عمان – ناجح حسن
تحولات جديدة على اكثر من صعيد تنظيمي واداري شهدتها فعاليات الدورة الاخيرة لايام قرطاج السينمائية–اسدل الستار عنها الاسبوع الفائت–حيث اعاد مدير الدورة المنتج السينمائي المعروف نجيب عياد المهرجان الى ينابيعه الاولى التي كان فيها المهرجان يركز على منجزات السينما العربية والافريقية المغايرة للانماط السائدة.
حضرت الدورة الاخيرة التي اتت بعد عام على احتفال ايام قرطاج السينمائية بمرور نصف قرن من التأسيس واستطاع ان ينتزع هويته الخاصة ليكون فعلا وعلى نحو واقعي وليس ادعاء انه عميد المهرجانات العربيّة والإفريقية، حيث ساهم ولا يزال في تنميــة الصّناعة السّينمائيّة في كثير من البلدان العربيّة والإفريقية وكان بمثابة المنصّة الأساسيّة للترويج لها في ارجاء المعمورة.
من هنا حرص القائمون على المهرجان على جلب اكبر عدد ممكن من الافلام العربية والافريقية المنجزة حديثا سواء في بلدانها الاصلية او بالمهجر وتوزيعها على اكثر من مسابقة التي تعددت هذا العام تحت اكثر من مسمى مثلما جرى استحداث جوائز جديدة جرى في عدد منها مضاعفة قيمتها المادية او في استعادة المسابقة الرّسميّة للأفلام الوثائقيّة، عدا عن تسليط الأضواء على التّجارب السّينمائيّة المبتكرة.
مثل هذه الرؤى الجديدة التي نهضت عليها فعاليات الدورة اتاحت لصناع الافلام العرب والافارقة من ضيوف المهرجان الى تجسير الفجوة بين السينما العربية والافريقية فضلا عن تمتين العلاقات بينهم لاجل الوصول إلى آفاق جديدة توصل بالتالي الى شبكة من الحلول والاقتراحات التي تبحث عن سبل وامكانيات فعالة.
كما ركزت برامج الدورة على تلك النتاجات البديعة سواء الجديدة منها أو استعادة تلك القامات الرفيعة التي ما زالت عالقة في الذاكرة من افلام آتية من القارات الثلاث: اسيا افريقيا واميركا اللاتينية وهو ما مكن الجيل الجديد من رواد المهرجان في المجتمع التونسي من الاطلاع على نماذج فريدة في الصناعة السينمائية ومن التعرّف على تجارب سينمائيّة مبتكرة لدى ثقافات انسانية تكاد تتشابه مع احوال المنطقة العربية.
عملت أيام قرطاج السينمائية على تجديد تجربة شبكة المنتجين والتي استقبلت مشاريع أفلام افريقية وعربية في مرحلة التطوير في مسعى لتوفير الفرصة للشباب والمخرجين في اللقاء والإبداع والدعم والرؤية والتمويل المحتمل من طرف المهتمّين بالصناعة السينمائية على الصعيد الدولي، فعلى مدى يومين تم تنظيم اجتماعات «واحد مع واحد» في جلسات منفردة كثيفة الاجتماعات لايجاد تفاعل بين المهنيين في هذا القطاع ومنح المشاريع على امل ان يجري تحقيقها في المستقبل القريب.
لكن ما يحسب للمهرجان انه ظل امينا على اطياف جمهوره الواسع من عشاق السينما والمهتمين الذين كانوا يقبلون على افلام المهرجان بكثافة ويحرصون على متابعة كل الافلام المشاركة باقسام المهرجان المتعددة سواء كانت من النوع القصير او التسجيلي او لدى عروض برامج التكريم.
