كتب - زياد الرباعي

لا يهم اميركا أن يحبها العالم والعرب ،أو يكرهونها ،ولكن الواجب على الدول ان يدرسونها جيدا ، ويعرفون كيف تفكر وتعمل حتى سادت العالم ، وكيف تتخذ قراراتها وفقا لمصالحها ،وأهدافها المرسومة ،بناء على جدول زمني معد ومدروس بعناية ومعطيات وتحليل عميق للواقع ،وفقا لنقاط القوة التي تستثمرها وتطورها والضعف التي تعالجها ،والتحديات التي كثيرا ما حولتها الى فرص.

ان فهم اميركا ضرورة للكثير من الدول حتى تحسن التعامل معها ،وتتقي شرها وتصل لما وصلت اليه ،من ديمقراطية ،وتطبيق للقانون ،والعدالة الاجتماعية ،وتحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي ، لان اميركا حلم للدول كما المواطنين ، حتى لو شتموها وانتقدوها وعملوا ضدها.

أميركا سادت العالم ،بعد حروب وجهد عسكري وصناعي وعلمي وقانوني وهيمنة، ومع هذه السيادة استخدمت كل جهد ووقت وفرصة لتفرض كلمتها وشريعتها،وتحقق ما ترسمه وتصبو اليه كسيدة للعالم بلا منازع ، بل وتسعى للابقاء على هيمنتها وسيادتها على كل مجريات الحياة العالمية ، سواء دولاً أو قطاعات وتكتلات وتحالفات.

تريد ان تبني تاريخا وحضارة لها تنافس الدول والحضارات الاعرق فقد «أمركة» كل شيء حتى اللغة الانجليزية ( english langauge ) أصبحت ( amirecan langauge) وفرضتها حتى على انظمة الحاسوب كلغة اميركية ، واختارت لقرار «ترمب» بشأن القدس مرور مئة عام على وعد بلفور البريطاني ،لتصدر قرارا جاء بقانون منذ عام 1995 يقضي بنقل السفارة الاميركية الى القدس ، ضاربة بعرض الحائط كل منطق وقانون ، وكرست الاحتلال الوحيد المتبقي في العالم لصالح اسرائيل وتهويد القدس.

فيما يلي أهم النقاط التي تؤشر الى كيف تفكر اميركا وتعمل:

الإدارة والاهداف

- معادلة اميركا ثابتة ،تقوم على التضحيات التي تقدمها ،والمرتبطة بأمنها القومي ومصالحها و ترى ان قوتها تأتي من جيش قوي عابر للحدود والقارات ،برا وبحرا وجوا ،يملك أحدث الاسلحة واشدها فتكا وتدميرا ،وهيمنة على كل منافذ العالم ، واقتصاد ضخم ،ونفوذ سياسي كبير يمتد عبر الدول ،والهيئات الاممية والعالمية، وجامعات تتصدر المراتب الاولى عالميا ،حتى اضحى خريج اميركا هو المفضل ويتبوأ مركز المسؤولية في دولته ، وتشكل قيم للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية مطمحا للناس من مختلف انحاء العالم.

- تغوص كثيرا في المواءمة بين مصالحها والقيم التي تنادي بها ،وتدفع بالمصالح على حساب القيم اذا اضطرت لذلك.

فتضع الهدف وتسخر رجالها وأعمالها لتنفيذه ،وكل موظف أو مسؤول يجب أن يعمل من أجل اميركا أولا ولمصالحها ، فهي تضع الرجل المناسب في المكان المناسب بمواصفات: الكفاءة والعلم ،ومتطلبات ومؤهلات الوظيفة ، دون اعتبار للاصل والعائلة وغيرها.

وحتى الوزراء والمسؤولون الكبار ،يخضعون لجلسات تثبيت قبل تسلم مناصبهم ،من الجهات المعنية ك «الكونجرس» والاجهزة الامنية ،وقبيل جلسة الاستماع والمناقشة ،عليهم ان يطالعوا ويقرأوا كل صغيرة وكبيرة ،حول المنصب المزمع اسناده اليهم ومهامه وواجباته، رغم ان اختيارهم تم وفقا لقدراتهم المتناسبة مع متطلبات الوظيفة واختبارات الثقة التي تجريها للعاملين في المراكز الحساسة.

فهي تدرس جيدا نقاط القوة والضعف ،والتحديات والفرص ،لكل حالة أو حدث تريد التعامل معه، تحلل وتقرأ ما بين السطور،سواء مؤسسات ،أو دولاً ،أو حتى اشخاص.

