قد يكون الإنسان الأوَّل ابتكر الملابس لسَتْر الجسد ووقايته من العوامل الجويّة، لكنَّها تعدَّت ذلك بأشواط، حيث يمكن في عصرنا هذا اعتبارها فنًّا، وقد يكون من أهمّ أنواع الفن، فهي فنُّ متحرِّك قادرٌعلى منح لمسة من الجمال للجسد،وبالمُقابل يُضفي عليها الجَسَدُ بحركته وانثناءاته روحًا.
وهي أيضًا أسلوب للتَّعبير، أو لغة مهمّة سهلة القراءة، ففي عصرنا هذا، ومع عولمة كل شي بما فيه الأزياء، يمكننا أن نميِّز الأزياء التراثيّة مثلًا، لأنها وببساطة بعيدة بالمجمل وبحد كبير عن الأزياء الشائعة عالميًّا. ونتيجةللتَّقاطع المستمرّ بين الأزياء وصناعة الأفلام، قد يستطيع المتلقّي تمييز أصل هذا الزيّ التقليديّ، كما هي الحال مع السّاري الهندي. ولو تناولنا صناعة الأفلام بالمُجمل، نجد أنّ الأزياء عنصرٌ جوهريٌّ ومحوريّ فيها، فهي كفيلة بشرح مكان وزمان الحكاية، ويمكن أن تسهم بشكل كبير في رسم السِّمات الأوليّة للشخصيّات قبل نطقهم بأيّ حرف، فمثلًا قد يتمّ اعتماد الألوان الداكنة في ملابس شخصيّة رجل كئيب، ولشخصيّة عمليّة يمكن اعتماد بنطال «جينز» وأحذية رياضّة، وإن أردنا القول إنّ شخصيّة فتاة أو سيدة تتّسم بالأنوثة بشكل كبير أو مبالغ فيه فسنتعمد إلباسها الفساتين والتنانير بألوان زاهية... إلخ.
وبلا أدنى جهد يمكن تفرقة الملابس الخاصّة بالحياة اليوميّةعن ملابس النوم، أو عن أزياء المُناسبات الخاصّة، ويمكن لهذه الأخيرة أن تكون أكثر تحديدًا؛ فمثلا يرتدي خرّيجو الجامعات والمدارس رداءً خاصًا،وترتدي العروس فستانًا أبيض،أمّا أهل الفقيد فيرتدون–غالبًا- الأسود.
لو مررتَ يومًابصديق دون موعد مسبق لتجده يرتدي بدلة رسميّة ويضع ربطة العنق، ستعلم فورًا أنكَ قد مَرَرْتَ في وقتٍ غير مناسب. ولو دعوتَ شخصًا إلى عشاء فاخر أو احتفال ما، وحضر بملابس يوميّة باهتة، فعلى الأغلب هذا الشخص ليس مهتمًا بك أو بالحدث بحدِّ ذاته، أو أنه يمرُّ بيومٍ عصيب.
ناهيك عن أنَّ الأزياء الموحَّدة تمثّلُ عالمًا بحدّ ذاته؛ فالزيّ العسكريّ قد يتعدّى إخباركَ عن ماهيّة عمل الشخص ليصل إلى رُتَبِه، بطولاته وإنجازاته. كذلك الأزياء الخاصة بالمستشفيات، المدارس، وبعض الشركات والمصانع.
ولا ننسى الملابس الخاصّة بالرياضات على اختلاف أنواعها،فلكلِّ رياضة أزياؤها المصمَّمة لخدمتها بشكل خاص،وبعيدًا عن كونها تضمن الراحة والحماية للّاعبين، هيَّ أيضًاتنطق وتقول؛ فألوان الأحزمة في البِدَل المخصّصة لرياضات الدِّفاع عن النّفس تخولك بمعرفة المستوى الذي وصل إليه اللاعب، ولو تناولنا رياضات أخرى، فسنجد أنّ الملابس هي الفيصل في التَّمييزبين الأفرقة، بل إنكَ أحيانًا قد تستدلّ على الرُّعاة والدّاعمين للأفرقةأوللحدث الرياضيّ من خلال الشِّعارات المطبوعة أو المطرَّزة على بدلهم.
قد يكون لكلِّ جزئيّةٍ في هذه الحياة على امتداد العصور نصيبٌ من الخصوصيّة في الأزياء، ويمكن اعتبار هذه الخصوصيّة لغة عالمية سهلة القراءة، أي أنه يمكن إيصال الكثير من الرَّسائل والأفكار دون الحاجة إلى ترجمة تُذكر.
ففي عصرنا الحالي يعتمد الكثير من المصمِّمين على الرَّمزيات في صناعة الأزياء، لترى بعضهم يُحيي إرثًا حضاريًا عن طريق دمج التراثيّات بالحداثة، في محاولة للحفاظ على هذا الإرث وصَوْنه من النسيان، كاستخدام التَّطريز اليدويّ التقليديّ من مختلف أنحاء العالم، وقد تبنّى هذا النّهج الكثير من المصمِّمين.
ويمكن أن يأتي هذا الدَّمج في سياق التغنّي بحضارة معيَّنة والثَّناء على ما قدّمته مِن فنّ لهذه البشريّة، كاستيحاء بعض المصمِّمين أزياءً من الحضارت المختلفة، فترى أحدهم يسلّط الضوء على الحضارة الفرعونيّة، وآخر يستلهم من اليونانيّة، أو قد يستعيرمصممٌ البهجة والألوان من الأفارقة.
ثم يأتيك آخريكسر كل القوالب باستخدامه لخامات وأدوات لا تمتّ للأزياء والملابس بأيّ صلة، يسخِّرها بذكاء في تصاميمه، وكأنّها رسالة تحثُّ العالم على الخروج عن المألوف وصُنع الخَيارات إن لم توجد.
وقد تتعدّى الرّسائل أسلوب الرمزيّات لتصل إلى التّصريح المباشر، لنرى ملابس مطبوعة أو مطرّزة بالكلمات والعبارات التي من شأنها نشر الحب والسلام والقوّة، أوحتى الإيجابيّة؛ إنْ حَمَلَت شيئًا من الطّرافة. وقد يستعين بعضهم بهذه الأزياء لمُناصرة قضيّة معيّنة.
أي أنّه وبغضّ النّظر عن المنابر الأخرى، فإنّ ما يرتديه المرء من ملابس هي مساحة يمكن استغلالها في التّعبير عن النّفس وعن الاهتمامات.
تحدَّث عن نفسِكَ بلُغة الأزياء، فهي تخوِّلكَ لقول الكثير دون التفوُّه بكلمة!
عبِّر عن نفسِكَ وقُل ما عندك..
حتى وإنْ كانت كلماتكَ قد أُخْرِجَتْ قسرًا من الموضة لهذا العام.