احتلت الوجبات السريعة موائدنا، ومعظم وجباتنا سواء في المنزل أو العمل، وأصبحت جزءاً من نظامنا الغذائي, فأرهقت جيوبنا، لكننا مع ذلك نسعد بها، حيث تلجأ العديد من الأسر إلى استهلاكها على الأقل مرة أسبوعيا.
وتلجأ بعض ربات البيوت إلى الاطعمة الجاهزة طلبا للراحة وبحثا عن مذاق لذيذ، قد لا تستطيع الوصول إليه في حال اعتمدت على مهاراتها في الطبخ، وتقول أم زيد وهي موظفة «أحب شراء الأطعمة الجاهزة، واشتريها ثلاث مرات أسبوعيا فهي أكثر راحة من الطهي وألذ طعما، وأولادي يرغبونها لكن في بعض الأحيان نخدع في جودة الطعام ومذاقه».
وتقول إيمان علي «انا أعشق الوجبات الجاهزة في مطاعم الوجبات السريعة وأتلذذ بطعمها في بداية حياتي الزوجية كنا نتناولها 12 مرة شهريا لكن مع قدوم الأولاد وزيادة الالتزامات الحياتية أصبحنا نتناولها مرتين شهريا».
وتنصرف بعض السيدات عن الاعتماد على الاطعمة الجاهزة او تناولها في المطاعم بحثا عن غذاء صحي، وتقول ام أيمن - وهي ربة منزل - «أحرص على أن تكون الوجبة الرئيسيّة مما أطهوه كما أحرص على أن تكون صحية، وأحاول بأن لا أستخدم مواد غذائية تحتوي على مواد حافظة أو لحوم مجمدة، بل أعتمد على المكونات الطازجة في الطهي، ولكسر الروتين يمكن أن نشتري وجبات جاهزة كشطائر البيتزا مرة أسبوعيا».
وتشدد رندة النجار على أن: «الأكل الجاهز ممنوع ولا يمكن أن أدخله لمنزلي ففي كل مرة نتناول وجبات جاهزة يصاب أحد أفراد الأسرة بتلبك معوي، وفي إحدى المرات تعرضت إحدى قريباتي لحالة تسمم بسبب تناول وجبة جاهزة، وأصبح وضعها الصحي خطرا, فالطعام المعد بالمنزل أنظف وصحي أكثر».
وترى ربات أسر أن الطعام الجاهز مكلف ماليا ويهدر مال الأسرة، وبالإمكان تحضير وجبة أقل كلفة في المنزل ومع ذلك يضطر البعض الى شرائها لأسباب اجتماعية ونفسية، وتقول أم عمر «الوجبات الجاهزة نشتريها غالية الثمن, ومع ذلك نضطر لشرائها مرة كل شهر رغم الوضع المالي المرهق للأسرة حتى لا يشعر أبناؤنا بالحرمان لأنهم يسمعون عنها من أصدقائهم ويشاهدون إعلاناتها في الشوارع والتلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي».
برنامج الهسب
وتبين نائب مدير المدينة في أمانة عمّان لشؤون الصحة والزراعة الدكتورة ميرفت مهيرات أن: «المطاعم كأي مؤسسة لها ايجابيات وسلبيات فلا يوجد هناك مطعم نظيف بشكل مطلق كما أن كثيرا من المطاعم لا تطبق برنامج (هسب ) Hasspوهو برنامج تحليل المخاطر، و نقاط التحكم الحرجة، والتي يطبقها عدد ضئيل من الفنادق والمطاعم السياحية».
وتضيف أنه :»حتى في المنزل ممكن أن يكون هناك نسبة خطأ ترتكبها ربة المنزل، وتبلغ نسبتها 5% فيما يتعلق بالطهو الصحي والآمن والنظافة، وطبعا تكون هذه النسبة أعلى في المطاعم خاصة أن طاقم العمل يتكون في أغلب الأحيان من عمال وافدين أو غير مدربين أو من الممكن أن لا يكون مدير المطعم المالك له فلا يكون اهتمامه بالأمور الصحية بقدر اهتمام المالك».
وتابعت: «من الممكن أن يطغى جشع بعض أصحاب المطاعم على المصلحة العامة، فلا يرغبون في التخلص من المواد التالفة فيقدمونها للمستهلكين على أنها صالحة حتى لايتعرضون للخسارة المالية, وتعد هذه حالات فردية ولا يمكننا التعميم».