- تعمل وفق نظام للمؤسسات ، فالحكومة تضع دائما في اعتبارها الدستور والقوانين والكونجرس والحزب الاخر ،والاقلية ،وردات الفعل والتحالفات، ولكل مسؤول عمله دون تدخل من الاخرين،والتوافق يتم بناء على الاقتناع ،وليس المجاملات ،ويجب ان تكون اميركا أولا ودائما عنوان كل اعمالهم.

لا تضيع الفرص في أي أمر أو مسألة لتحقيق الهدف ، فتعمل على إنشاء جماعات ومنظمات وهيئات بمسميات انسانية حقوقية ، مجتمع مدني..الخ ، سواء محلية أو اقليمية او دولية وحتى اصغر نواة تنظيمية ،في اماكن نائية من أجل مصالحها.

والمسؤول يفكر بعقل وفعل جمعي ،والقرار يأتي بعد عصف ذهني لفريق مختص وخبراء،وليس للفرد مهما كانت درجته الوظيفية.

فالقرارات لا تتخذ الا بعد رأي المستشارين والمختصين والامن القومي ،والاستماع لكل هؤلاء حتى بالنسبة للرئيس نفسه ،فلا يأخذ قراراته إعتباطا ،فهناك اجتماعات محددة لكل اللجان والمواضيع ، تشكل رأيا ليأخذ به الرئيس أو المسؤول عدا عن التزامه بمواقف حزبه ووعوده الانتخابية.

- تحسن استخدام مبدأ العصا والجزرة ،والشراسة في علاقاتها الخارجية ،ولي الاذرع ،والمساومات سعيا لتحقيق الاهداف والمصالح.

ورغم كل ذلك تعتد بانها دولة قانون ،حتى في مكافحة الارهاب والنشاطات الخارجية ،فتصوغ القوانين وتفسرها لتدافع عن اجراءاتها، امام الاعتراضات العالمية أو الانتهاكات التي ترتكبها.

وهي تصمم على تنفيذ أهدافها ،وخاصة في الحروب ،رغم انها تعي ان هناك اخطاء ،وقتل للابرياء والمدنيين ،ما يزيد الحقد العالمي عليها ويؤجج المشاعر ضدها ،ولديها التبرير لكل فعل خاطئ يرتكب من قبلها او من قبل حلفائها ، ووزاراتها تكون مهيأة للدفاع عن الافعال الاميركية ،وخاصة العسكرية ( الحروب ) والدبلوماسية ( الفيتو مثلا ).

- تحاور وتجادل ،تتفق وتنازع ،وتؤمن ببالونات الاختبار،وتعمل في الردهات السرية والقنوات الخلفية ،حسب مبدأ النتيجة ،وليس التفاخر ،وتحاور لسنوات بنفس طويل وتقول: لم نبدأ بعد.

- ترتكز في اعمالها وتصرفاتها على البراهين والارقام ،وليس الانشاء والكلام المعسول أو العقائد والغايات الشخصية.

فتأخذ بالابحاث والدراسات ،وتحتفظ بالاحصاءات الدقيقة في كل الامور ،داخلية وخارجية ،وفي كل القطاعات والمواضيع تتحدث لغة الارقام والحقائق والاهداف.

وتعمل على تحويل أفكار المسؤولين، الى خطط عمل ينفذها المؤهلون ،والخبراء والمختصون.

وكل كلمة ينطق بها المسؤولون ،تكون في مكانها ،وتخضع للتدقيق ،وبمضمون ومصطلحات تدرس بعناية اياما وساعات حسب الحاجة والوقت المحدد ، فالخطابات يعدها ساسة وعلماء نفس واجتماع والاعلام حسب الحاجة.

دبلوماسية خشنة

- لدى اميركا قناعة راسخة، بانه لا بد من قوة عسكرية وأخرى ذكية (دبلوماسية) وتكنولوجية تعمل معا لضمان النجاح وتحقيق الاهداف، باسرع ما يمكن ،ولكن في حالة البطء أو الاستحالة ،تلجأ لتوقيع اتفاقيات وانشاء التحالفات لتساهم في الوصول الى الاهداف مستقبلا سواء سياسية أو اقتصادية بالتحديد.

