كتبت - سهير بشناق

كم يعد « عيد الحب » الذي انتشر الاحتفال به خلال السنوات الماضية بشكل لافت وبخاصة بين الشباب

عيدا يحمل رونقه كما كان ، في ظل اعتباره الان ترفا لا مبرر له في وقت تجد اسر كثيرة صعوبة في ادارة اوضاعها المادية بل تكاد عاجزة عن توفير المتطلبات الاساسية لها ولافرادها.

مواقع التواصل الاجتماعي اشرت خلال اليومين الماضيين الى مجيء عيد الحب في وقت تفتقد الاسر الحب وتشعر بالاحباط واليأس ما يدفعها لالغاء اي وسيلة قد تعبر عن راحة واطمئنان افرادها.

في السنوات الماضية وصل سعر الوردة الحمراء خمسة دنانير وكان يعتبر يوم عيد الحب مناسبة لزيادة مبيعات محلات الورود وبخاصة من قبل الشباب غير مبالين بما يدفعونه ثمنا للورود ما دامت تعبر عن مشاعرهم حيال احبائهم وبالرغم من ان سعر الوردة ا وصل هذا العام في عيد الحب خمسة دنانير الا ان الاقبال على شرائها ضعيف جدا بحسب محلات بيع الورود.

كيف سيكون عيد الحب وسيلة للتعبير عن مشاعر الاخرين وهي مشاعر محملة بالاحباط وضبابية الرؤية للغد والخوف من المستقبل لصعوبة الاوضاع الاقتصادية الراهنة والشكوى من ارتفاع الاسعار بطريقة تفقد الاخرين الرغبة حتى بالتعبير عن مشاعرهم ولو باقل الوسائل.

الا ان عيد الحب اصبح عادة اجتماعية اكثر مما هو عيد بمفهوم الاعياد وبخاصة عند فئة الشباب بحيث يتهافت الشباب على شراء الهدايا والورود باعتبارها وسائل للتعبير عن مشاعرهم ويشعرون بالنقص والخجل ان لم يتمكنوا من حمل الهدايا والورود لمن يريدون.

فكيف يمكن ان ياتي عيد الحب ليعيد اجواء الراحة والشعور بالحب ولو ليوم واحد بين افراد الاسرة في ظل كل ما تعانيه اليوم.

الدكتور حسين الخزاعي استاذ علم الاجتماع يرى ان الاوضاع الحالية التي يشهدها المجتمع والاسر تحتاج الى اعادة الروابط الاسرية وتبديد الغربة التي يعيشها افرادها والناتجة عن صعوبة الاوضاع الاقتصادية من جهة وتاثيرها على افراد الاسرة عندما يشعرون بان احتياجاتهم الاساسية اصبحت بعيدة عنهم.

واضاف هناك تاثير كبير على الاسر في ظل وجود المظاهر السلبية التي تسيطر على المجتمع من ظهور الاغتراب الاسري وزيادة حالات العنف الاسري و العنف بشكل عام ما يظهر الحاجة لاعادة مشاعر الحب في النفوس ويجعله دافعا للتمسك بالعادات والقيم والسلوكيات الجميلة بين افراد المجتمع.

واشار الى ان الحب هو بداية الالتزام بحياة اجمل تخلو من العنف او اي سلوك غير سوي في ظل عالم غابت عنه المشاعر الصادقة وسيطرت عليه مظاهر سلبية نحن الاحوج اليوم للابتعاد عنها.

واكد الخزاعي بان الحب يتغير لكنه لا يفقد قيمته بل هو يحتاج في ظل متاعب الحياة وهمومها الى اعادته الى مسيرته الطبعية في نفوسنا كونه منبع الحياة ووجودها.

واعتبر الخزاعي ان زيادة اعداد حالات الطلاق سنويا وزيادة اعداد حالات العنف ضد النساء والعنف الموجه ضد الاطفال تعتبر جميعها مؤشرات على الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها الاسرة وتؤدي الى القيام بسلوكيات غير سوية تهدد قيمة ومكانة الاسرة التي تعتبر الاساس في تنشئة الاطفال ودرء اي مخاطر تحيط بهم.

