عمان- إبراهيم السواعير

يسلّط نخبة من أساتذة التاريخ الضوء على كتاب المؤرخ الراحل كليب سعود الفواز «أمراء حوران: آل الفواز مشايخ السرديّة»، في حفل إشهار يُقام مطلع تشرين ثانٍ، في مدرج محمد علي بدير بالجامعة الأردنيّة، يشارك فيه الدكتور علي محافظة، والدكتورة هند أبو الشعر، والدكتور إبراهيم الشرعة، والدكتور عادل الأشرم، بإدارة الدكتور إسماعيل السعودي.

ويجيء الكتاب، الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ليقرأ حقبةً منسيّةً من تاريخ المشرق العربي، أمضى فيها الوزير والعين الدبلوماسي الأسبق كليب الفواز، عشرة أعوام تكللت بكتابات موضوعيّة وإحالات ومراجع عربيّة وأجنبيّة، خصوصاً وقد كان المؤلف، كتب في الثورة العربية الكبرى في حقبة مهمّة، وتوافر على أرشيف عثماني وأجنبي أعطى لمؤلفاته صدقيّةً وموثوقيّةً، آخرها «أمراء حوران» الذي كانت أمنيته أن يشهره قبل مغادرته الحياة.

ويعترف المؤلّف بأنّ المشكلة الأساسيّة التي كان واجهها في بداية بحثه هي في المقارنة بين ما يعرفه وسمعه اعتماداً على الرواية من جهة، والواقع المعرفي الجديد«الموثّق» الذي بدأ باستكشافه والاطلاع عليه وجمعه لفترة ليست بسيطة، إذ أخذ منه ما يقارب العشر سنوات، وهو يبحث عن هذه المصادر، ليجد وثيقةً هنا أو وثيقةً هناك، لتأخذه الرحلة إلى دمشق وبيروت والقاهرة، وحتى بطريق غير مباشر إلى بغداد وإسطنبول، وبين هاتين المرجعيتين؛ الرواية الشفوية والمعرفة الموثّقة «البحث العلمي» كان عليه، كما يقول، أن يقف موقف الحياد؛ ذلك لأنّ الرواية قابلة للتغيير والإضافة والزيادة والنقصان، بينما المعرفة الموثوقة تعود إلى زمن توثيقها، وهي في الأغلب معلومات عن أحداث وقعت ولكنّها خاضعة إلى صدق كاتبها وأمانته، وهو شخصٌ واحد، بينما الرواية قائمة على النقل بين عدد كبير من الأشخاص خلال عدة قرون حتى وصلت إلينا.

ويورد المؤلف مشكلةً أخرى واجهها تتعلق بمرحلة ما بعد عام 1718، أي مرحلة ما بعد انهيار الإمارة السردية وبداية الضعف، موضّحاً أنّ أغلب ما يعرفه أو حتى يحاول الوصول إليه قام على الرواية الموروثة لديه، التي قد يصل إلى بعضها الاتفاق على تفاصيلها، وبعضها «عليك أن تكدّ لتستطيع أن تجمع خيوط أحداثها، بينما نهاياتها متشابهة».

ويوّثّق المؤلف، انطلاقاً من الأمانة العلميّة، أحداثاً مهمّة، تحت مسمّى «من التراث»، شارحاً أنّ السرديّة أدّوا دوراً أساسيّاً في حماية الحجّ والحجّاج، واستطاعوا في نهايات القرن الخامس عشر وحتى الربع الأول من القرن الثامن عشر، السيطرة على طريق الحجّ من دمشق حتى المدينة المنورة، وقبل ذلك كانوا يسيطرون على طريق الحجّ المصري وطريق الحجّ السلطانيّ، كما تمكنوا عن طريق القوّة أو عن طريق التلويح بها أن يبقوا الجميع داخل هذه المنطقة تحت سيطرتهم، وكانوا يحمون العشائر القاطنة في مناطق نفوذهم من الاعتداءات التي تقوم بها بعض القبائل الأخرى، حتى أنّه لم يذكر خلال الفترة الموصوفة وقوع اعتداءات على هذه القبائل، إلا بعض أحداث يذكرها المؤرّخ الفواز.

ونقرأ في الكتاب كيف جرّب العثمانيّون ومن قبلهم المماليك الاعتداء على قبيلة السرديّة أو أحلافها عندما تزعّم السرديّة ثورة العشائر عام 1557، وتغلّبوا على الجنود العثمانيين المرسلين لمحاربتهم، أما المماليك فقد قيل بشأنهم «لقد دوّخ بنو لام «السرديّة» هذه الدولة؛ فأقرّوا إمرتهم على طريق الحجّ المصريّ، وأصدروا «الفرمانات» اعترافاً بإمارة الفواز على مناطق تواجدهم».