فتدرس أبعاد كل مشكلة عالمية ،ولو كانت غير سياسية ،تصوغ تصوراتها بما يخدم السياسة والاقتصاد معا ،فالتغير المناخي ،يجب ان لا يؤدي الالتزام به الى اضرار بالاقتصاد الاميركي ،ويجب الالتفات الى القطب الشمالي ، ووضع قدم اميركية فيه ،نظرا لانهيار الجبال الجليدية ،وإمكانية التنقيب عن النفط والغاز هناك ، ويجب ان يكون لها وجود في بحر الصين ومنافذ البترول وتخوم الاتحاد السوفيتي واوروبا واميركا الجنوبية وبحر العرب والخليج.الخ.لان عينها على الجغرافيا السياسية كما هي على التاريح وحضارات الامم ويقينها دائما ان الماضي يجب ان لا يحدد المستقبل أو يتحكم فيه، لانها دولة حديثة مقارنة بدول وحضارات أعرق وأقدم منها.

وفي السياسة الاميركية لا مجال للاعتراف بالخطأ ،ويمكن اللجوء لتضليل الاخرين والمناورة بالمعلومات لأخذ موافقتهم على القرارات ، كما حصل باكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق وغيرها.

فالمعادلة الاميركية ثابتة ،التضحيات التي تقدمها مرتبطة بأمنها القومي ومصالحها ،وتساوم بحزم لخدمة قضاياها ومشاريعها ولا تقدم الحوافز والهدايا مجانا لاي كان ، كمبدأ راسخ في العلاقات العامة «لا شيء لوجه الله « بل كل شيء وفعل له ثمن ومقابل.

- لا تتورع بلي اذرع حلفائها أذا تطلب الأمر ،ولا تبقى طيلة الوقت ممسكة بالايدي المتحالفة معها ، كما فعلت مع شاه ايران وغيره.

- تحقق الكثير من غاياتها واهدافها عبر رسائل مبطنة ،قد تحوي التهديد فقد جاء في احدى رسائل هيلاري كلينتون احتجاجا على دولة عربية حليفة لزواج فتاة عمرها 8 سنوات « اصلحوا الأمر بانفسكم ،ولن اتفوه بكلمة «..والا.

ولا تتحرج من استخدام كلمات التحذير والتهديد والتوبيخ حتى لاقرب حلفائها ، فكثير ما قال وزراؤها ومسؤولها للزعماء والقادة: اتينا لنقول لكم افعلوا كذا–نأمركم -.وليس للاستماع لكم.

علاقات للمستقبل

- تتعامل مع العالم على أساس المتسوق الذكي الذي يخطط للمدى البعيد وليس المنافع الانية.

فالافعال والمساهمات الاميركية في الخارج تشمل جميع المجالات والدول دون استثناء ،وتهدف بالمجمل الى ابراز تفوقها في كل المجالات وتعزيز دورها القيادي للعالم.

وتروج عالميا على ان قوام المجتمع الصحيح ،والحاكمية الراشدة ،حكومة مسؤولة ،واقتصاد منفتح ،ومجتمع مدني حيوي.

فنستعين بمؤسسات المجتمع المدني الخارجية والداخلية لاقامة العلاقات ومنها التجسس وتحقيق اهدافها وتطلب معونتهم ودراساتهم عند اللزوم.

وتلجأ الى الشعوب بدلا من الحكومات، فتبني العلاقات والزيارات وتقدم الدعم للوصول الى حالة متباينة بين الحكومات والشعوب كما فعلت مع كوبا وغيرها ، فلها اصدقاء وحلفاء وحتى عملاء على امتداد العالم.

وتؤسس فرق العمل لكل حالة تتطلب جهودا ومتابعة ،وتوفر لها كل سبل النجاح لتحصد النتائج.

ولا تجامل من أجل أهدافها ،فهي تنظر الى الصين كما كوريا الشمالية وايران وروسيا وفقا لمصالحها.

- تدخل في التفاصيل الدقيقة لأي جهد أو حدث ،وتتعرف على القوانين في الدول الاخرى ،وتعرف حتى الأحياء والأزقة التي لها فيها غايات ،كما حصل عند قتلها لاسامة بن لادن ، فدرست القوانين والجغرافيا ونقاط القوة والضعف ، حتى عملية التفريغ الهوائي للطائرة العامودية المقاتلة في حيز ضيق بمنزل بن لادن ،وتغلبت على الصعاب من أجل تحقيق هدفها ،رغم انها تقر بمخالفاتها للقوانين وانها معتدية على دولة ذات سيادة ،ولم تحسب حسابها لردة الفعل المنتظرة من الباكستان ، لانه مهما كانت ردة الفعل ،فالدبلوماسية جاهزة للتبرير ،واستيعاب اي موقف ، ولا تحول أي ردة فعل متوقعة عن تحقيق اهدافها.