تنافس بالمسابقة الرسمية للافلام الروائية الطويلة العديد من الافلام العربية والافريقية المتنوعة المضامين والاساليب وهي: «في اتظار عودة الخطاطيف» للجزائري كريم موساوي، «ضربة في الرأس» للمغربي هشام العسري، «مطر حمص» للسوري جود سعيد، «على كف عفريت» للتونسية كوثر بن هنية، «قضية رقم 23» للبناني زياد الدويري، «الشيخ جاكسون» للمصري عمرو سلامة،»شرش» للتونسي وليد مطار، «مصطفى زاد» للتونسي نضال شطا، «وليلي» للمغربي فوزي بن سعيدي، «المتعلمون» للافريقي الجنوبي جون ترقنوف، «ولاي» لبرني قولدبلات من بركينا فاسو، «قيليست» للسنغالي الان توقماس، «الاسلحة الخارقة» للكاميروني الان بيار بيكولو، والفيلم الموزمبيقي «قطار الملح والسكر» ليسيندو اريفيدو وهو العمل الحائز على الجائزة الكبرى في المهرجان.
يستمد «قطار الملح والسكر» أحداثه عن قصة حقيقية جرت وقائعها العام 1989، وتتلخص في مسيرة قطار محمل باكياس من الملح والسكر في طريقه الى دولة مالاوي المجاورة، وخلال سير القطار في بيئة طبيعية مليئة باشجار الغابات يتعرّض إلى إطلاق نار من قبل مسلحين متمرّدين فضلا عن الكثير من الحوادث والعوائق التي تواجه الركاب واغلبيتهم من المدنيين وتحديدا من النساء والأطفال.
صوّر الفيلم من خلال الرحلة وقائع وأحداث جسام آتية من تداعيات أحوال سياسية واجتماعية سائدة في ذلك البلد جراء ما يعصف بهذه المنطقة من حرب أهلية مدمرة يستفيد منها رجال فاسدون يتحالفون مع قتلة ومجرمين وآفاقين يمارسون الجرائم بأبشع صورها، ضحاياهم غالباً من الأبرياء.
فعلى رغم قتامة مناخات الفيلم التي تسود فيها مشاهد القتل والاعتداء والحرمان والمجاعة والفقر والمرض عبر ذلك المسار الطويل الذي يسلكه القطار في ارجاء موزمبيق، الاّ انه أشاع في احداثه أيضاً ذلك البصيص من الأمل في التعبير عن الطموحات التي يتعلق بها افراد وجماعات من مواطني هذا البلد الافريقي.
حضر العمل متكئاً على نص قوي محكم باداء شخوصه الفطن، بدت فيه توظيفات مخرجه البديعة لمفردات اللغة السينمائية المحملة بالإشارات والدلالات البليغة المفعمة بزوايا تصوير الكاميرا لتكوينات من الطبيعة الخلابة وهو ما منحه كل هذا الألق والعذوبة التي بانت كشواهد تؤشر على مواقف الإيثار والكبرياء والحكمة في الإنحياز الى البسطاء والتعلق بالوطن عموماً والاعلاء من قيمة نسيجه الاجتماعي المتآلف المسكون بتنوع ثقافاته وتقاليده الدارجة.
طرح فيلم «شرش» للتونسي وليد مطار، الذي قطف جائزة أفضل سيناريو، وجائزة الطاهر شريعة لأفضل عمل أول، والذي حققه بين تونس وفرنسا التي درس فيها فنون السينما، اكثر من قضية يعاني منها المجتمع الانساني بأكمله، حيث البطالة التي باتت تجتاح الكثير الدول المتقدمة والنامية، وفيه صور جملة من الأحداث الموزعة بالتساوي بين فرنسا وتونس.
تدور وقائع الفيلم في مصنع احذية بواحدة من المدن الفرنسية، يقرر مالكو المصنع على نحو مفاجيء إغلاقه وتسريح عماله، بعد أن تم نقله إلي تونس توفيرا للنفقات في اجور العمال.
