كتب - عماد عبد الرحمن

زَخَمْ التحرك الذي يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني نحو العالمين العربي والاسلامي والمجتمع الدولي، بخصوص قرار الرئيس الاميركي الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لاسرائيل، والبدء بإجراءات نقل السفارة الاميركية الى القدس، أياً كانت نتائجه، أوجد حالة فريدة من التفاهم الدولي على أهمية عدم المساس بالوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة، لما لذلك من تبعات وإرتدادات لا تحمد عقباها في قضية تعتبر اكثر من حساسة لمئات الملايين من الناس في معظم دول العالم.

الملك، الذي تحرك من منطلق كونه رئيس القمة العربية التي عقدت في البحر الميت في آذار من العام الحالي، إرتكز على عدة محاور ابرزها:

الحديث الى الراعي الرئيسي لعملية السلام في الشرق الاوسط وهو الولايات المتحدة الاميركية بكافة اركان قيادتها من خلال شرح وكشف تداعيات مثل هكذا خطوة في هذا التوقيت، وقد تجسد ذلك بزيارة الى واشنطن قبل نحو اسبوعين، ذكّر فيها الادارة الاميركية ان احد ابرز التداعيات الخطيرة، تعزيز فكر وعقيدة التنظيمات الارهابية في المنطقة ومنحها فرصة جديدة للعودة مرة أخرى بعد ان نجح التحالف الدولي بالقضاء على هذه الحركات عسكريا.

تعزيز التواصل مع الاطراف الاقليمية الفاعلة في المنطقة وفي مقدمتها تركيا التي تترأس حالياً منظمة المؤتمر الاسلامي، وتتحدث بإسم أكثر من خمسين دولة حول العالم، وغيرها من الدول، والتواصل مع الدول الفاعلة في المنطقة والعالم، وقد بدا ذلك واضحا من خلال ردود الفعل العالمية الرافضة لقرار ترمب، ووضعت الولايات المتحدة واسرائيل في مواجهة مع العالم.

ترمب الرئيس الجدلي، الذي يستعد لدخول عامه الثاني في حكم الولايات المتحدة الاميركية، أمضى عاما مليئا بالاحتجاجات والازمات الداخلية والخارجية، يسعى في خطوته بخصوص القدس، الى إيجاد حالة جديدة من المواجهة بين دول المنطقة، من خلال القفز على قرارات الشرعية الدولية، وتفريغ عملية السلام التي ترعاها بلاده من مضمونها من خلال التحيز الكامل وتبني موقف طرف على حساب الاخر، وهو الامر الذي يضرب مصداقية الوسيط والراعي الدولي الابرز لعملية السلام التي انطلقت برعايتها منذ العام 1991.

لكن لماذا كل هذا الرفض لقرار ترمب؟

اولا: مدينة القدس بما تحويه من مقدسات اسلامية ومسيحية هي مدينة مقدسة لـ1،5 مليار مسلم ومئات الملايين من المسيحيين العرب وفي العالم، بالتالي فإن منح السيطرة الكاملة لاسرائيل على المدينة المقدسة، يمثل انتهاكا صريحا وواضحا لتلك المقدسات وكلنا يشهد حجم تعديات المستوطنين وانتهاكاتهم المتكررة للمسجد الاقصى، ومنع المصلين من أداء صلواتهم، وقد بدا ذلك في محاولاتهم المتكررة لإقتحام المسجد الاقصى، وقبل ذلك محاولة احراقه.

ثانيا: طوال العقود السبعة الماضية تمكن الاردن من الحفاظ على المقدسات الاسلامية والمسيحية بالمدينة، من خلال رعايته ووصايته الشرعية والقانونية عليها، من خلال إدارة الاوقاف الاسلامية، وهو ما لجم محاولات الاحتلال الاسرائيلي من تغيير الامر الواقع بالمدينة المقدسة، كل ذلك، افشل مخططات اسرائيل بهدم المسجد وبناء «الهيكل المزعوم» مكانه وتحقيق الحلم اليهودي التاريخي الذي ورد في بروتوكولات حكماء صهيون، ببناء الهيكل المزعوم.

