لن تتوقف التحليلات والقراءات المتباينة, للمفاجأة التي دوّت اصداؤها ارجاء المعمورة، عندما تم الاعلان عن «موافقة» الرئيس الاميركي ترمب, عقد قمة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون، وإن لم يُحدّد موعد إنعقادها ومكانها، وهما أمران لا يجب التقليل من اهميتهما, نظراً ليس فقط لرمزية ومكان الانعقاد وتأثيره على امكانية نجاح وفشل هذه القمة الفريدة، وإنما أيضاً لان تحديد جدول أعمالها هو الذي سيؤشر على امكانية كهذه، ما يعني ان اللاعبين الرئيسيين في هذا الملف الشائك والمعقّد والمفتوح على احتمالات عديدة، سيبذلون جهوداً مكثفة لإنجاحها وعدم السماح بتفويت فرصة ثمينة كهذه لم يسبق ان توفّرت, وسط ضجيج اميركي اتّسم بالافراط في عدوانيته وقرع طبول الحرب والتهديد بضربات نووية وتبجّح بامتلاك «زر نووي» اكبر بعشرين مرة من زر بيونغ يانغ, عندما نجحت الأخيرة في امتلاكه, بعد مشوار طويل ومضن من المواجهة مع واشنطن, التي فرضت عقوبات غير مسبوقة على دولة فقيرة ومحاصَرَة, اعتُبِرت إحدى دول «محور الشر» في العالم، لكنها لم ترضخ للابتزاز الاميركي والحملات الضارية التي نظّمتها الادارات الاميركية المتعاقِبة, وخصوصاً الحالية مفرطة العدوانية والغطرَسة، رغم ان الادارات السابقة «لم تُقصِّر» في فرضها, حتى اثناء الحوار الطويل (والمتقطِّع) للمجموعة «السداسية» التي اخضعت الملف النووي والصاروخي الكوري للمناقشة, وكانت واشنطن وسيؤول وطوكيو في جانب, مقابِل بيجين وموسكو وبيونغ يانغ في اجانب الآخر.

الحرب الكلامية.. لاذعة الاوصاف التي اندلعت بين ترمب «الأول» وكيم «الثالث».. ما تزال حاضرة في الاذهان وفي ارشيف التراشق الإعلامي «المُهين» بينهما, على نحو يستدعي الان وبعد الاعلان عن «مجرد» الموافقة على عقد القمة, هذه السلسلة من الاوصاف ومَنْ بالتحديد «نجح» في استدراج الآخر، هل هو «المجنون.. الذي يمتلك اسلحة نووية» على ما وصَفَ الرئيس الاميركي نظيره الكوري الشمالي, وبخاصة بعد ان ردّ الاخير على اوصاف ترمب المهينة بنعته «بالعجوز». فيما اثار هذا الوصف ترمب فقال في غضب: لماذا يُقدِم جونغ اون على «إهانتي» من خلال نعتي بـ»العجوز» في حين لن أُقدِم انا على نعته بـ»القصير والبدين»؟.

سيختلف كثيرون حول الإجابة، إذ هناك من سيعزو ذلك النجاح في الإستدراج الى ترمب والضغوط التي مارسها والعقوبات التي اوقعها على بيونغ يانغ, سواء عبر مجلس الامن أم من واشنطن مُباشرَة، فيما سيكون هناك من يرى ان كيم جونغ اون اثبت جدارته وقدرته على دفع ترمب للموافقة على «قمة» لم تكن في حسبان احد، بعد ان «ناوَر» جيداً ليس في انه اشترى المزيد من الوقت من اجل إنجاح التجربة الاخطر والضرورية للدفاع عن نظامه, وهي امتلاك تقنية الصاروخ الباليستي طويل المدى القادر على حمل رأس نووي وضرب مدينة سان فرانسيسكو الاميركية, بل وايضاً لاستمالة (جزئية) لجارته الجنوبية بعد قدوم رئيس معتدل مؤيد للحوار مع الشطر الشمالي, ورفضه الخيار العسكري الذي تلوِّح به ادارة ترمب, وإن وصلت الامور الى عمل عسكري فإن عملاً كهذا لن يتم «إلاّ» بموافقة سيؤول عليه. وكانت «دبلوماسية» الالعاب الاولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية, فرصة ثمينة اهتبلتها بيونغ يانغ كي تمضي قدماً في التقارب مع جارتها الجنوبية, لوضع اسس لحوار – وربما قمة – مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن, الى ان فوجئ العالم أجمع باعلان مسؤول كوري جنوبي «ومن البيت الابيض» عن موافقة ترمب على عقد القمة العتيدة في اوائل شهر آيار القريب.

من السذاجة الاعتقاد غياب الصين وروسيا عن حدث دراماتيكي وبأبعاد استراتيجية كهذا، بل ثمة تسريبات تتحدث عن ان المبعوث الكوري الجنوبي الذي زار واشنطن مؤخراً, لإطلاعها على نتائج «الحوار» بين الكوريتين, حمل الى الادارة الاميركية اقتراحاً «روسِياً صينيّاً» ينص على نزع كامل للسلاح النووي في الكوريتين (بمعنى ان ليس على كوريا الشمالية ان تنزع سلاحها النووي بل وايضاً على واشنطن ان تُزيل كل اسلحتها النووية الموجودة في الشطر الجنوبي من كوريا).. الأمر الذي اسهم في قبول ترمب عقد القمة المنتظرَة, والتي ستواكبها بالتأكيد شكوك وتصريحات استفزازية ومعارِضة من صقور البيت الابيض و»حزب الحرب» المُتنفِّذ على الساحة الاميركية والمدعوم من شركات صنع السلاح واللوبيات المساندة له، وهو ما بدا واضحاً في تصريحات الناطقة باسم البيت الابيض سارة ساندرز التي قالت: «هُم يعرِفون اننا مستمرون في مناوراتنا العسكرية» واننا «ملتزمون بالابقاء على الضغوط والعقوبات الى ان تتخذ كوريا الشمالية خطوات ملموسة نحو نزع كامل للسلاح وقابل للتحقق ولا رجعة للاسلحة النووية»، وغيرها من قبيل التبجُّح «اننا مستمرون في العمل من موقع القوة».

ذلك كُله لن يُغيّر كثيراً او يؤثِّر, في حقيقة ان القوى المحِبة للسلام وتلك الرافضة للهيمنة الاميركية والمتحدية لها, ستواصل جهودها المكثفة من اجل استغلال هذه الفرصة التاريخية, لـ»لجم العدوانية الاميركية» ونزع فتيل إحدى أخطر بؤر التوتر التي واظبت واشنطن على ابقائها ساخنة ومفتوحة, رغم كل ما يبرّره الاميركيون, وما يخترعون من انباء كاذبة حوله, وبخاصة في محاولاتهم التي لا تتوقف لخنق كوريا الشمالية وإسقاط نظامها.

في السطر الاخير.. ساكن البيت الابيض يتحدث عن «صفقة جار العمل لاتمامها مع كوريا الشمالية» وهي غير «صفقة القرن» التي يُعدّ لها مع صِهره الفاسِد وفريقه الصهيوني, المُولَج «عملية للسلام» في الشرق الاوسط.. فدعونا ننتظر لِمَن ستكون الأولوية.. لصفقة كوريا ام لصفقة «تصفية» القضية الفلسطينية؟

kharroub@jpf.com.jo