وتحاول مصالحة الاعداء لتحقيق اهدافها وعملت مثلا على تجميد العداء التاريخي بين تركيا وارمينيا من أجل انبوب الغاز.

- تفكر في حجم المساعدات التي تقدمها للخارج كثيرا ، وبما ان لكل شيء في اميركا هدف حتى لو كان ذا أبعاد انسانية ،فترى ان في المساعدات شعور انساني يرسخ في الذات الاميركية ،سواء للمسؤول أو المواطن، ثم فيه دعاية لاميركا كمنقذ للعالم في الازمات والكوارث ،وتحدث تغيرا في استطلاعات الراي العام لصالح اميركا فتصل لقلوب الناس وعقولهم عبر مساعدات قد تكون جمعتها من خارج الموازنة من تبرعات الناس والشركات وحتى الدول الغنية.

- فرق السلام والاغاثة والانقاذ الاميركية ،تعمل ليس وفقا لمبدأ المساعدة من اجل المساعدة ، بل قد تكون لاهداف بعيدة المدى.

وفي الازمات والكوارث يركزون على اعداد فرق الانقاذ والمساعدات فينشغل الكل في العمليات ، كل ضمن اختصاصه ،وتتوسع الدائرة حسب الحالة ( صحة ،شرطة ، جيش ، دفاع مدني ، اطفاء ، عدا جهود الخارجية والدبلوماسية والاتصالات ،وكثر هم الذين طلبوا الانقاذ والمساعدة من اميركا ،رغم عدم الوئام التاريخي بينهما.

ومهما حصل في الكوارث الداخلية أو الخارجية ، تخلص لذكرى الذين قدموا اعمالا جليلة لاميركا ، وتحتفي بهم وترعى عائلاتهم وتكرمهم.

ومهما كانت الخسائر فلديها أنظمة تأمين وقدرات اقتصادية ولوجستية تتغلب عليها وتغطي الخسائر مهما بلغت.

الإعلام والعالم الرقمي

- عززت التكنولوجيا الحديثة وشركات الاتصالات القدرات الاستخبارية الاميركية ،وخاصة ان معقل التكنولوجيا في اميركا نفسها ،فشرعت نحو العالم الرقمي ودورات مكثفة بالتحديد للشباب محليا وفي الدول الخارجة من رحم الاتحاد السوفيتي السابق ،والدول الاستبدادية ،والديمقراطيات الناشئة وركزت على تعليم بعضهم أنظمة الحماية للمعلومات ،والتواصل بعيدا عن الرقابة ، واستغلت تطورها التكنولوجي لتراقب حركات الناس عبر الخلويات والتواصل الاجتماعي والسفر و»الفيزا كارت».وحركات الاموال من الحسابات البنكية والارقام العالمية ، ولم تتورع من التنصت والتجسس حتى على حلفائها.زالخ.

وقد أنتبهت مبكرا للاعلام الحديث والتواصل الاجتماعي وعرفت كيف تسخره لمصالحها واعمالها وتستقطب الجميع ليدور في فلكه فقد وفر لها منجما من المعلومات لا يقدر بثمن.

وهي تعيش العالم الرقمي بكل تفاصيله من رد الهجمات ،وتعزيز انظمة الحماية والتقنيات والاختراعات واستغلال الذكاء والتصنيع الرقمي في كل المجالات لأبعد الحدود.

وتخوض الحرب حتى عبر وسائل الاتصال ،والتواصل الاجتماعي ،وتوظف المختصين من فنيين ومترجمين ،وخبراء في علم النفس والاجتماع والاديان مدنيين وعسكريين، للتعامل مع منصات التفاعل وأدواتها ،وتشكيل فرق للرد على الاختراقات سواء الفنية او الحرب النفسية والاشاعات..الخ.

ورغم كل هيمنتها التكنولوجية ،واستغلالها لأدواتها فهي تنادي بوجوب بقاء التوازن بين الحرية والامن ،وتدعو للابقاء على حماية الخصوصية وحرية الوصول الى المعلومات عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مع الالتزام بحرية نقل الافكار وتبادلها دون قيود.

- تحسن اميركا اختيار وسائل الاعلام لايصال رسائلها سواء في الداخل او الخارج ،فدبلوماسيوها يرصدون جيدا وسائل الاعلام وتواجهاتها ومدى استقلاليتها ،في كل دول العالم.