وبيّن ان استخدام الزوج لاساليب التهديد والترهيب وعدم التسامح بين افراد الاسرة لا يزال يتصدر الاسباب الرئيسية للطلاق مؤكدا اهمية العودة لمشاعر المودة والحب والتفاهم والتعاون داخل الاسرة لاعادتها الى مسارها الصحيح.

واعتبر الخزاعي ان الاحتفال بعيد الحب لا يعني المبالغة بتبادل الهدايا بين الاشخاص بقدر ما هي مناسبة تعزز اواصر المحبة والتعاون وتقوي الروابط الاجتماعية فالاحتفال به مناسبة لادخال الفرح والسعادة للفرد وللاسرة والمجتمع في ظل تحديات ومشاكل عديدة تعاني لتصبح النفس امامها بحاجة للحب.

وان كان عيد الحب مدعاة للتعبير عن العلاقات الاجتماعية ومكانتها بالنفوس فان غياب الحب بين افراد الاسرة بما يحمله من معان شاملة وقدرته على ايقاف ضحايا التفكك الاسري يؤثر سلبا على مسار الاسرة بالشكل السليم فان ارقام واحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية تعكس مدى تنامي العنف الاسري وانتشاره في اسر عديدة فالوزارة تقدم الرعاية والخدمات المتكاملة للاطفال المتعرضين للعنف الاسري والبالغ معدلهم السنوي 2304 اطفال منهم 52% اناث و 48% ذكور كما ترعى التنمية الاجتماعية من خلال مراكز الاحداث التابعة لها 2500 حدث متهم ومدان بخرق القانون اضافة الى رعاية 850 طفلا في دور الرعاية الاجتماعية يعانون من مشاكل مختلفة منها التفكك الاسري ومجهولو النسب ومجهولو الوالدين.

ويقول الناطق باسم وزارة التنمية الاجتماعية الدكتور فواز الرطروط ان غالبية الاطفال في دور الرعاية هم من التفكك الاسري الذي يلقي بنتائجه على الاطفال الذين يحرمون من امهاتهم وابائهم وهم بأمسّ الحاجة للحب والرعاية.

واضاف: ان جنوح الاحداث وارتكابهم لجرائم يعاقب عليها القانون تعتبرمؤشرا على وجود خلل ما في رعايتهم في مرحلة عمرية حرجة من حياتهم خصوصاً وان الدراسات الاجتماعية على الاحداث تؤكد ان غالبيتهم يعيشون باسر تتكون من اباء وامهات اي انهم لا يعانون من عواقب وتاثيرات طلاق الوالدين او انفصالهم ما يعكس اهمية دور الاسرة في رعاية ومراقبه ابنائهم الذي بدا بالتراجع الى حد ما امام جنوح الاحداث وقضاياهم.

فان كان « عيد الحب « مناسبة يلجا اليها الكثيرون للتعبير عن مشاعرهم وقيمة العلاقات الاجتماعية بحياتهم فانه ياتي اليوم في اوضاع اقتصادية صعبة افقدته الكثير من معانيه الشاملة التي لا تقف عند حدود شراء وردة او تقديم الهدايا الرمزية.

وان كان هناك مدعاة لاعادة مفهوم الحب من جديد فان الاصل ان يعود الحب بين افراد الاسرة من جديد وان تستعيد الاسرة قدرتها على تقييم معاني الحب بين افرادها والابقاء على لغة الحوار مع ابنائها وبناتها في وقت اصبح ايجاد وقت يجمع افرادها سوية مطلبا اساسيا لمواجهة تحديات الحياة واحاطة افرادها بحب قادر على درء المخاطر عنهم عوضا عن ازدياد حالات التفكك الاسري وازدياد اعداد جنوح الاحداث.

ليشعروا حينها بان وردة واحدة قادرة في لحظة ما على بث مشاعر الفرح والامتنان لمن يتلقاها لكنها لن تكون قادرة على ابقاء الحب بشمولية معانيه حاضرا بكل ايامهم ومستقبلهم ان لم يكن صادقا ومستمرا محملا بمشاعر الامان والاستقرار والقدرة على مواجهة كل ما يمكنه ان يسلبه قيمته يوما تلو الاخر .