وتؤكد أن: «صناعة المطاعم في الأردن ومستوياتها الصحية تتراوح بين جيدة وجيدة جدا وليس ممتازا، كما تتميز على مستوى العالم بأن السياح لا يعانون من تسمم السفر على عكس بعض الدول الأخرى».
وترفض مهيرات التحول والتغير في النمط السلوكي للعائلات والأفراد واعتمادهم على الوجبات الجاهزة بدل تجهيزها في المنزل مما لها من تأثير سلبي على صحة أفراد المجتمع .
ويؤكد نقيب تجار المواد الغذائية خليل الحاج توفيق على تغير سلوكيات الأفراد واتجاهاتهم الاستهلاكية، ولمس هذا التغير، هو والتجار الآخرين من ازدياد الطلب على المواد الغذائية من قبل المطاعم.
ويبين أنه: «تغيرت سلة المستهلك وخياراته وأولوياته في الشراء وأصبح يتوجه نحو الوجبات الجاهزة سواء كانت من المطاعم السريعة أو وجبات «الطبيخ»أو اللجوء إلى السيدات اللواتي يطهون في المنازل والأمر الذي سهل تسويقها سهولة الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي فهو بدون تكلفة تقريبا.
ويضيف أنه: «من الأسباب المؤثرة أيضا أن الوقت التي تخصصه المرأة العاملة لمنزلها أصبح أقل وفقا لطبيعة عملها، إضافة إلى أننا كآباء نخضع لطلبات الأبناء على عكس أيامنا كنا نرضخ للآباء ولذلك لنعوضهم عن التقصير في أمور أخرى كالترفيه عنهم بسبب انشغالنا فيكون التعويض بطلب وجبات سريعة أو حلويات».
وتابع « يشكل الشباب والمراهقون الذين يصعب السيطرة على أمزجتهم أغلبية سوق الاستهلاك فإذا لم يعجبه الطعام في المنزل يتوجه إلى المطاعم ونحن في عصر يصعب أن نتحكم بأهوائهم مع انتشار الانترنت».
توعية وتثقيف
ويقول مدير مديرية المناطق لمؤسسة الغذاء والدواء موسى العبادي أن: «دور المؤسسة الغذاء والدواء يكمن أولا في توعية وتثقيف أصحاب المطاعم والعاملين فيها والأهالي والمدارس بالأساليب والتدابير الصحيحة في التعامل مع الغذاء، وثانيا يأتي دورنا في الرقابة والتفتيش الدوري على المطاعم وأخذ العينات من المطاعم وأماكن إعداد الطعام وفحصها والتأكد من سلامتها واتخاذ الإجراءات القانونية في حال وجود مخالفات قانونية».
الدهون المشبعة
ويقول استشاري الجهاز الهضمي و الكبد إيهاب شحادة عن الأضرار الصحية الناجمة عن تناول الأطعمة الجاهزة: «أن المواد المكونة للأطعمة الجاهزة سيئة جدا فمعظم تكوينها من الدهون الضارة والمشبعة وخاصة الأطعمة المقلية، والتي تقلى على درجات حرارة عالية كالفلافل والدجاج وغيرها إضافة إلى احتوائها على كمية كبيرة من الكربوهيدارات والسكريات».
ويضيف أن: «معظم الشطائر والأطعمة تتكون من البروتينات الحيوانية الحمراء، وهي ضارة كما تحتوي على اللحوم المصنعة حتى إذا لم يطلب الزبون لحوم حمراء ويتجه للأسماك أو الدجاج فستقدم له مقلية».
وينبه شحادة على أن: «هذه الوجبات تحتوي على سعرات حرارية عالية فالوجبة الواحدة تحتوي على 1000 كالوري دون إضافة المشروبات الغازية، فهي تحتوي على نسب عالية من الكربوهيدرات والسكريات والدهون, فتتسبب بإصابة مستهلكيها بالسمنة مما يعرضهم للإصابة بعدد من الأمراض المزمنة كالضغط والسكري وتصلب الشرايين وتدهن الكبد وتشمعه، وهي من أكثر الأمراض شيوعا في الغرب بسب نظامهم الغذائي غير الصحي، كما أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرا تؤكد فيه أن الأطعمة الجاهزة ترفع نسبة الإصابة بسرطان القولون».
وتابع الطبيب شحادة « لهذه الأطعمة تأثير أكبر على الأطفال والمراهقين لأنهم يتناولونها في سن مبكرة فتكون سنوات تعرض أجسادهم لهذه الأطعمة أطول ومن الممكن أن تتسبب لهم بالسمنة ويصابوا بالأمراض المزمنة التي تصيب كبار السن بعمر مبكر».