وتقرأ ما بين السطور ،وخاصة التقارير والمقالات لكبار المسؤولين والصحفيين في الدول سواء مسربة أو كاذبة ،فتبحث في الاجندة ،والمخططات والاهداف ، وما وراء نشرها.

وتؤمن بدور الاعلام وفاعليته في كل اعمالها ،ففي رحلات مسؤوليها تخصص اجنحة للموظفين ،ورجال الامن والصحفيين ،سواء في الطائرات أو الزيارات.

ولا تؤمن بالتأجيل أو التراخي في الشأن الاعلامي لان المعلومات مهما كانت ،تحدث بسرعة أولا بأول، وخاصة عبر وسائل خاصة ،منها التواصل الاجتماعي ،فالمعلومات حول حجم التلوث في بكين وعشرين مدينة صينية أخرى ،كانت تحدث كل ساعة عبر رسائل من خلال التويتر بين اعوانها ودبلوماسييها في الصين.

ابواب للدخول

- تدخل اميركا الى الدول من باب الحريات ،وحقوق الانسان، والانتخابات والديمقراطية ،وتعد برفع العقوبات ،وزيادة التمثيل الدبلوماسي ،والتعاون الاقتصادي والاستثمار ،اذا التزمت الدول بالمطالب التي تقدمها اميركا.

وترى ان الطريق الى العدالة الاجتماعية ،يجب ان تمر عبر حقوق الانسان ،من خلال حرية المعتقد والافكار ،والمساواة في المناصب ،وتكافؤ الفرص، وصولا الى الحاكمية الرشيدة.

ومفهوم حقوق الانسان يمتد ليشمل النواحي القانونية ،والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ،خاصة للنساء والاطفال ،وذوي الاحتياجات الخاصة ، والاقليات والمهجرين واللاجئين.

- عقوباتها على الانظمة وخاصة غير الديمقراطية والقمعية ،التي لا تحترم حقوق الانسان ،تبدأ بعزلها ،ثم عقوبات متواصلة وخاصة اقتصادية ،حتى تنهكها ،قبل الوصول للعمل العسكري ، الذي يترافق مع حملات اعلامية ودبلوماسية في كل المحافل.

وتقر بان هناك تباينا في مواقفها اتجاه العديد من الدول ،بما يخالف قيمها التي تتحدث بها من ديمقراطية ،وحقوق الانسان ،وتتبجح بالظروف العليا والخصوصية لكل دولة ،والظروف الميدانية،فتقول عن حلفائها الذين لا يعرفون للانسان حقوقا وبلادهم تقمع الكل :» سيكون لاميركا دوما شركاء قاصرون عن الكمال».

ولا تمانع في الاستفادة التجارية والمصلحية من أي دولة ،رغم سجلاتها المهينة في حقوق الانسان والحريات وانعدام الديمقراطية كالعالم العربي.

وتصر دائما على البلاد المضطربة ،بضرورة اجراء الانتخابات ،والانتقال السلمي للسلطة والسير نحو السلام والديمقراطية الدائمة ،فهي تؤمن بان العالم الثالث والفقير ،يحتاج للحكم الرشيد والمساءلة.

فمناداة اميركا بالحقوق المدنية والانسانية لم يمنعها من التحالف ودعم الدكتاتوريات في العالم ،لوقوفها في صف الشيوعية أو العمل لصالح المصالح الاميركية ،ودعم اقتصادها بالتحديد ،فمن خلال دعم حقوق الانسان وتوقيع المواثيق في الامم المتحدة وغيرها أوجدت حراكا في الدول الشيوعية وغيرها ،لتطالب بالمساواة في الأجور ،وحقوق العمال والمرأة المنقوصة ،ما أدى لاحداث ثورات في العديد من الدول بدعم اميركي ظاهر وباطن.

دبلوماسية الاهداف

- على الدبلوماسي الاميركي الاعتزاز بوطنه والدفاع عن القيم والاهداف الاميركية وعليه العمل لتحقيق مصالح بلاده وحماية مواطنيها ،دون كلل أو ملل ،وعليه التواصل مع الشعوب التي يعمل في بلدانها ،بكافة الوسائل والتواصل الاجتماعي، واقامة علاقات مع الناشطين وكل الفاعليات، وعدم اختصارها على النخب ،ومعرفة ما يدور في كل قطاعات الدولة ،وحتى على شبكات التواصل الاجتماعي بأدق التفاصيل والمجريات.