ثالثا: يدرك العالم أن الاعتراف بما تسعى اليه اسرائيل من شأنه اشعال المنطقة، والدخول في حروب جديدة المنطقة في غنى عنها، بعد أن انهكتها الحروب والنزاعات، لذلك وجدنا ردود الفعل الرافضة حتى من أقرب حلفاء واشنطن لقرار الاعتراف ونقل السفارة، كما يدرك العالم ان نار الحرب لن تقتصر على المنطقة بل ستمتد لتصل الى أبعد مما هو متوقع وسيعاني من نتائجها الكثير من دول العالم.

رابعا: ان الاعتراف لن يغير حقيقة على ارض الواقع من ان القدس وكل فلسطين من البحر الى النهر هي ارض فلسطين التاريخية، وهي ارض واحدة للشعب الفلسطيني الذي ابعد عنها قصراً، بحكم صدور وعد بلفور قبل مئة عام، وان القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل عام 1967، واعلنتها عاصمتها الابدية والموحدة في 1980 هي خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي ولا الولايات المتحدة، حتى اليوم.

خامسا: يدرك العالم ان مناصرة طرف مُعتد ومحتل على طرف معتدى عليه ومهجر، يعني ضرب منظومة التشريعات الدولية والاخلاقية التي تنظم علاقات الدول ببعضها البعض، عرض الحائط وبالتالي، التفكير بخطورة مناصرة دولة خارجة على القانون الدولي ترفض تطبيق قرارات الامم المتحدة، مستندة الى مناصرة قوى كبرى، على طرف عانى شعبه على مدى سبعين عاما من التهجير والقتل والاعتقال وانكار الحقوق.

ما هي الخطوة التالية امام العرب؟

في حال اتخذ القرار، سيضيق هامش المناورة وستخلق حالة فراغ ونزاع جديدة، بين الاطراف المعنية مباشرة بالموضوع، فما الذي ينبغي فعله؟

اعلان ترمب، يمثل انهاء للدور الاميركي كراع محايد لعملية السلام بالمنطقة، بالتالي على العرب التوجه نحو مراكز قوى أخرى حول العالم، لتعبئة هذا الفراغ، وفي مقدمتها المجموعة الاوروبية والصين وروسيا.

الضغط الاقتصادي يلعب دورا حيوياً، لكن مثل هذا التوجه يحتاج الى موقف عربي موحد وحازم يلتزم به الجميع، خصوصا وان الشريك الاميركي والحليف الاول للعرب، خذل زعماء وشعوب المنطقة، بعد انحيازه الصارخ لطرف على حساب الاخر.

بعد قرار ترمب، ينبغي التفكير بطريقة جديدة في التعامل مع ملف المفاوضات والسلام مع اسرائيل، خصوصا في موضوع القدس، حيث تبين بوجه لا يدع مجالا للشك ان قضية القدس هي محور عملية السلام ونقطة ارتكازها، وأي خلل لا يحقق مصلحة الفلسطينيين والعرب، من شأنه افراغ العملية السلمية من مضمونها كفكرة وتوجهات.

اعادة النظر جدياً بالتوجهات العربية، نحو اقامة علاقات مع اسرائيل، كونها دولة لا تحترم الشرعية ولا العهود ولا المواثيق، وقد بدا ذلك واضحا في كثير من المواقف التي حصلت مع الدول العربية التي وقعت اتفاقية سلام معها.

استثمار الوجود العربي والاسلامي الحيوي في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي اوروبا والعالم بشكل عام، لتشكيل قوى ضاغطة على حكومات تلك الدول، لإعادة النظر بسياساتها في المنطقة، وإدراك ان من شأن اي قرارات أحادية زعزعة استقرار المنطقة التي تربطها علاقات ومصالح واسعة مع العالم الخارجي.

إدراك الادارة الاميركية، ان محاولات ارضاء اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة، وتسديد الفواتير الانتخابية، لن تتوقف نتائجه عند هذا الحد بل ستنتقل الى ملفات أخرى تطال مصالح ونفوذ الدول التي تنشط بها مثل هذه المنظمات، بالتالي فإن العبث بمصير وعقيدة شعوب المنطقة والاصطفاف غير المنصف لطرف على حساب آخر، لن يفيد اي طرف، وستكون مثل هذه الخطوات بمثابة الفتيل الذي يشعل الحروب في المنطقة.