وينصح شحادة « على الإنسان الاعتدال في تناول مثل هذه الأطعمة وأن لا يتجاوز تناولها مرة أسبوعيا، ويجب أن يصاحب تناولها زيادة في الرياضة والحركة وممارسة الرياضة خمس مرات أسبوعيا».
ويؤكد: «أهمية العودة إلى تناول نظام صحي والطهي في المنزل وخاصة أن منطقة البحر المتوسط تتميز أطعمتها بأنها صحية ومتنوعة لتنوع الخضروات والفاكهة» .
التأثير على الدماغ
ولا يقتصر تأثير الوجبات السريعة على الجسم بل تؤثر على الدماغ وأدائه حسب ماورد في مقال نشر على موقع smart cooky فهي تتسبب مشاكل في الذاكرة والتعلم.
وبينت دراسة نشرت عام 2011 في الدورية الأمريكية «التغذية السريرية» أن :»الأشخاص الأصحاء الذين يتناولون وجبات سريعة خمس أيام على التوالي يصبح أداؤهم ضعيفا في اختبارات الإدراك والتي تقيس الانتباه السرعة والمزاج».
وخلصت الدراسة إلى أن: «تناول الوجبات السريعة لعدة أيام متتالية يتسبب في تردي الذاكرة وينشأ هذا من حقيقة أن النظام الغذائي السيئ أو السام يتسبب بتفاعلات كيميائية معينة والتي تؤدي الى التهابات في منطقة الحصين الموجودة في الدماغ والمرتبط بالحفظ والإدراك».
وتشير إلى أن :»هذه الأنظمة الغذائية تحتوي على نسب عالية من السكر والدهون تكبح نظام نشاط بيتيدات الدماغ التي تساعد على التعلم وتكوين الذاكرة» إضافة إلى أن :»الدماغ يحتوي على وصلات عصبية مسؤولة عن التعلم والذاكرة وعندما نتناول مأكولات تحتوي على سعرات حرارية عالية يمكن أن تتداخل مع الإنتاج والأداء الصحي لهذه الوصلات العصبية».
زيادة خطر الإصابة بالخرف
نعلم أن البنكرياس ينتج الأنسولين ويساعد على نقل الجلوكوز ليزود الجسم بالطاقة، و ينتج الأنسولين في الدماغ أيضا حيث يساعد على حمل الإشارات بين الخلايا العصبية وتكوين الذاكرة.
وأظهرت دراسة أجريت في جامعة براون أن استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة الدسمة والسكريات تزيد من مستويات الأنسولين في الجسم بشكل كبير،وعندما يحصل هذا يتوقف الجسم عن التجاوب مع هذه الهرمونات ويصبح مقاوما لها،مما يحد من قدرتنا على التفكير واسترجاع وتكوين الذكريات ،والذي يزيد من خطر الإصابة بالخرف».
ويمكن للاستهلاك الزائد للدهون المشبعة الموجود في الأطعمة المقلية والمصنعة أن يرسل إشارات مختلطة للدماغ، مما يصعب عليه استيعاب ومعالجة مقدار الطعام الذي يتناوله الناس ومقدار جوعهم, لهذا يتناولون طعاما أكثر من حاجتهم، فوظائف الدماغ السليمة تحتاج إلى جرعة يومية من الأحماض الدهنية مثل أوميغا 6 واومغيا 3 والنقص في هذه العناصر يزيد من اضطراب نقص الانتباه والخرف والاضطراب ثنائي القطب .
وتظهر الدراسة ذاتها أن :«الإفراط في استهلاك الأطعمة السريعة يجعل الدهون المشبعة التي يصعب هضمها تحل محل هذه الأحماض الدهنية وبينت دراسة أن الدهون المشبعة تسبب الالتهاب في منطقة تحت المهاد الموجودة في الدماغ والذي يحتوي على الخلايا العصبية التي تسيطر على وزن الجسم».
تغيير كيمائي يقود إلى الاكتئاب
أظهرت العديد من الدراسات أن تناول الأطعمة التي تحتوي على نسب عالية من السكر والدهون تغير النشاط الكيمائي للدماغ وتجعله أكثر اعتمادا على هذه الأطعمة.
وفي دراسة أجريت على فئران في مونتيريال بينت انها: «عانت من أعراض الانسحاب والتي تقود الى عدم القدرة على التعامل مع الضغط النفسي وأشعرتها بالاكتئاب».