د. معن النسور

حقق الاقتصاد الأردني أداء متواضعا خلال عام 2017 وعلى مختلف المؤشرات الاقتصادية الكلية، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا محدودا بلغت نسبته 1.2 %خلال النصف الأول من العام 2017،وهو مساوٍ للنسبة التي تحققت في نفس الفترة من العام 2016 . وترافق ذلك مع ارتفاع المستوى العام للأسعار مقاساً(CPI) خلال الشهور العشرة الأولى من العام 2017 بنسبة 3.3 % مقابل تراجع نسبته 1.1 %خلال نفس الفترة من العام 2016. وارتفاع معدل البطالة العام ليصل إلى ما نسبته 18 % فيما بلغ معدل البطالة بين حملة الشهادات الجامعية ما نسبته 24.6%، كما سجل أعلى معدل بطالة في الفئة العمرية (20-24) بواقع 38.7% وتأتي هذه المؤشرات في ظل استمرار الأوضاع غير المستقرة على المستوى السياسي والاقتصادي الذي تشهده المنطقة والتي ألقت بظلالها السلبية على أداء الاقتصاد الأردني خلال السنوات الماضية.

وبحسب تقديرات البنك الدولي للاقتصاد الأردني في تقريره الصادر عنه فإنه من المتوقع أن يحافظ نمو الناتج المحلي الإجمالي على هذه النسبة في نهاية العام 2017 .

ومن أبرز القطاعات التي ساهمت في نسبة النمو الاقتصادي الحقيقي خلال هذه الفترة والبالغة 2.1% هي خدمات المال والتأمين بمعدل 0.5 نقطة مئوية، والصناعات الاستخراجية بمعدل 0.3 نقطة مئوية، والنقل والتخزين والاتصالات بمعدل 3,0 نقطة مئوية. كما ساهمت قطاعات الصناعات التحويلية والزراعة والعقارات والخدمات الاجتماعية والشخصية بمعدل 0.2 نقطة مئوية. في حين سجلت قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والكهرباء والمياه ومنتجو الخدمات الحكومية مساهمات محدودة بمعدل 0.1 نقطة لكل منهم ومساهمات هامشية لقطاعات المطاعم والفنادق والإنشاءات والخدمات المنزلية بمعدل أقل من 0.1 نقطة مئوية. وذلك كما هو مبين في الجدول رقم (1) أعلاه.

وفيما يتعلق بأداء القطاعات الاقتصادية خلال النصف الأول من العام 2017 مقارنة مع نفس الفترة من عام 2016 ، فيعد قطاع الصناعات الاستخراجية من القطاعات التي شهدت تحسناً ملموساً حيث نما بنسبة 23.8%مدفوعا بانتعاش نشاطات التعدين واستغلال المحاجر، وانحسار آثار انخفاض أسعار البوتاس والتي أثرت سلبا على القطاع والذي حقق نسبة تراجع كبيرة قدرها -17.9% في نفس الفترة من العام 2016 . كما شهد قطاعا الصناعة التحويلية والسياحة (الفنادق والمطاعم) تحسنا طفيفا حيث ارتفع الأول من 0.8% إلى 1.1% في حين نما الثاني من -1.2% إلى 1.0% علما بأن هذين القطاعين يعتبران من أكثر القطاعات تأثراً بتداعيات حالة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة سواء من حيث القدرة على التصدير أو القدرة على جذب السياحة الأجنبية إلى الأردن.

ومن جانب آخر فقد حقق عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة الخدمية والزراعية تباطؤاً في أدائها، وهي: الكهرباء والمياه (14.1% إلى 2.9%)، والنقل والتخزين (3.3% إلى 1.8%)، والزراعة (6.6% إلى 5.9%)، والخدمات المالية، وتجارة الجملة (1.5%-1.4%)، في حين ثبت قطاع العقارات عند مستوى نمو قدره 2.2%، وتراجع أداء قطاع الإنشاءات محققاً ما نسبته -0.4%. وذلك كما هو مبين في الجدول رقم (2) أعلاه.

وعلى صعيد السياسة النقدية فقد حافظت على وجود مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية من العملات الصعبة، إذ بلغت في نهاية شهر تشرين الأول من العام 2017 حوالي 13.6 مليار دولار، وهي تكفي لتغطية مستوردات المملكة من السلع والخدمات لنحو 6-7 أشهر.