يركز الفيلم بشقه الفرنسي على رجل مسّن هو احد العمال المسرحين الذي يعرضون عليه مكافأة لا تتناسب مع سنوات عمله الطويل في المصنع، حيث يعمل على شراء قارب مخصص لصيد الاسماك بالتعاون مع ابنه وزوجته وينجح هذا العامل في عمله الجديد ويحقق منه دخلا وفيرا قبل ان يجد صدّا من الدوائر الرسميه التي تفرض عليه انظمة وتعليمات تحول من استمراره في الصيد الى ان تقبض عليه السلطات ومصادرة قاربه، بتهمة ممارسة اعمال صيد الاسماك على نحو غير قانوني! ليجد نفسه بالتالي فريسة للبطالة التي تفرضها قوانين لا تراعي القيم الإنسانية وحقه في في ممارسة هواية الصيد السمك وتسويقه.
وفي المقابل يقدم الفيلم حالة انسانية من داخل تونس على نحو متوازٍ عندما يتم انشاء مصنع الأحذية وياخذ في استقطاب العمال من بينهم شاب يعاني من البطالة يعتني بوالدته المريضة ويتهيأ للزواج من زميلته في العمل، ولكن جراء استغلال هذا العامل الشاب من قبل القائمين على المصنع تحت وطأة حاجته الى تثبيته واستقراره بالعمل وتكبيله بوعود وآمال كاذبة لا تتحق يجد نفسه مهاجرا الى فرنسا متسللاً داخل احدى الحاويات تاركا خلفه والدته وفتاته الى مصير مجهول.
يصور الفيلم دائرة كاملة من الخداع لمواطنين من بلدان غنية وفقيرة بآن، لكن الهموم الإنسانية هي ذاتها مهما اختلفت الثقافات والهوية بين البشر، فقد برع المخرج الشاب في إيصالها للمتلقي العادي بسلاسة وصدق وواقعية بعيداً عن أي شعارات فضفاضة، لا بل عاين فيها مشكلات الشباب ومعاناتهم متلمساً أحاسيس وآمال وآلام هذه الفئة دون أن ينسى تلك الفئة المطحونة من المسنين الذين أجبرتهم قوانين العالم المتحضر على الإنكسار والخضوع.
راعى مطر في تجسيد هذه الأنماط من السلوكيات وتصويرها امام عين المتلقي على نحو متوازن ودقيق بتعابير تحتشد بأطياف من عناصر اللغة السينمائية المفعمة بالرؤى والأفكار العميقة التي تبرز جماليات الأمكنة والطبيعة التي بدت اشبه بلوحات بصرية خلابة تطوف بين معالم مدن حديثة أو هي تتوغل في فضاءات الصحراء وعلى سواحل البحار.
واكثر ما يلفت في خيارات الدورة الجديدة لايام قرطاج السينمائية وجود هذا الكم الوفير من الاشتغالات السينمائية التونسية الشابة والمخضرمة مقارنة مع الدورات الفائتة سابقة، حيث توزعت عشرات الافلام التونسية الحديثة الانتاج بشقيها الروائي والتسجيلي من النوعين الطويل والقصيرعلى برامج الفعاليات بانت فيها قدرات صانعيها المتباينة وقدرتهم على الانجاز والابداع سواء عبر تلك النتاجات المحلية او من خلال الانخراط في الانتاج المشترك مع العديد من صناديق الدعم في بلدان عربية واوروبية. فمن خارج المسابقة جاء الفيلم التونسي المعنون (الجايدة) لسلمى بكار الذي صورت احداثه ابان حقبة تاريخية انحازت فيه الى المرأة التونسية وتوقها الى التحرر وحضر ايضا الفيلم التونسي (همس الماء) للمخرج الطيب الوحيشي صاحب فيلم (ظل الارض)–احد اشهر كلاسيكيات السينما التونسية- والذي انجزه على كرسي متحرك وقدم فيه مزيجا من احلام الشباب على خلفية الاوبرا الموسيقية.