترد عليها بقوة وهذا المشهد ربما لم تشهده فصول الحرب الباردة الاولى وبالتالي فان الساحات الدولية والعلاقات الدولية مقبلة على مرحلة استقطاب حادة وازمات وحروب وصراعات بالاصالة والوكالة ، لم يجانب منتدى ميونخ في دورته الاخيرة قبل اشهر الصواب ولم يبالغ عندما اعلن وحذر من ان العالم يقف مجددا على حافة الهاوية ؟!