وعلى الرغم من قيام السياسة النقدية برفع أسعار الفائدة على أدواتها عدة مرات خلال العام 2017 بداعي الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي في المملكة وزيادة جاذبية الأدوات المحررة بالدينار مقابل العملات الأخرى من خلال الحفاظ على هيكل أسعار الفائدة المحلي ضمن مستويات تنسجم مع أسعار الفائدة العالمية والإقليمية. إلا أنها راعت الحفاظ على أسعار التمويل التنموي الميسر للقطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية - بما فيها المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم - الذي يمنحه البنك المركزي من خلال البنوك، حيث تم الإبقاء على أسعار الفائدة على برنامج البنك المركزي لدعم وتمويل القطاعات الاقتصادية المستهدفة كالصناعة والسياحة والزراعة والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات وقطاع الاستشارات الهندسية دون تغيير، لتبقى عند 1.75% للمشاريع داخل محافظة العاصمة، و1% للمشاريع في باقي المحافظات وبآجال تصل لعشر سنوات.

أما السياسة المالية فقد حققت أداء متواضعاً حيث استمر عجز الموازنة العامة بعد المنح الخارجية بالارتفاع خلال الشهور التسعة الأولى من العام 2017 بمقدار 726 مليون دينار بنسبة 3.5% من GDP بالمقارنة مع عجز مقداره 515.3 مليون دينار وبنسبة 2.6% من GDP خلال نفس الفترة من العام 2016 . وذلك جراء الركود الحاصل في الإيرادات العامة المحلية والخارجية. كما استمرت المديونية العامة الداخلية والخارجية بالارتفاع حيث وصلت نسبة إجمالي الدين العام من GDP إلى مستويات كبيرة ناهزت 95%.

وقد جاء هذا الأداء المتواضع على الرغم من الإجراءات التصحيحية التي قامت بها الحكومة خلال العام 2017 والمتمثلة في فرض رسوم إضافية على نقل ملكية المركبات، وفرض ضريبة مقطوعة على كل لتر بنزين 90 مقدارها 5 قروش، ورفع الضريبة الخاصة على علب السجائر، وخدمة اشتراك الهواتف النقالة والراديو والمشروبات الغازية، وزيادة رسوم تصاريح العمل، واستيفاء بدل عن أي بضائع مستوردة خاضعة لرسوم التعرفة الجمركية بنسبة 5 % من قيمة تلك البضائع، إضافة إلى إلغاء قرارات تخفيض نسبة ضريبة المبيعات على عدد من السلع والخدمات وغيرها من القرارات.

وعلى صعيد القطاع الخارجي فقد انخفضت الصادرات الكلية خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2017 بنسبة 2.8%لتصل إلى حوالي 3.89 مليار دينار، في حين ارتفعت المستوردات بنسبة 5.6% لتصل إلى حوالي 10.6 مليار دينار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري بنسبة 11.2% ليصل إلى حوالي 6.7 مليار دينار. في حين سجل الاستثمار المباشر صافي تدفق للداخل قدره 782.6 مليون دينار خلال النصف الأول من العام 2017 مقارنة بحوالي 604.9 مليون دينار خلال نفس الفترة من العام 2016.

وارتفع الدخل السياحي جراء ارتفاع مقبوضات السفر وتدفقها للداخل بنسبة 12.7% خلال فترة الشهور العشرة الأولى من العام 2017 لتبلغ حوالي 2.7 مليار دينار، كما ارتفعت تحويلات العاملين الأردنيين في الخارج خلال نفس الفترة بنسبة طفيفة قدرها 0.4% لتصل إلى حوالي 2.2 مليار دينار.

وخلاصة القول، فإنه في ظل مشهد إقليمي وسياسي صعب وغير مستقر، وسياسات مالية ونقدية انكماشية، وضعف في القدرة التصديرية للصناعات الأردنية المختلفة والتراجع الحاد على المستوى الإقليمي، فإنه من الصعب توقع تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة للاقتصاد الأردني، حيث أن ضعف الاقتصاد الكلي على المدى الطويل ينبع من وجود اختلالات هيكلية فيه فضلاً عن وجود الاختلالات الداخلية والخارجية الكبيرة التي تولد احتياجات تمويلية كبيرة يتم تلبيتها عادة من المساعدات والمنح الخارجية التي بدأت بالانحسار.

وعليه، فإنه لضمان الاستقرار المالي والاقتصادي، يحتاج الأردن إلى تعميق الإصلاحات باتجاه تحقيق النمو المتوازن من خلال استغلال المزايا النسبية والتنافسية وخلق فرص العمل وجذب الاستثمارات الخارجية وتمكين وتحفيز الاستثمارات المحلية، وفتح أسواق جديدة غير تقليدية للصادرات الأردنية مثل الأسواق الأفريقية مثلاً، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية وإزالة التشوهات الكبيرة في المشهد الاقتصادي.