كما نطالع أنّ السرديّة كانت لهم الصولة والجولة خلال تلك الحقبة، فلم يستطع أحدٌ أن يقاسمهم مصدر قوّتهم أو ثروتهم، وتمكنوا من أن يحافظوا على إمارتهم أكثر من غيرهم بكثير في ذلك الزمن، وكانوا عنصراً فاعلاً بل حاسماً في بعض مراحل اشتداد الصراع بين القيسيّة واليمانيّة، لكن تفاصيل هذه المرحلة لم توثّق بشكلٍ مترابط ومتواصل، إذ أشار الباحثون في هذه المرحلة إلى أسماء الأمراء أو الشيوخ فقط من غير ذكر العشيرة إلا ما ندر، فكانت العشيرة عندما يذكرونها ترد تحت أسماء مختلفة، من مثل «لأم المفارجة، مفارقة بني لام، بنو قني، الفوّاز»، حتى أنّ بعضها عندما يشير إلى أحداث معيّنة يذكر أسماء الأشخاص من غير تفصيل أو الإشارة إليه حتى في المتن، ومثال ذلك أن بعض هذه المصادر تذكر أنّ ابن رشيد قد هاجم قيادة قافلة الحجّ موسى التركماني عام 1670، لكنّها لا تذكر من هو ابن رشيد، فَيُظنّ أنّه ابن رشيد أمير شمّر في منطقة حائل، لكن في الحقيقة أنّ ابن رشيد هذا هو حمد بن ارشيد بن سلامة بن نعيم بن سلامة بن فواز، صاحب الواقعة المشهورة على سيل الزرقاء، كما يقول المؤلّف كليب الفواز.

ويذكر المؤلّف الفواز حادثةً أخرى لم تُغطَّ بشكلٍ مفصّل على الرغم من أهميتها في حينها، ذلك أنّ الأمير كليب أمير عرب الشام وشيخ باديتها قد قتل الوالي العثماني حسين باشا الفراري عام 1705 في معركة الجابية الواقعة إلى الجنوب من بلدة المزيريب، وكان عدد جيش الوالي العثمانيّ يُقدّر بعشرة آلاف فارس وسبعمائة فرس، وكان معه مدرّعة، وأنّه تمكّن بواسطة فرسانه من أن ينتصر على الوالي العثماني ويشتت جيشه، وعندما استعان حسين باشا حينها بوالي القدس استطاع السردية حصاره في قلعة الجابية مدّة ثلاثة أيّام، ثمّ استسلم والي القدس بعدها.

ونرى أنّ الباحثين أو الذين وثّقوا لتلك الحقبة قد مرّوا عليها مرور الكرام، على الرغم من أهميّة مثل هذه الحادثة، مع أنّه يُسجّل للسرديّة وزعامتهم الفوّاز أنّهم أوّل من تصادم مع العثمانيين واستطاعوا هزيمتهم في حينها، ثمّ إنّ هناك كثيراً من الأحداث الأخرى التي ارتبطت بالأسماء من غير ذكر تفاصيلها، فترد أسماء نصر الله ونعيم وعقاب تحت مسمّى بدو، بينما نصر الله هو أحد الأمراء الذين ثاروا على السلطة العثمانيّة، ونعيم هو نعيم بن سلامة بن فوّاز أمير الحج عام 1502، ومن المساهمين في تثبيت إمارة السرديّة، أما عقاب فهو من نازع قانصوه الغزّاويّ على إمارة الحج عام 1557، وحصل على لقب شيخ الشام مرّاتٍ عدّة.

ويغري الكتاب بمتابعة الكثير من القصص والحكايات الموثّقة، إذ يقول المؤلّف إنّ أحداثاً مهمّة كتبت بالهمّ والدّم، موضّحاً أنّ عائلته كادت في مرحلتين مختلفتين أن تفنى، الأولى بعد معركة المزيريب عام 1718، عندما استطاع العثمانيون القضاء المبرم على عائلته، إلا أنّ طفلاً صغيراً لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات ذهب السردية به إلى ابن حميد زعيم عتيبة، لكنّه لم يقدّر الدخالة وأراد الزواج بـ «برقا» بنت عم كليب، التي بقيت في سلالة أهلها، لكنّ السردية عادوا بها إلى منطقة حوران، ويذكر المؤلف نقلاً عن مراجعه الموثوقة أنّ «كليب» هذا، وهو الثاني الذي يحمل هذا الاسم عام 1760، هو حفيد كليب الذي قتله العثمانيون عام 1709، أما الحادثة الثانية فكانت عندما قُتل عمّ والد المؤلّف ممدوح غدراً عام 1927 بالقرب من بلدة ثغرة الجب في محافظة المفرق، وقبره دخل إحدى القواعد العسكريّة ومعه عمّ المؤلّف المباشر شقيق والده مشهور، فكما يقول أخبرته والدته بأنّ مشهوراً هذا قد وصل إلى بيت الشعر وبه رمق من الحياة، حيث بقي ثلاثة أطفال هم والد المؤلف سعود، وعمّه رافع، وابن القتيل نايف.