تقرير - تالا أيوب

يقرأ مادته الإخبارية أمام الكاميرا.. يخطئ بلفظ كلمة.. يضرب الطاولة بقبضة يده كردة فعل... يتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه؛ لأنه يستصعب على نفسه الوقوع بخطأ لغوي.. يحاول جاهداً تصحيح ما أخطأ به.. فتنجح محاولته ويكمل.

غير أن ارتكاب الأخطاء اللغوية لا يقتصر على الإعلاميين، بل يتعداهم إلى كثير من المهن، كالمهندسين، والأطباء وغيرهم من موظفي القطاعين العام والخاص، ونظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف ضعفهم في اللغة العربية.

في عام 2013، صرّح وزير التربية والتعليم السابق محمد الذنيبات أن:«22% من إجمالي عدد طلاب الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الأساسية لا يجيدون القراءة والكتابة، ما يعني أن 100 ألف طالب لا يستطيعون قراءة الحروف العربية أو الإنجليزية».

وفي السنة الدراسية التي تليها، أكد مصدر مطلع في وزارة التربية والتعليم في تصريح «للرأي» أن: «342 مدرسة في المملكة، تقدم طلبتها إلى امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) بالدورة الصيفية «ولم ينجح منهم أحد».

وأظهر المسح الوطني للقراءة والكتابة والحساب الذي أجري في الأردن عام 2012 بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أن: «معظم الأطفال المُسجلين بالصفوف المُبكرة في المدارس العامة لا يستطيعون القراءة باستيعاب أو حل مسائل الحساب مع الفهم».

وإثر نشر نتائج المسح الوطني لعام 2012، بادرت وزارة التربية والتعليم في تنفيذ التدخل التجريبي الرامي إلى تحسين أداء القراءة والحساب للصفوف المُبكرة.

وأظهر المسح الوطني الذي أجري في عام 2014 نجاح هذا التدخل التجريبي في تحسين مهارات طلاب الصفوف المُبكرة في القراءة والحساب.

وقد استجابت وزارة التربية والتعليم لهذا النجاح من خلال مراجعة مناهج اللغة العربية، والحساب للصفوف المُبكرة، بالإضافة إلى الالتزام بتعميم نهج هذا التدخل على المستوى الوطني.

واستنادا إلى ذلك، فقد تم تصميم مبادرة القراءة والحساب للصفوف المبكرة لترسيخ منهجيات وسياسات وممارسات تعلم القراءة والحساب، وذلك على المستوى المدرسي والمجتمعي والحكومي.

وتقول مدير إدارة مركز التدريب التربوي خوله أبو الهيجاء: «أجري تقييم للأطفال من مرحلة الروضة الى الصف الثالث على المدارس الحكومية لمعرفة تحسّن مستوى الطلاب وتأثير التدريب عليهم وستظهر نتائجه في الشهر الحالي».

الجفاء بين اللغة والمتعلم

توجد مبررات عديدة لدى الأبناء والأسرة لحالة الجفاء مع اللغة العربية وعدم ميلهم لها، ويذكر هذه المبررات مستشار الشؤون التربوية والمناهج الدكتور قيمر القيمري: «قلة قراءة القرآن الكريم، فهو مرجعية مهمة ليس لقواعد اللغة فحسب، وإنما لجمال اللغة ولطائفها».

ويتابع: «مع احترامنا لمعلمي اللغات، وأولها اللغة العربية جُلّ اهتمامهم بقواعد اللغة، ونادراً ما يكون السؤال لاحقاً لنص أدبي: شعر، مقال يتضمن صوراً جمالية فنية رائعة تتضمن الاستعارة والتشبيه والصور البيانية المختلفة».

وتعزو إيمان حسين - وهي طالبة في المرحلة الأساسية - عدم انجذابها لحصص اللغة العربية إلى أن: «الحصة روتينية، وتخلو من العناصر الجذّابة سمعياً وبصرياً».