فسفراء اميركا ودبلوماسييها وعملائها محترفون فعليهم توصيل الرسائل وشرحها وتفسيرها وهم اذان الاميركان وعيونهم في كل انحاء العالم ، وعليهم توقع الاحداث.

- المسؤولون الاميركيون مهيئون للعمل لسنوات طويلة وجلسات صعبة، ف «هنري كسنجر» جلس مع الرئيس السوري حافظ الاسد 13 ساعة ،وهيلاري كلنتون جلست مع بنامين نتياهو 8 ساعات متواصلة.

والدبلوماسية تعمل في كل الاتجاهات والاوقات ،لا تكل، تعتمد اجتماعات سرية في كل انحاء العالم ،وفي المطارات ،حتى مع الاعداء الذين لا يمكن التفاوض معهم.

فقد اخفت حقيقة المفاوض الاميركي مع ايران بخصوص «النووي» حتى عن العاملين معه ولم يكن يعلم بالامر الا وزير الخارجية وفيما بعد الرئيس ،والوسيط العماني ،وحتى هيلاري كلينتون أخفت عملية قتل اسامة بن لادن عن زوجها بيل كلينتون رغم انه كان رئيسا لاميركا.

- الخطاب الاميركي الخارجي لا يخلو من التحذير والكلمات المشفرة ، وبعضه بسيط مباشر حسب الحالة ، ويختار له المكان والزمان والمناسبة بعناية ليحظى بالتغطية الاعلامية المطلوبة ، مثل قرار غزو العراق وقتل بن لادن واخيرا نقل السفارة الاميركية الى القدس.

- تتفاوض وتعرض الحوافز للاخرين وتأمر وتتدخل في قوانين الدول ودساتيرهم وتواجهها بعيدا عن أعين الاعلام ،لدرجة انها تهتم بتفصيل اسئلة معينة للاعلاميين سواء المرافقين للمسؤولين الاميركيين ،أو الاخرين ، ولا تتحرج من إرسال الوسطاء لمعرفة تفاصيل حياة زعيم أو وضعه الصحي أو استطلاع موقفه من حدث أو موقف معين.

- ترسم الخطابات والكلمات لحلفائها وتطلب الالتزام بالتوجيهات لان هناك مساندة وهيمنة وحوافز ازاء الالتزام.

- تغض النظر عن الديمقراطية في العالم العربي بالتحديد ،وهي تعلم ان الانتخابات التي تشيد بها احيانا صورية ،ومزورة ،والفساد متفشٍ ،والقضاء غير نزيه ،والاحزاب هياكل سياسية فقط ،ومؤسسات المجتمع المدني غير فاعلة ،ومهمشة ومسيطرعليها.

- مواقفها حازمة عند تغير شروط الاتفاقيات ، فلاعبوها مهرة في ملاعب المفاوضات ويعرفون حدود الملعب واللعب جيدا ،وتسديد الاهداف بدقة ،سواء عن بعد أو قرب.

ويعمل الاميركان كوسطاء خلف الكواليس ،وخبراء لاداء المهام في الاضطرابات الدولية ،بحثا عن حلول تبقي هيمنتهم على الدول ،ودرا للمشاكل ووجع الرأس، وخاصة اذا رأت ان المشاكل قد تحول أو تؤخر تحقيق أهدافها ،أو تؤثر على مصالحها.

- تعمل بمفاوضاتها على وقف اطلاق النار، الذي تكرر لعدة مرات بين اسرائيل وحماس أو اسرائيل ولبنان ،من نقطة رئيسية وهي حماية اسرائيل،وضمان امنها قبل كل شيء.

وليس لديها مانع ان تشيد بسياسة دولة رغم الكثير من التحفظات عليها فمثلا تشيد بالانفتاح الاقتصادي الصيني وتدين نظامه السياسي ،وتعمل على تجميد العداء لصالح المصالح ، الآنية والمستقبلية.

- تسخر امكانياتها لخدمة مواطنيها ،حتى لو ارتكبوا اخطاء ،فارسلت رئيسها السابق بيل كلينتون الى كوريا الشمالية ،للافراج عن اميركيين قبض عليهما اثناء تصوير مناطق حدودية بين الكوريتين ، واللافت انهم دربوا الفريق الذاهب الى كوريا على كيفية العبوس ( عقد الحاجبين ) عند التصوير.

