اعتدال صادق شومان

منى السعودي، إحدى أبرز الفنانات العربيات الرائدات في النحت التجريدي بكل المقاييس الثقافية والجمالية، تملك فلسفتها الخاصة في الشكل، وفي تحريض المادة وتطويعها، لتستقي منها الفن العربي، والشعر العربي، والخطّ العربي.

تملك منى هذا القدر من الاندماج مع بصمتها الفنية كدليل واضح على أعمالها. مهما تعدّدت الأشكال والأحجام أو تشابهت، تبقى تلك الأعمال تشير دائماً بروعتها إلى منى السعودي.

في مدارها الخاص، كان النحت عالمها المكنون الذي أسرها منظوره وجمالياته، فانطلقت تعالج الأشكال والكتل، والخطوط تقارب وتباعد، لتنسج لغتها وهويتها الخاصة في مغامرة الإبداع المتواصلة. حصدت في غلالها منزلة عالمية كإحدى أشهر النحّاتات في الزمن المعاصر. تنتصب أعمالها ضمن مقتنيات عددٍ من أكبر متاحف العالم، وبشكل خاص المعرض الوطني للفنون الجميلة في الأردن، والمتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم، ومعهد الفنّ في شيكاغو، ومعهد الفنّ في ديترويت.

وتقف إحدى منحوتاتها في ساحة معهد العالم العربي في باريس، وهي المنحوتة الوحيدة التي أُجيز لها من قِبَل المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل صاحب تصميم المعهد، أن تزيِّن ساحة المبنى. ولا تزال أعمال منى تحتفظ بدهشتها الأولى أنّى حلت في المعارض العربية والعالمية التي تشارك فيها.

في مشوار مديد تجاوز نصف قرن من الزمن، منذ تجرّأت وجرّبت وخاطرت مفعمة بالدهشة والفتنة وبلا هوادة، متوسّلة المعرفة والمِراس أن تفرض المكانة العالية لفنّها الذي جاء متّسقاً تماماً كاتّساق المعالم الأثرية في عمّان التي جاورتها طفلة في موطنها الأول، وأصل الحكاية كلّها. ومن ألوانها استلهمت رؤيتها «الوردية» لينمو الحلم في الدروب الترابية «لربّة عمّون»، ويرتفع المدماك الأول ويتراكم جزءاً فوق جزء، حجراً فوق حجر، فازداد النحت انصهاراً وتماسكاً. واستطاعت السعودي فرض وجودها في عالم معروفة صعوبة اختراقه حتى على الرجال، ناهيك عن امراة تطرق الحجر، عدا كونه من الفنون الصعبة والتي تلزم جهوداً مضنية. غير أنها امرأة عذبة الروح، قوية الشخصية والشكيمة، وذات فكر متوقد وإرادة صلدة، لا يقهرها إلا قوة طموحها. ملكت البديهات وأصول تفكيك المصاعب، فاختارت فنّاً جلياً في عمقه التاريخي، حضوره من حضور الإنسان. فطوّعت قسوته لتصبح رائدة في مجالها، وقد أنطقت الحجر في لغة شديدة البلاغة: «النحت ليس أصعب من عمل امرأة ترعى الأغنام، أو تحرث الأرض في حقلها، كما أن النساء في الماضي كنّ يقمن بأعمال شاقة في المنزل. النحت هو الإيمان بما يقوم به المرء. وهذا ما يؤدّي به إلى الاستمرارية».

وبين مطرقة الروح ورنين الإزميل، حرّرت منى السعودي النحت من مكمنه الأصمّ وأنطقته شعراً، في استعارة تصويرية للّغة والمادة، إذا فقد الحجر أوزانه «صار قصيدة» وباح شعراً موزوناً أو متحرّراً، يرسم أشكالاً تتوالد من فضاء النصّ الشعري، ويتعانق الكلام في لوحة مع المداد الملوّن، على اعتبار أنّ المنحوتة عند منى السعودي جسد للقصيدة، والرسم شعر مرئيّ. فكان بديهياً أن تحاور رسوماتها أعمال عدد من كبار الشعراء على غرار أدونيس ومحمود درويش وغسان كنفاني. ولا ريب أن تتسرب بعض أعمالهم إلى رسوماتها وهي التي بدأت شاعرةً تراسل مجلة «شعر»، وأصدرت في مرحلة مبكرة مجموعة بعنوان «رؤيا أولى».

وإذا كانت منى السعودي قد هجرت الكتابة، إلا أنّ الشعر دأب يجاهر عن نفسه في تفاصيل رسوماتها.

حكاية عشق إنسانيّ

وقد أدركت منى الصبيّة أنّ الفرق بين ما تفعله وما بوسعها أن تفعله كبير، ولا تنجلي الموهبة حتى تُصقَل. فسعت بجدّية ودأب إلى تطوير ملكاتها والالتزام بها، وليس دونها صعاب في كسر تقاليد العائلة المحافظة. وعلى مسار الطيور المهاجرة التي لا تلبث أن تعود إلى أوطانها، قادتها رحلتها من عمّان إلى بيروت متأبطة باكورة رسوماتها، تودعها «مقهى الصحافة» ملتقى المفكّرين والشعراء والرسّامين والنحّاتين يوم كانت تضجّ بهم الساحة الثقافية، على غرار أدونيس، بول غيراغوسيان، ميشال بصبوص، حليم جرداق، نزيه خاطر، ويوسف الخال، لتقيم أوّل معرض لرسوماتها عام 1963 في مقهى الصحافة الذي كان يمثّل حينذاك منتدى ثقافياً في مبنى صحيفة «النهار» اللبنانية.