ويشير والد الطالب سمير ريحاني إلى «عدم اهتمام اباء الطلبة باللغة العربية وعدم متابعتهم لغوياً، وكثرة المشتتات، والتعامل السلبي للطلبة مع عالم الالكترونيات، بالإضافة إلى أن بعض المعلمين تقليديون، وغير مؤهلين لمواكبة تطورات التعليم».

تخصصات عديدة تدرّس في جامعاتنا بغير اللغة الأم، ويقول رئيس المشروع الوطني للدفاع عن اللغة العربية بلال حسن التل» إن: «غالبية الأمم تدرس في الجامعات بلغتها الأم، إلا الأمة العربية».

وتنص المادة 10 من قانون حماية اللغة العربية رقم (35) لسنة 2015 على: «أن لا يعيّن معلم في التعليم العام أو عضو هيئة تدريس في التعليم العالي أو مذيع أو معد أو محرر في أي مؤسسة إعلامية إلّا إذا اجتاز امتحان الكفاءة في اللغة العربية»، بينما تنص الفقرة (ب) على أنه: «تحدد جميع الأمور المتعلقة بامتحان الكفاية في اللغة العربية بما في ذلك الرسوم التي تستوفى بمقتضى نظام يصدر لهذه الغاية».

مظاهر سلبية

«العربيزي» واحد من المظاهر المشتتة للطلاب في تعلم اللغة، وغالبا ما يكتسبها الطلاب من رفاق المدرسة أو البيئة المحيطة، وتعرّف أساتذة اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا نداء مشعل «العربيزي « بأنه: «لغة هجينة تجمع بين العربية والإنجليزية، وتكتب بالأرقام والحروف اللاتينية مع إجراء ما يلزم من تغييرات».

ويعلّل الطالب أحمد درابكة سبب استخدامه لهذا الأسلوب في التواصل عبر الإنترنت بأنه: «يختصر الوقت والجهد، ويعفيني من قيود اللغة وقواعدها، ولمواكبة العصر، فاللغة الانجليزية هي لغة التطور والتكنولوجيا الحديثة، وكي لا يعيب علي أصدقائي بأنني لا أكتب بالحروف الانجليزية».

وترى مشعل أن: «لهذا الأسلوب مخاطر جسيمة «تنسي الشباب لغتهم العربية التي فطروا عليها، وبالتالي يفقدون مع الوقت جزءاً من هويتهم المميزة لهم، والمؤلم أنهم باتوا يستخدمونها في قاعات الصف في المدارس والجامعات، وبالتالي تفصلهم عن تراثهم وآدابهم وعلومهم المكتوبة باللغة العربية».

«الرأي» جالت في شوارع عمّان، فلاحظت بأن نسبة غير قليلة من أسماء المحلات التجارية مكتوبة باللغة الانجليزية، الأمر الذي يعد مخالفاً لقانون حماية اللغة العربية الذي ينص على كتابة الأسماء التجارية باللغة العربية.

الأخطاء اللغوية واللهجة العامية تسيّدت الإعلانات التجارية، فمن السهل جدا مشاهدة إعلانات مكتوبة بلهجات شعبية مثل:»إنت محزوز» بدل محظوظ»، و»أهلن وسهلن» بدلا من أهلاً وسهلاً، وبناء على ما سبق، يلفت القيمري إلى أن :»اللغة مكتسبة، وبالتالي سيكتسب الطفل لغة تسويقية مشوهة من إعلانات الشوارع والمحلات والميادين المشوهة، وستؤثر على اكتسابه للغة عربية سليمة».

دوافع غير مقنعة

ويشير حسين روابدة (15 عاما) إلى سبب تحدثه باللغة الانجليزية بقوله :»إنني أجد سهولة في التحدث بها، فوالداي يتحدثان معي بها منذ صغري، كما أنني أعبّر بطلاقة عما يختلج في نفسي بها، بينما تتوه مني الكلمات العربية».

وتؤكد أخصائية النطق واللغة الدكتورة رهام غانم: «أهمية اكتساب الطفل لغته الأم وإتقانها قبل تعلّيمه أي لغة أجنبية».