- تلجأ الى التطبيع مع الشعوب بدلا من الدبلوماسيين ،لانها تعي ان الكثير من الشعوب غير دولهم ،وان هناك فجوة بين الشعوب والقادة ،لذا تحاور الطلبة ،ومؤسسات المجتمع المدني وتصل اليهم مباشرة وتحاورهم بعيدا عن دولهم وحكوماتهم ، حتى اصبح من برنامج الزيارات الخارجية بالذات الرئيس ووزير الخارجية لقاءات مع الطلبة ومؤسسات المجتمع المدني بعيدا عن الحكومات.

وهي ترسم برامج الزيارة الخارجية واللقاءات لجميع المسؤولين بعناية بما يتناسب والاهداف الموضوعة ،والمصالح التي يجب ان تحققها.

- تدرك ان العرب وقوميات اخرى ،تعارض السياسات الاميركية، ولكنها تتعامل معهم ،وتحاول استقطاب المعارضين لها ، كما تستقطب الموالين وتغير اتجاهاتهم ترغيبا وترهيبا.

- يراعي المسؤولون الاميركيون وخاصة في الخارجية البروتوكلات العادات والتقاليد ،والثقافة في اللباس والمأكل ،والطقوس ،للبلدان التي يزورونها ،ولكن احيانا يظهرون تفوقهم من خلال طريقة الجلوس والايماءات وتعابير الوجه.

لأجل الاقتصاد

- تقرن اميركا مع مطالبها بالديمقراطية ،عبارة الاسواق المفتوحة والحرة ،حتى يتسنى لها فتح اسواق جديدة لبضائعها وخدماتها وتعزيز اقتصادها.

وتعتقد ان نجاحها الاقتصادي في الدول من خلال النمو الاقتصادي وازدياد الطبقة الوسطى، وانخفاض الفقر والبطالة.

- تقر ان طبقتها الوسطى في تراجع ،والفقر والبطالة في ازدياد ،والخلل السياسي يؤثر سلبا على ديمقراطيتها ،ويعيق تطورها ،خاصة في مجالات الاقتصاد والعدالة وجذب الاستثمارات.

لذا تعمل الخارجية الاميركية بجد ،وتسخر كل قدراتها ونفوذها لدعم الاقتصاد الاميركي ،فتقود حراكا لحصول شركاتها ورجال الاعمال ،على حصتهم الاكبر في الاسواق العالمية ،وفتح اسواق جديدة ،وزيادة الصادرات.

وتعمل على وضع قدم اقتصادية لها ولشركاتها في الدول الناشئة ،لتنافس الاخرين الطامعين بخيرات اقتصادية من دول العالم وخاصة الصين وروسيا واوروبا وعينها دائما على البلدان المستهلكة لترسخ جودة المنتج الاميركي والماركات الاميركية بأنها الأفضل.

ولدخولهم الى الاسواق العالمية وضمان المنافسة لصالحهم ،دعموا انظمة التجارة العالمية وانظمة اقتصادية وصناعية والملكية الفكرية والمخترعات.

وتعمل على حماية شركاتها ،وحتى الاعمال الفردية للاميركان ،من خلال متابعة حثيثة لاي مشكلة يواجهونها على مستوى العالم ،مهما كانت صغيرة ،ويجرون اتصالات على مستوى عال مع المسؤولين لتذليل الصعاب.

- دفاعها عن معايير العمل وشروطه ،وحقوق العمال ،من ساعات محددة ،وأجر مقبول ،وتأمين صحي وضمان اجتماعي ،وتشكيل الاتحادات والنقابات، يأتي استكمالا لشروط اقتصادها واستثماراتها بايجاد شروط ومعايير عالمية مماثلة لما هو في اميركا ،حفاظا على عدم هروب الاستثمارات من اراضيها ،بحثا عن عمالة أرخص وشروط أقل صرامة ،سواء لحقوق ومطالب العمل والعمال وجودة المنتجات.

- تدعم اميركا وتركز على قيام طبقات وسطى في جميع انحاء العالم ،لان ذلك يمكن هذه الطبقات من شراء السلع والخدمات الاميركية ،ويقلل من رغبة الشركات الاميركية الاستعانة بالعمال من الخارج.

- تجعل اميركا من التنمية حقيقة رابحة ،فهي تنمي دولا ،فتحد من هجرة مواطنيها الى اميركا وغيرها من الدول المتقدمة ،ثم تأمن من انتشار التطرف بين فقراء هذه الدول، او المخدرات التي تزعج العالم اجمع.

