كتب علاء القرالة

ليست «ضريبة الدخل» ترفا حكوميا أو جباية كما يصفها كثيرة من المتحذلقين ، بل هي سعي لإشراك المواطنين في تحقيق التنمية الاقتصادية والاصلاحات التي يراد بها معالجة الاختلالات المتراكمة لبناء اقتصاد قوي يحقق طموحات الاجيال القادمة ،مقابل استمرار الخدمات المقدمة لهم وتطويرها.

ورغم شح الموارد وتراجع الايرادات ومعدلات النمو ،وارتفاع فاتورة الرواتب وضعف تدفق الحوالات من الخارج، وتراجع الصادرات والسياحة الخارجية بفعل ظروف خارجة عن ارادة الجميع ولظروف سياسية وامنية اقليمية بدأت منذ انقطاع الغاز المصري ، الى ان وصلت الى اغلاق المعابر الحدودية مع الدول المجاورة للأردن بما يعنيه ذلك من توقف التصديروقطاع الشاحنات.

يضاف الى تلك الأعباء التي ترتبت على الاقتصاد استقبال اللاجئين السوريين وما ترتب على ذلك من أكلاف ينوء بها الأردن اضافة الى تراجع العالم عن دعم الاردن لمواجهة هذه الموجة من النزوح التي لم تعرفها المملكة في تاريخها ، وازاء ذلك فقد أتخذت الحكومات المتعاقبة سياسة الدور الرعوي والشعبوي بعيدا عن الواقع الذي يتنافى مع امكانيات الاردن اقتصاديا وماليا لشح الموارد والايرادات التي ترفد استمرار هذا الدور ما تسبب برفع المديونية وتراكمها الى ان وصلت الى حدود صعبة بات معها تأجيل الاصلاح واستمرارالدور الرعوي بعيدا عن اشراك المواطنين في هذا الاصلاح من باب التشاركية في الحياة وحب الوطن تهديدا للاجيال القادمة وتوريثهم مالا يمكن علاجه من اختلالات في الموازنة وتشوه في بنية الاقتصاد.

دول عديدة مجاورة وعربية نفطية منها السعودية والامارات والكويت لم تتوان بل لجأت لخطوات مستعجلة عندما دق ناقوس الخطر بفعل تراجع اسعار النفط وتراجع الايرادات فاتجهت نحو فرض نظام ضريبي، أوله الضريبة على القيمة المضافة ، من أجل رفد وارداتها بالأموال بعد تراجع أسعار النفط العالمية ولم تعمل على الاستدانة والاقتراض في سبيل استمرار تقديم الخدمات لشعوبها بل اشركتهم في عمليات الاصلاح التي أعلنت عنها، وترجمت سريعا هذه القرارات ، خصوصًا في السعودية والإمارات اللتين أطلقتا سلسلة من الخطوات في هذا السبيل، كرفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعارها، والاستعداد المكثّف لبدء فرض الضريبة على القيمة المضافة.

خبراء اكدوا لـ»الرأي» أن على الاردن اليوم الاستفادة من تجربة الدول الغنية التي سارعت الى الاصلاح الاقتصادي من خلال اشراك المواطنين في تحمل جزء من مسؤوليتهم تجاه أوطانهم مقابل استمرارها في تقديم الخدمات التعليمية والصحية وبناء البنية التحتية والتوظيف والقدرة على جذب الاستثمارات وخلق بئية اقتصادية أمنة تحقق الأمن الاجتماعي.

وأشار الخبراء الى تجربة المملكة العربية السعودية صاحبة الاقتصاد الأكبر في المنطقة والنفوذ الأكبر في منظمة «أوبك»، في تطبيق جملة إصلاحات للبحث عن بدائل تعوض التراجع الحاد في أسعار النفط وتأثر ايرادات الخزينة العامة الى جملة من الاصلاحات الضريبية وترشيد الانفاق، وكذلك دولة الامارات العربية المتحدة الدولة النفطية الكبيرة فقد كانت سباقة في تحرير أسعار المحروقات ودرس سبل فرض ضرائب جديدة وكذلك الكويت في جملة اصلاحية قريبة من جارتيها.

وأشاروا ، الى ان دول الخليج تلك كانت في السابق ترصد مبالغ طائلة على الخدمات التعليمية والصحية دون اي ضرائب ما تسبب في عجز مالي في الميزانية العامة لتلك الدول بسبب تراجع الايرادات النفطية ما دفعها الى اعادة النظر في تلك الخدمات ووضع ضرائب عليها ودراسة فرض ضرائب ذات قيمة اضافية على السلع ، مؤكدين على ان الظروف تتشابه مع الاقتصاد الاردني والذي كان يدعم العديد من السلع غير أن الظروف الاقليمية التي تسببت بها الاحداث الامنية بسبب الربيع العربي دفع الحكومات الى اعادة النظر في هذه الخدمات وفرض ضرائب على شرائح معينة دون المساس باصحاب الدخول الفقيرة والمتوسطة.

وقالوا ، أن الامارات ستعمل وفق ما هو متوقع على تطبيق الضريبة على القيمة المضافة على القطاعات المتفق عليها خليجيًا بدءًا من عام 2018 لتحقق هذه الضريبة لدولة الامارات في العام الأول دخلًا يصل الى 3.2 مليار دولار ) ، مشيرين الى ان الكويت أعلنت وقف دعم مواد أساسية كالوقود والمياه والكهرباء، ورفع اسعارها لمواجهة انخفاض اسعار النفط داعية المواطن الى الشعور بالمسؤولية للمساهمة في موازنة الدولة.

ودعا الخبراء الحكومة ممثلة بوزارة المالية الى الحوار ودراسة الاثر الذي سيترتب على فرض اي ضريبة على الشرائح المختلفة دراسة مدى تاثيرها على الطبقتين المتوسطة والفقيرة بالاضافة الى حملة تثقيفية تساهم في تحسين الوعي لدى المواطنين حول فرض الضرائب ومدى مساهمتهم في تحسين الاقتصاد الكلي للدولة والنتائج المترتبة على مثل هذه الضرائب على المدى البعيد والمتوسط من خلال جلسات حوارية وعبر وسائل الاعلام.

وقالوا أن اشراك المواطنين من خلال اقتطاع جزء بسيط من دخولهم وضمن شرائح تستثني الفئات الفقيرة والمتوسطة من خلال الضريبة يساهم في تعزيز المسؤولية الاجتماعية تجاه الوطن ومدخراته واشعار المواطنين انهم شركاء في تحقيق الانجازات مقابل تقديم خدمات جيدة لهم من صحة وتعليم وغيرها من الخدمات التي تقوم بها الحكومات .