وتتابع: «كما أن هناك كثيرا من الأطفال يتأتِئون باللغة العربية، وعلى الأهل معالجة ابنهم من تحديات تعلمه لغته الأم قبل تعليمه لغة أخرى».

ويلفت ولي الأمر كمال جبران الى «ان تعليم اللغة الانجليزية لأبنائنا سيسهل عليهم الحصول على وظيفة مستقبلاً»، إلا أن التل يشير إلى ان: «هؤلاء يفضلون استخدام اللغة الأجنبية، لأنهم يظنون أنهم بذلك يظهرون بمظهر المثقف والمتحضر».

ويقول «التل» إن: «علماء السياسة والاجتماع يؤكدون أن من يستخدم لغة غير لغته بغير ضرورة، يعبر عن إحساس بالنقص والدونية، وهو ما عبّر عنه ابن خلدون في مقدمته «بولَع المغلوب بتقليد الغالب»، وقد فات هؤلاء ان اللغة مرآة أهلها، وانعكاس لواقعهم، فإذا عَلَوْا علت، وإذا سادوا سادت».

استخدام سلبي للإنترنت

كثير من الطلاب يستخدمون الانترنت عند الطلب منهم إجراء بحوث أكاديمية للتوفير على أنفسهم البحث في شتى أنواع المصادر المعرفية، ويقول الطالب الجامعي سمير منصور: «أقوم بالبحث عبر محرك جوجل حول ما أريد، وأجمع المصادر التي تهمني، وأتناول كل ما أريد بطريقة مناسبة، ومختلفة عمّا هو معروض على الانترنت».

ولكن هناك طلاب كثر يسيئون استخدام الانترنت، ذكرهم القيمري بقوله: «بعض الطلاب يلجأون فقط إلى طباعة موضوع البحث»، مشيرا إلى:»قلّة عدد رواد المكتبات عند مقارنة عددهم في العقود السابقة».

المؤتمرات واللغة العربية

وعلى الرغم من أن المادة رقم 12 من قانون حماية اللغة العربية تنص على: «أن اللغة العربية هي لغة المحادثات والمفاوضات والمذكرات والمراسلات والاتفاقيات والمعاهدات (...) وهي لغة الخطاب التي تلقى في الاجتماعات الدولية والمؤتمرات الرسمية ما أمكن ذلك».

إلا أنه: ما زال كثير من مندوبي الدول العربية يتحدثون اللغة الأجنبية في المؤتمرات والهيئات واللجان الدولية على الرغم من أن اللغة العربية أصبحت لغة رسمية في هذه المحافل، والمشاركون في المؤتمرات عرب أيضاً»وفقا لما يقوله القيمري.

تاجيبيديا

يرمز اسم مبادرة «تاجيبيديا» « إلى اختصار اسم الموسوعة «موسوعة طلال أبو غزاله»، وتكمن أهميتها بأنها أول نظام من نوعه على الإنترنت لإتاحة المحتوى العربي المدقق والموثق، شاملا شتى المجالات العلمية، والأدبية، والاقتصادية، والفنية، والرياضية، والثقافية، والمعرفية (...)، وما يتصل بهذه الحقول من معارف علمية ومهنية أخرى.

وبحسب مدير الموسوعة توفيق التلهوني فإن: «الموسوعة تتيح محتوى عربيا مدققا وموثقا، ليكون المرجع الشامل للمحتوى العربي الرقمي المتاح لاستعمال المتخصصين والمهتمين بمختلف جوانب المعرفة باللغة العربية، كما توفر تاجيبيديا كماً هائلاً من المعلومات والمعرفة الموثقة لكل مواطن عربي لديه القدرة على استخدام الوسائل التقنية الحديثة».

ويضيف التلهوني إنه: «من أهداف هذه المبادرة أنه سيصبح المحتوى العربي على الانترنت في المرتبة الرابعة بدلا من مكانته الحالية وهي المرتبة الثالثة عشر».