خيارات عسكرية

- في الازمات كل المسؤولين كبارا وصغارا على تواصل واتصال ،لحماية المواطن والمصالح الاميركية في أي وقت ومكان ،دون التفات للمناصب والبروتوكول او حتى اللباقة المطلوبة.

- تستبدل خيارها العسكري ب العقوبات الخانقة وتشمل كل شيء باستثناء الادوية والسلع الاساسية ،وحتى اذا لجأت الى خيار القوة فيما بعد فان الدولة المعنية تكون قد انهكت مثلما فعلت مع العراق بالتحديد.

- في الحروب تعمل للحفاظ في وقف اطلاق النار ،وحماية حلفائها وتقدم مساعدة انسانية للمتضررين ولو كانوا من الاعداء.

- عملت مؤخرا على الانتقال بالقوات الاميركية من القواعد المحصنة ،الى أدوار في حماية المدن والاهالي ،وتوفير الامن لهم ،ببناء قوات وطنية مساندة للجيش الاميركي، ودعم بناء البنية التحتية العسكرية ،كما في العراق وافغانستان

- تؤمن بان الحاجة لتغطية أي اجراء بالقانون ،حتى في احلك الظروف، كما حصل في هاييتي، فدخول الجيش في عملية الانقاذ يتطلب توقيع رئيس هاييتي على تخويل الجيش الاميركي العمل في البلاد ،للمساهمة في الانقاذ واعادة الاعمار ،وتامين المطار ووصول المساعدات.

- ترسل خارجيتها مجموعات مدنية الى المناطق المضطربة ،تهيء الاجواء مع المجتمعات المحلية لارسال قوات عسكرية ،وتمارس الدعاية المحفزة لتحقيق أهدافها ،والنيل من الاخرين ( ارهابيين ، معارضة..الخ ).

- تعتمد على عناصر امنية للحماية الظاهرة،وعناصر استخبارتية مدربة ومدججة بالاسلحة قرب اماكن مراكزها وسفاراتها ،في اماكن غير معلومة ،او معلنة لاستخدامها في حالة الطوارىء أوالتعرض للارهاب.

- الطائرات دون طيار ترسل الى أي مكان في العالم للضرب أوالتجسس ،للدلالة على هيمنة شرطي العالم–كما تسمى–دون اعلان ،واعلام اي جهة ،ولا تحمل أي دلائل على انها اميركية.

فالقوة العظمى تريد ان تكون خفية في بعض المراحل ،وخاصة غير القانونية لتتجنب الادانة والنقمة ،رغم ان ذلك لا يهمها في الكثير من الاحيان.

في النهاية..

يقول ابراهام لينكولن عن اميركا « أفضل أمل للارض «.

تقول هيلاري كلينتون في كتابها « التحديات الصعبة «: «وحدهم الاميركيون يستطيعون اتخاذ قرار ايجاد عالم أكثر عدالة وحرية وسلاما».

يقول محبوها: اميركا بلد القانون والعلم والرفاهية ،وشواطئها حلم الجميع دولا وأفرادا. هكذا هي الاقوال ،ولكن الأفعال تنسجم مع الغاية تبرر الوسيلة والكثير من طروحات وافكار «ميكافيلي» والهيمنة الاميركية..لكن ما يقول العالم وضحايا اميركا عنها ؟

كـلـمـة

هذه المادة تدعو لمعرفة كيف تعمل اميركا وتفكر، ومستخلصة من قراءات ومشاهدات، فأول خطوات التغلب على الهيمنة الاميركية المتنامية في العالم ،معرفة كيف تدير هي العالم ، من خلال عملها الدؤوب لتحقيق أهدافها بشتى الوسائل والطرق..من باب التطور التقني والعلمي ، حقوق الانسان والعمال ، النساء والاطفال والشباب ، المساعدات ، العصا والجزرة ، الارهاب والتطرف ولا تتحرج من الكذب والدس.

التفكير للوقوف بوجه اميركا والحد من هيمنتها ،يكون بالفكر الجمعي والدولي ، بتحالفات حقيقية وتكتلات تحد من نفوذها.

العالم يحتاج الى اقطاب تعمل ضد اميركا ،قبل وصولها لحالة ،التفرد بقيادة سفينة العالم وهيمنتها المتنامية..الرهان نحو..اوروبا ،روسيا الجديدة ،الصين الصاعدة بقوة..كل ذلك مقبول ضمن تحالفات تتوافق على الحد من خطر البالون الاميركي على العالم اذا انفجر والسفينة إذا انخرقت.