وكان الهدف، ووجهة أحلامها، باريس عاصمة الفنّ ومدينة الحلم التي وصلتها وهي في السابعة عشر من العمر. وكان العام 1964 لتبدأ فور وصولها الدراسة في المدرسة العليا للفنون الجميلة، واختارت من بين مواد النحت المتعدّدة، الحجر، مادة الأرض الأولى. حيث أنجزت أولى منحوتاتها الحجرية، لتبدأ منذ ذلك الحين أسلوباً تجريدياً في النحت يحمل تأويلها الخاص للعالم المحيط بها بصرياً. تأويل لازمها إلى اليوم، وقد طوّرته على مدى خمسين سنة من الإبداع.

وفي باريس، اكتشفت منى فنون حضارتنا القديمة، وسحرتها المنحنوتات السومرية والمصرية والأنصاب النبطية المنقوشة بالكتابات. وتقول عن تلك الفترة: «كنت ألمس على الحجر أيدي نحّاتين من بلادي صنعوا منذ آلاف السنين هذه الأعمال المجيدة».

وفي كرارا الايطالية موطن الرخام الأبيض، هناك اكتسبت من العمّال المهرة أسرار استعمال الإزميل والمطرقة الهوائية، وكيف تصقل المنحوتات. وهناك أيضاً التقت الفنان الهندي كرشينا ردي. لتبدأ رحلة لذّة الاستكشاف في تحويل الحجر إلى منحوتة. ودخلت في عالم البحث عن الشكل حتى اكتملت التجربة ونضجت محتضنة بالحبّ والخصوبة والأمومة والأرض. يومذاك، تعهّدت أن تنحت لنا «حبيبين، دائماً اثنين، الذكر والأنثى، الأم الأرض والابن الجسد، وشكل يعانق شكلاً. حوار ـ صمت. وما يوجد في الحلم على الأرض، والإنسان نبات حلمه».

مساحات واسعة... بساطة راقية

وتعود الفنانة منى السعودي في هذه المرحلة من سنواتها الجليلة وأعمالها الإبداعية. وبعض مضي عشر سنوات على آخر معارضها في بيروت، إلى بعض من نتاج رحلتها مع النحت والرسم والقصيدة من إنجازت جمالية سمتها في المقام الأوّل مسيرتها المبهرة. أنجزت ما بين عامَي 1995 و2017.

في معرض أقامته في «غاليري صالح بركات» ويستمر حتى 28 تشرين الأول المقبل .

من رصيد أكبر بكثير، اختارت السعودي لمعرضها هذا 23 منحوتة من أنواع مختلفة من أحجار فخمة، من بينها نجد عمل «قمر مكتمل» من حجر الترافيرتين، وكذلك: «أمزجة الأرض»، «شروق الشمس»، «أما»، «كسوف القمر»، «المتشرّد»، و«صبار»، فهي من حجر اليشم الأردني الأخضر، في حين أن منحوتتها المعنونة «ماء الحياة» من العقيق اليماني، ومن الغرانيت الأخضر الزمردي نحتت «المرأة النهر».

ويضم المعرض أيضاً مئة لوحة بقياسات مختلفة الأحجام تتنوع بين الأسود والأبيض إلى الأخضر والأصفر.

وفي تحية إلى الشاعر أدونيس «صديقاً وملهماً»، قدّمت لوحاتها التي استلهمتها من وحي شعر أدونيس، طريقتها في التواصل مع القصيدة وإيحاءاتها. «لا تفسّر ولا تسرح ولا تزيّن، بل تحاور النصّ الشعريّ وتدخل به عالم الشكل المرئي».

إلى جانب عدد من اللوحات المنجزة بين عامَي 1977 و1980، كانت قد أعدّتها الفنانة كهدية للشاعر محمود درويش قبل أن يسبقها الموت إليه فغادرنا من غير أن تُقدَّر له رؤيتها. أنجزت السعودي اللوحات السبع المعروضة كتحية لمحمود درويش، ثم أدخلت عليها مقاطع من قصائد له، منها «تلك صورتها» و«هذا انتحار العاشق» و«نشيد إلى الأخضر» و«قصيدة الأرض» التي كتبها درويش خصّيصاً ليوم الأرض الفلسطيني.

إلى جانب تحية أيضاً إلى سان جون بيرس، وهي مجموعة تضمّ 13 رسمة مستوحاة من قصائد الشاعر الفرنسي. كذلك هناك لوحة تحية إلى امرئ القيس سمّتها «الليل الطويل».

منى السعودي، في عبورها بين الثبات والانسياب، بين استدارة الكتل وانحناءتها أو انعطافها أو تحدّبها على نعومة منزلقة حتى استقامتها بالحدّية التصميمية على تنافر، وبين خطوطها بالأخضر والأصفر التي ترجمتها في لوحاتها كنحاتة، مستطيلات ودوائر وخطوطاً مستقيمة ومربعات، ورسومات شعرية مائية أو شكلاً يعانق شكلاً، إنما تحكي عن فنّانةٍ ما زالت مخيّلتها مليئة بالتكوينات، وأنّ الحجارة ما زالت حبلى بأشكال تولد في الأيام المقبلة، يشهد عليها إزميلها على مرّ الزمن.» ثقافة وفنون -البناء»