ويذكر أنه باشرت مجموعة طلال أبوغزاله بتدقيق وإدخال ما يزيد عن مليون ومائتي مدخل باللغة العربية، من شأنها زيادة المحتوى العربي القوي والموثق الذي يساعد اللغة العربية في الانتشار على الانترنت بالشكل الذي يليق بها وبمكانتها بين اللغات.

جهود المجمع

وزع مجمع اللغة العربية الأردني قانون حماية اللغة العربية على جميع دوائر الدولة الرسمية والخاصة، وطلب تعميمه على الجهات التابعة لها، ووجه مخاطبات رسمية لجميع الدوائر المعنية بالقانون، كما وجّه مخاطبات رسمية لبعض الدوائر التي يمكن عقد شراكات معها للتعاون في إنفاذ مواد القانون، وشكّل لجنة خاصة لمتابعة توفيق أوضاع المؤسسات المخالفة؛ وذلك تنفيذاً لحكم المادة السادسة عشرة من القانون.

كما شكّل المجمع فريقاً من موظفيه لتوجيه إنذارات للمحلات التجارية المخالفة لتصويب أوضاعها وبالفعل وزِّعت الانذارات ميدانياً وشملت شارع الملكة رانيا العبدالله، وشارع المدينة المنورة، وشارع وصفي التل، كما وجّه الفريق كتب شكر باسم المجمع للمحلات الملتزمة بقانون الحماية.

ويعمل المجمع الآن على مخاطبة شركات الملكية الفكرية وشركات الإعلانات لتوعيتها ببنود القانون وتعميمها على من يخالف وإلزام ما يتبع لها من دوائر بها، ونفذ المجمع المادة الخاصة بامتحان الكفاية في اللغة العربية.

وبدأ أخيراً في وزارة التربية والتعليم تفعيل امتحان الكفاية باللغة العربية، ويعد من أهم المشروعات التي تخدم رسالة المجمع وتحقق أهدافه في سبيل خدمة اللغة العربية وإحلالها مكانتها اللائقة، وقد شكلت لهذا المشروع لجنة عليا تتولى المهام والصلاحيات التي تحدد الكفايات الأساسية للامتحان ووضع الخطة السنوية لعقده.

وخاطب المجمع بخصوص القانون أمانة عمان الكبرى ووزارة الصناعة والتجارة للتعاون فيما بينهما لإيجاد طريقة، يمكن من خلالها إلزام المحلات المخالفة بتصويب أوضاعها، وذلك عن طريق إدراج بند في إجراءات الترخيص التابعة لها، يقضي بتوجيه صاحب المحل المخالف للتوجه إلى مجمع اللغة لإبداء الرأي في معاملته وإجراء ما يلزم عليها.

وتوجه المجمع إلى وزارة البلديات لإلزام البلديات وما يتبع لها للالتزام ببنود القانون فيما يخص التسميات والإعلانات الصادرة عنها. وكذلك إلى وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية للالتزام ببنود القانون فيما يخص المطبوعات والمنشورات وأرقام الإيداع لديها،

ويقترح المجمع عددا من الحلول لمواجهة مشكلات اللغة العربية لدى النشء، أبرزها: «رعاية المبادرات الطلابية المدرسية والجامعية الخاصة باللغة العربية مالياً ومعنوياً، تأليف الكتب التي تنمي المهارات اللغوية لدى الطلبة وتنمي الذائقة اللغوية لديهم، وتخصيص المسابقات الثقافية الخاصة باللغة العربية قراءة وكتابة ومحادثة واستماعاً وخطاً ورسماً».

ويدعو المجمع إلى تخصيص المكافآت المالية المجزية للمسابقات والتكريم اللائق، لغرس حب اللغة العربية في نفوس الطلبة، وعقد الدورات والمشروعات المجانية لمهارات اللغة العربية وفن الخط العربي، وتخصيص برامج للغة العربية عبر الإذاعات، لإتاحة المجال أمام الأطفال للتعبير عن مواهبهم اللغوية، فضلا عن توفير الوسائل التعليمية المناسبة في المدارس لتقديم اللغة العربية بطريقة حديثة، بعيداً عن التلقين والجمود.